قراءة في مكاسب وخسائر الصين في التوتر بين إيران والولايات المتحدة

أظهرت الأزمة أن الصين لا تزال في مرحلة الانتقال من قوة اقتصادية إلى قوة عالمية شاملة، وهي عملية تواجه خلالها عقبات كبيرة.

ميدل ايست نيوز: توجه وزير الخارجية الإيراني إلى بكين والتقى مسؤولين صينيين، في وقت يُتوقع أن يزور فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب العاصمة الصينية خلال الأيام المقبلة، ما أعاد طرح تساؤلات بشأن الدورين الاقتصادي والسياسي للصين في الحرب الأمريكية ضد إيران. وأصبحت تداعيات هذه الأزمة على القوى الكبرى، وخاصة الصين، محورًا رئيسيًا في التحليلات الجيوسياسية.

ووفقًا لتقرير صادر عن معهد بروكينغز، فإن مجموعة من التقديرات والتحليلات تشير إلى أن بكين ليست الرابح المطلق من هذه الحرب ولا الخاسر الحتمي، بل تواجه مزيجًا من الفرص التكتيكية والتحديات الاستراتيجية. كما أن طريقة تعامل الصين مع الأزمة تكشف جوانب مهمة من عقيدتها في السياسة الخارجية ومكانتها الاقتصادية العالمية.

الصين والحرب في إيران.. فرصة أم تهديد؟

يرى بعض المحللين الغربيين أن انخراط الولايات المتحدة في أزمات الشرق الأوسط يصب تقليديًا في مصلحة الصين، لأنه يشتت تركيز واشنطن عن شرق آسيا ويمنح بكين هامشًا أوسع للحركة. في المقابل، يعتبر آخرون أن أي اضطراب في الشرق الأوسط، خصوصًا في قطاع الطاقة، ينعكس سلبًا بشكل مباشر على الاقتصاد الصيني.

لكن قراءة أعمق للمشهد تظهر أن نظرة الصين إلى الحرب أكثر تعقيدًا من هذا الانقسام الثنائي. فبكين تحتاج قبل كل شيء إلى استقرار النظام الدولي لضمان استمرار نموها الاقتصادي، ولذلك فإن أي اضطراب في أسواق الطاقة أو سلاسل التوريد أو طرق التجارة الدولية يمثل تهديدًا مباشرًا لأهدافها التنموية.

وتؤكد البيانات هذه المخاوف، إذ أدى التراجع الملحوظ في واردات الصين النفطية من منطقة الخليج خلال الأشهر الأخيرة، إلى جانب ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، إلى فرض أعباء اقتصادية كبيرة على بكين. ورغم محاولات الصين خلال السنوات الماضية تنويع مصادر الطاقة وتطوير مواردها المحلية لتقليل الاعتماد على الخارج، فإنها لا تزال عرضة لصدمات الشرق الأوسط.

بناء صورة “القوة المسؤولة”

في المقابل، وفّرت الحرب في الشرق الأوسط فرصًا سياسية للصين، التي حاولت تقديم نفسها باعتبارها طرفًا مسؤولًا وداعمًا للاستقرار. وتندرج الدعوات الصينية إلى وقف إطلاق النار، وإدانة العمليات العسكرية، وطرح مبادرات السلام ضمن هذه الاستراتيجية.

وأتاح هذا النهج لبكين أن تقدم نفسها في مواجهة صورة الولايات المتحدة بوصفها “قوة متدخلة”، على أنها قوة “متوازنة” و”غير تدخلية”. ويمكن أن يمنح هذا التصور الصين رصيدًا دبلوماسيًا مهمًا، لا سيما لدى الدول النامية وبعض الأطراف الإقليمية.

ومع ذلك، تبقى هذه المكاسب محدودة، إذ لم تتمكن الصين، رغم علاقاتها الوثيقة مع إيران، من التأثير بشكل ملموس في مسار الحرب، ما يعكس الفجوة بين النفوذ الاقتصادي الصيني وقدرته الفعلية على ممارسة القوة السياسية والأمنية خارج محيطه الإقليمي.

أبرزت الأزمة أيضًا حدود القوة العسكرية والأمنية الصينية. فعلى خلاف الولايات المتحدة، التي تمتلك القدرة على التدخل العسكري في مناطق بعيدة، لا تزال الصين تفتقر إلى هذه الإمكانات.

ويقتصر الوجود العسكري الصيني في الشرق الأوسط بصورة أساسية على المهام المرتبطة بمكافحة القرصنة البحرية، ما يدل على أن بكين لا تزال غير راغبة في أداء دور أمني واسع النطاق على المستوى العالمي.

ولا يرتبط هذا الأمر فقط بالقيود العملياتية، بل يعكس أيضًا خيارًا استراتيجيًا يقوم على تجنب الانخراط في التزامات عسكرية مكلفة. فالصين تفضل استخدام الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية لتحقيق مصالحها بدلًا من التدخل العسكري المباشر. ورغم أن هذا النهج يقلل المخاطر قصيرة الأمد، فإنه يحد في الوقت نفسه من قدرة بكين على المناورة في الأزمات الكبرى.

