الحرب تعيد رسم خريطة السفر في إيران وتدفع نحو أزمة خانقة للسياحة

أدّت الحرب على إيران وتصاعد الاضطرابات الإقليمية إلى تغيّر نمط السفر في البلاد، إذ حلّت التنقلات الضرورية محل الرحلات الترفيهية، ومع توقف الرحلات الجوية انتقل الضغط من المسارات الجوية إلى الطرق البرية.

ميدل ايست نيوز: أدّت الحرب وتصاعد الاضطرابات الإقليمية إلى تغيّر نمط السفر في إيران، إذ حلّت التنقلات الضرورية محل الرحلات الترفيهية، ومع توقف الرحلات الجوية انتقل الضغط من المسارات الجوية إلى الطرق البرية. وأُدرجت إيران ضمن قائمة الوجهات عالية المخاطر، فيما تقلّصت في المقابل خيارات السفر الخارجي المتاحة للإيرانيين. ولم تقتصر هذه التطورات على تغيير سلوك المسافرين، بل وضعت دورة الاقتصاد السياحي، من شركات الطيران ووكالات السفر إلى النزل البيئية، أمام خطر الإفلاس.

وخلال الأشهر الثلاثة الماضية، حلّت الرحلات الاضطرارية في إيران تدريجياً محل الرحلات الترفيهية. وتحوّل نمط السفر من التخطيط للإقامة في الفنادق وشراء الهدايا واستخدام الخدمات السياحية إلى تنقلات تفرضها الضرورة. كما أدى إلغاء جميع الرحلات الداخلية والدولية منذ بدء الحرب التي استمرت 40 يوماً إلى انتقال واسع من السفر الجوي إلى السفر البري. وانعكست هذه التغيرات السلوكية على أنماط الإنفاق السياحي، إذ اتجه جزء من الرحلات من النمط القائم على الاستهلاك إلى أنماط أقل كلفة مثل السياحة الريفية، والرحلات الطبيعية، والإقامة المؤقتة في الخيام على أطراف الغابات والمناطق الطبيعية.

وبصرف النظر عن الأضرار الناجمة عن الهجمات الجوية على المطارات الإيرانية وتدمير أسطول الطيران، تكبدت وكالات السفر في قلب هذا القطاع النصيب الأكبر من تداعيات الحرب وحالة عدم الاستقرار. ومع الإلغاء أو التعليق الواسع للرحلات الداخلية والدولية، وإعلان إيران منطقة غير آمنة للسفر، دخل هذا القطاع عملياً في حالة ركود.

وكانت السياحة الوافدة إلى إيران محدودة أصلاً، ومتركزة في الغالب على زوار من دول مجاورة لأغراض دينية أو على زيارات فردية، إلا أن هذا المستوى المحدود تراجع أيضاً في الظروف الراهنة. وحتى قبل اندلاع المواجهات العسكرية، كانت 25 دولة من أوروبا والأميركيتين وآسيا وأوقيانوسيا قد حذّرت رعاياها من السفر إلى إيران أو دعتهم إلى مغادرتها فوراً.

وتشير تقديرات العاملين في هذا المجال إلى حجم واسع من الخسائر. وأعلن حرمت‌ الله رفيعي، رئيس جمعية مكاتب خدمات السفر في إيران، أن نحو 142.9 مليون دولار، خلال الحرب التي استمرت 40 يوماً، منها قرابة 28.6 مليون دولار، تكبدتها وكالات الطيران.

وامتدت هذه الخسائر إلى قطاعات سياحية أخرى، إذ تعرضت مراكز الإقامة، بما فيها الفنادق والنزل البيئية، لأضرار كبيرة. وأفاد رئيس الجمعية المهنية للنزل البيئية بأن هذا القطاع تكبد، بعد الفنادق، أكبر قدر من الخسائر الاقتصادية. وقدّر متوسط الخسائر اليومية للنزل البيئية بما يتراوح بين 457 ألفاً إلى 571 ألف دولار يومياً، فيما بلغ إجمالي الخسائر خلال نحو 45 يوماً قرابة 34.3 مليون دولار.

وينشط حالياً في إيران ما بين 3500 وأربعة آلاف نزل بيئي، إلا أن استمرار الركود وارتفاع التضخم وتراجع القدرة الشرائية قد يدفع تدريجياً بعض هذه المنشآت إلى الخروج من السوق.

وتواجه أصفهان، التي تُعد من أبرز الوجهات المحدودة للسياح الثقافيين الأجانب، وضعاً صعباً. ووفقاً لما نقلته وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية، تعمل في المدينة نحو 300 وكالة سياحية بشكل رسمي، إلا أن قسماً كبيراً منها يمر بظروف اقتصادية صعبة. وأجبر التراجع الحاد في أعداد السياح وإلغاء أو تعليق الرحلات السياحية العديد من هذه الوكالات على تقليص العمالة وخفض التكاليف.

وتُعد محدودية الوصول المستقر إلى الإنترنت العالمي من التحديات الجدية الأخرى أمام الوكالات. وذكرت تقارير أن كثيراً من الوكالات لا تملك سوى وصول محدود إلى الإنترنت، يُتاح لها في مقار الاتحادات، لإنجاز مهام أساسية مثل التواصل مع شركات الطيران الأجنبية، ومتابعة الحجوزات، واسترداد قيمة التذاكر. وفي ظل هذه الظروف، تحوّل حتى تلبية الاحتياجات الأولية للمسافرين إلى عملية معقدة.

ويأتي هذا الوضع في وقت ظل فيه قطاع السياحة الإيراني خلال السنوات الأخيرة عرضة لتقلبات سياسية واجتماعية متواصلة، ما حال دون ترسيخ مسار نمو مستدام. وقال حسين نصري، رئيس جمعية مكاتب خدمات السفر والسياحة في محافظة أصفهان، إن قطاع السياحة لم يشهد أياماً مستقرة منذ جائحة كورونا، مضيفاً أن نشاط هذه المكاتب توقف بالكامل مع اندلاع الحرب.

وتظهر المحصلة أن قطاع السياحة الإيراني خلال فترة الحرب لم يواجه فقط تراجعاً في الطلب واضطراباً في العرض، بل شهد أيضاً تحولاً جذرياً في أنماط السفر وسلوك الإنفاق. ومع استبدال الرحلات الترفيهية بالتنقلات الضرورية، وتغير مسارات النقل، وانخفاض الإنفاق في الوجهات، وتزايد الضغوط على الأعمال المرتبطة، برزت مجموعة من التداعيات التي أصابت هذا القطاع، في مسار من شأن استمراره أن يفضي إلى مزيد من إضعاف البنية التحتية والقدرات السياحية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

خمسة × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى