الصحافة الإيرانية: تركيا وإعادة هندسة الممرات الإقليمية: من دعم إيران إلى تجاوزها اقتصادياً
تعمل تركيا على إطلاق ممر «طريق التنمية» في العراق، بما يهمش الممرات الإيرانية شمالاً وجنوباً، فقد أعاد وزير الطاقة طرح فكرة إنشاء خط أنابيب غاز من قطر إلى تركيا مروراً بعدد من الدول، مشيراً إلى أن ذلك يوفر مساراً بديلاً لتصدير الغاز إلى أوروبا بعيداً عن مضيق هرمز.
ميدل ايست نيوز: شهدت الحرب بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل مواقف علنية من مسؤولين أتراك دافعوا عبر الشاشات عن طهران، بل وعرضوا التوسط واستضافة مفاوضات مصالحة بين إيران وواشنطن لإنهاء القتال، غير أن أنقرة كانت في الوقت ذاته تسارع إلى تطوير مسارات ترانزيت بالشراكة مع الولايات المتحدة وإسرائيل من شأنها تسهيل تدفق الطاقة إلى أوروبا وتقليص اعتماد تلك الأسواق على مضيق هرمز، إضافة إلى تهميش الممرات الإيرانية وتحويل تركيا إلى بوابة رئيسية لطاقة أوروبا.
تركيا؛ الرابح الخفي لمسار ترامب
وكتبت صحيفة شرق الإيرانية، إنه اجتمع في منتصف أغسطس من العام الماضي الخصمان التقليديان في جنوب القوقاز، جمهورية أذربيجان وأرمينيا، مع الولايات المتحدة ووقعوا اتفاقاً لإنشاء ما سمي بـ«مسار ترامب»، وهو اتفاق يبدو اقتصادياً في ظاهره، لكنه يعيد رسم خرائط التجارة في الشريط الشمالي لإيران. وقبل اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، كانت موسكو تمسك بزمام المعادلات في جنوب القوقاز، إلا أن استنزافها في الحرب أفسح المجال أمام الولايات المتحدة وشركائها، ومن بينهم إسرائيل وفرنسا والهند وحتى باكستان، لتعزيز حضورهم عبر اتفاقات اقتصادية وأمنية متعددة.
وشكل ممر زنغزور محور خلاف طويل بين أرمينيا وأذربيجان، وهو ممر ضيق يمر عبر إقليم سيونيك الأرميني ويربط بين أراضي أذربيجان الرئيسية وإقليم ناخيتشيفان المنفصل عنها. ويقع الإقليم على الحدود الإيرانية الأرمينية، فيما يمر الممر بمحاذاة الشريط الحدودي الإيراني، ما يؤدي عملياً إلى قطع وصول إيران إلى أوروبا عبر أرمينيا ومنح أذربيجان السيطرة على هذا المنفذ، وهو ما يعد بالنسبة إلى طهران قضية أمنية فضلاً عن أهميته التجارية.
دخلت الولايات المتحدة على خط هذا النزاع الصيف الماضي ووقعت اتفاقاً أطلق عليه «مسار ترامب للسلام والازدهار الدولي»، فاتحة صفحة جديدة في ملف زنغزور. وجاء الاتفاق في ظل تحولات متسارعة شهدها جنوب القوقاز، أبرزها هجوم أذربيجان عام 2023 لاستعادة إقليم قره باغ وإنهاء ثلاثة عقود من سيطرة الانفصاليين المدعومين من أرمينيا، وهو ما دفع يريفان إلى إعادة تقييم موقعها الإقليمي وعلاقاتها بروسيا وعدائها التاريخي مع تركيا.
وبموجب الاتفاق، يُمنح تشغيل المسار لمدة 99 عاماً إلى اتحاد أميركي خاص، مع وعود بجذب استثمارات أميركية إلى أرمينيا. وأشاد رئيس الوزراء الأرميني نيكول باشينيان بالرئيس الأميركي دونالد ترامب واعتبره جديراً بجائزة نوبل للسلام، فيما لمح الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف إلى إمكانية ترشيحه للجائزة.
وبرزت تركيا بوصفها الرابح الخفي من الاتفاق، إذ تسعى منذ سنوات إلى تعزيز نفوذها في جنوب القوقاز مستفيدة من شريط حدودي قصير بطول نحو 17.7 كيلومتراً مع ناخيتشيفان، بما يمكنها من الإمساك بشرايين التجارة في المنطقة والتحول إلى بوابة عبور للطاقة نحو أوروبا، خصوصاً مع تمركز كبار منتجي النفط والغاز حول بحر قزوين.
أفادت وكالة بلومبرغ عقب توقيع الاتفاق بأن تركيا شرعت في ربط شبكتها الحديدية بمسار ترامب. وأعلن وزير النقل التركي عبد القادر أورال أوغلو خلال وضع حجر الأساس لمشروع بطول 224 كيلومتراً أن الخط سيربط معبر ديلجو الحدودي في تركيا بناخيتشيفان وبخط السكك الحديدية الرئيسي في ولاية قارص. ويعد المشروع جزءاً من ممر جنوب القوقاز الذي حصلت الولايات المتحدة على حق تشغيله الحصري. وأكد الوزير أن الممر سيعزز التعاون الاقتصادي بين تركيا وأذربيجان وأرمينيا، ويجعل طريق التجارة الدولية الممتد من الصين إلى بريطانيا أكثر كفاءة بعد استكمال البنى التحتية اللازمة. وحصلت أنقرة سريعاً على تمويل بقيمة 2.4 مليار يورو من بنك MUFG الياباني وهيئة ائتمان الصادرات السويدية EKN ومؤسسات تابعة للبنك الإسلامي للتنمية.
في موازاة ذلك، تحدثت صحيفة فايننشال تايمز عن خطط تركية لإعادة فتح الحدود مع أرمينيا لتفعيل المسار التجاري المدعوم من ترامب بين أوروبا وآسيا، في وقت تبدو فيه أنقرة سياسياً أقرب إلى طهران في الحرب الدائرة.
تركيا تسعى إلى تجاوز مضيق هرمز
تعمل تركيا أيضاً على إطلاق ممر «طريق التنمية» في العراق، بما يهمش الممرات الإيرانية شمالاً وجنوباً. وكشف وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار لوكالة الأناضول عن مقترح لربط حقول البصرة النفطية في جنوب العراق بشماله، بما يتيح تصدير النفط عبر تركيا إلى أوروبا من دون المرور بمضيق هرمز. وينقل خط أنابيب العراق–تركيا نفط كركوك إلى ميناء جيهان التركي على المتوسط بطاقة تفوق 1.5 مليون برميل يومياً.
كما أعاد الوزير طرح فكرة إنشاء خط أنابيب غاز من قطر إلى تركيا مروراً بعدد من الدول، من بينها السعودية والأردن وسوريا، مشيراً إلى أن ذلك يوفر مساراً بديلاً لتصدير الغاز إلى أوروبا بعيداً عن مضيق هرمز. وأفادت وكالة تسنيم في مايو 2026 بأن تركيا وقعت عقداً مع العراق لبيع 20 منظومة دفاع جوي لحماية حقول النفط والغاز، علماً بأن قسماً كبيراً من هذه الحقول يقع شمال العراق قرب الحدود التركية ويضم استثمارات أميركية وإماراتية وإسرائيلية، وقد تعرض بعضها سابقاً لهجمات صاروخية.
إلى جانب ذلك، أطلق العراق خلال السنوات الأخيرة مشروع «طريق التنمية» بالتعاون مع تركيا، بهدف ربط آسيا بأوروبا عبر شبكة من السكك الحديدية والطرق والموانئ والمراكز الحضرية، ويشكل تطوير ميناء الفاو الكبير في جنوب العراق حجر الزاوية في هذا المشروع، مع إمكانية امتداده عبر تركيا نحو أوروبا.