لعبة مزدوجة بين إيران والصين

تشير المعطيات إلى أن الصين تتبع سياسة مزدوجة تجاه إيران. فمن جهة، حافظت على علاقاتها الاقتصادية مع طهران، وربما قدمت دعمًا في بعض المجالات التقنية والمعلوماتية، ومن جهة أخرى امتنعت عن تقديم مساعدات عسكرية مباشرة حتى لا تعرض علاقاتها مع الولايات المتحدة والدول العربية للخطر.

ويسمح هذا النوع من الدعم غير المباشر للصين بالحفاظ على مصالحها دون الانخراط في مواجهة علنية. وقد سبق أن اتبعت بكين النهج نفسه خلال الحرب الأوكرانية، عندما قدمت دعمًا اقتصاديًا لروسيا من دون إرسال أسلحة.

إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة

يبدو أن العامل الأكثر تأثيرًا في سلوك الصين يتمثل في أهمية علاقتها مع الولايات المتحدة. فرغم التنافس الاستراتيجي بين الطرفين، لا تزال بكين حريصة على تجنب تصعيد التوتر مع واشنطن.

وفي هذا السياق، تُعامل الحرب في إيران باعتبارها قضية ثانوية مقارنة بالأولوية الأساسية للصين، والمتمثلة في إدارة التنافس مع الولايات المتحدة. وتشير تقارير إلى أن قادة البلدين حاولوا تجنب تحول الأزمة إلى نقطة صدام مباشر بينهما.

ويعكس ذلك أن الصين، خلافًا لبعض التصورات، لا تسعى حاليًا إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، بل تفضل مواصلة مسار نموها ضمن بيئة دولية مستقرة نسبيًا.

تأثير الحرب على حسابات الصين بشأن تايوان

يمثل تأثير الحرب على رؤية الصين لملف تايوان أحد الأبعاد المهمة للأزمة. فمن ناحية، قد يؤدي انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط إلى تحويل اهتمامها مؤقتًا بعيدًا عن شرق آسيا، لكن من ناحية أخرى فإن استعراض القوة العسكرية الأمريكية في هذه الحرب قد يحمل تأثيرًا ردعيًا.

وبذلك، توجه الحرب رسالة مزدوجة إلى بكين؛ فهي تمنحها فرصة نتيجة انشغال واشنطن في أكثر من جبهة، لكنها في الوقت نفسه تحذرها من أن الولايات المتحدة لا تزال قادرة على استخدام قوتها العسكرية عالميًا.

وتشير التحركات الصينية إلى أن بكين لا ترغب في استغلال الظروف الحالية لتصعيد التوتر في مضيق تايوان، بل تواصل التركيز على استراتيجيتها بعيدة المدى القائمة على توسيع نفوذها السياسي والاقتصادي.

أمن الطاقة.. نقطة الضعف الأبرز

أظهرت الأزمة أيضًا أن أحد أبرز مواطن الضعف لدى الصين يتمثل في اعتمادها على مسارات الطاقة الخارجية. فالتوترات في مضيق هرمز والمخاوف من إغلاق الممرات الحيوية أعادت التأكيد على أهمية أمن الطاقة بالنسبة لبكين.

وقد يدفع ذلك الصين إلى تسريع خطط تنويع مصادر الطاقة، وزيادة احتياطياتها الاستراتيجية، وربما إعادة النظر في طرق نقل الطاقة. كما لا يُستبعد تعزيز التعاون في مجال الطاقة مع دول أخرى، بما فيها الولايات المتحدة.

وخلال السنوات الأخيرة، بنت الصين علاقات اقتصادية واسعة مع دول الخليج، يفوق حجمها التجاري مع هذه الدول بكثير حجم تجارتها مع إيران، ما دفع بكين خلال الحرب الأخيرة إلى تبني سياسة حذرة ومتوازنة.

لكن هذه المقاربة ليست بلا تكلفة، إذ لم تحظ مواقف الصين برضا كامل لا من إيران ولا من بعض الدول العربية، ما يعكس التحديات التي تواجهها سياسة “الحياد النشط” الصينية في أوقات الأزمات.

لا رابح مطلق ولا خاسر كامل

لا تمثل الحرب في إيران بالنسبة للصين “لعبة صفرية”. فبكين استفادت من بعض الفرص الدبلوماسية والاستراتيجية، لكنها في المقابل واجهت تحديات اقتصادية وقيودًا هيكلية.

والأهم من ذلك أن الأزمة أظهرت أن الصين لا تزال في مرحلة الانتقال من قوة اقتصادية إلى قوة عالمية شاملة، وهي عملية تواجه خلالها عقبات كبيرة.

تفضل بكين إدارة هذا التحول بحذر وتدرج، مع تجنب المخاطر الكبرى. وبمعنى آخر، فإن الصين لا تبدو في موقع المنتصر الكامل ولا الخاسر النهائي في الحرب المرتبطة بإيران، بل تسعى إلى الحفاظ على مسار نموها بأقل تكلفة ممكنة وسط بيئة دولية مضطربة، وهي استراتيجية يُرجح أن تستمر خلال المرحلة المقبلة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 − 15 =

زر الذهاب إلى الأعلى