الصحافة الإيرانية: هل أصبحت تركيا الخاسر الأكبر من تراجع نفوذ إيران في سوريا؟
إن إزالة اللاعب السابق (إيران) أفسحت المجال لتحول التنافس التاريخي بين تركيا وإسرائيل إلى مواجهة مباشرة في المجال الحيوي لأنقرة، وأن كل انتصار ظاهري أصبح بداية لتهديد جديد في النظام الإقليمي.

ميدل ايست نيوز: شهد الشرق الأوسط في صيف 2026 تحولًا غير مسبوق في موازين القوى، إذ تقف تركيا وإسرائيل، اللتان كانتا حتى وقت قريب على طرفي نقيض في الصراع السوري، اليوم في مواجهة مباشرة وتاريخية. ويجد رجب طيب أردوغان نفسه، الذي اعتبر سقوط بشار الأسد “انتصارًا على محور إيران”، أمام كابوس أمني، بعدما أدى تراجع النفوذ الإيراني إلى وصول الجيش الإسرائيلي بسرعة إلى أطراف دمشق وجنوب لبنان، وانهيار الحاجز الدفاعي الذي كان يحول دون التوسع الإسرائيلي.
يطرح أحمد رشيدي نجاد، وهو باحث في الجغرافيا السياسية، في مقال له على موقع دبلوماسي إيراني، تساؤلًا مفاده ما إذا كان دعم أنقرة للمعارضة السورية قد نقل المواجهة الاستراتيجية من إيران إلى تركيا، لتصبح الأخيرة في الخطوط الأمامية للمواجهة مع إسرائيل بدلًا من الجمهورية الإسلامية. إذ أن إزالة اللاعب السابق أفسحت المجال لتحول التنافس التاريخي بين تركيا وإسرائيل إلى مواجهة مباشرة في المجال الحيوي لأنقرة، وأن كل انتصار ظاهري أصبح بداية لتهديد جديد في النظام الإقليمي.
أدى هذا الواقع الاستراتيجي إلى تصاعد غير مسبوق في الحرب الكلامية بين الزعيمين. فقد اتهم أردوغان، في خطاب حديث، بنيامين نتنياهو و”شبكة المجرمين التابعة له” بتهديد تركيا كما هددوا سوريا ولبنان، مؤكدًا أن سوريا ولبنان تقعان ضمن “جغرافيا الأخوة” بالنسبة لتركيا، وأن أنقرة لن تتسامح مع أي اعتداء عليهما. كما حذر من أن إسرائيل تجاوزت حدودها وأصبحت مصدر تهديد للعالم بأسره، معلنًا أن استهداف سوريا ولبنان لن يمر دون رد. ووسّع أردوغان حدود الأمن التركي من هاتاي إلى حلب ودمشق وبيروت، مؤكدًا أنه لن يقبل بأي إجراءات مفروضة في الدول الشقيقة، ولن يسمح لتل أبيب بتحقيق أهدافها عبر “مزاعم أرض الميعاد”. في المقابل، رد نتنياهو بحدة، واعتبر أردوغان “آخر من يحق له إعطاء دروس في الأخلاق”، ووصفه بأنه “ديكتاتور معادٍ لليهود”، مؤكدًا أن الجيش الإسرائيلي سيواصل عملياته الردعية حتى القضاء الكامل على محور إيران. كما حذر وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس من أن أي تحرك عدائي تركي داخل الأراضي السورية سيُقابل برد قاسٍ. هذه التصريحات وضعت تركيا أمام اختبار مصيري يزيد من تعقيد المعضلة الاستراتيجية.
ولفهم عمق “الكارثة الاستراتيجية” التي واجهها أردوغان، يمكن العودة إلى التاريخ، حيث أقامت طهران خلال أربعة عقود، عبر الاستثمار في محور المقاومة، حاجزًا متينًا أمام التوسع الإسرائيلي. ورغم أن هذا الحاجز كان منافسًا سياسيًا لتركيا، فإنه شكّل، من منظور واقعي، منطقة عازلة أبعدت أنقرة عن مواجهة مباشرة مع الجيش الإسرائيلي. فإيران وحلفاءها أدوا دور المنطقة العازلة، بما أتاح لأنقرة تنفيذ سياساتها ذات الطابع العثماني من دون خشية من صدام عسكري مع تل أبيب. إلا أن دعم أردوغان للمعارضة السورية أدى إلى إزالة هذا الحاجز، ومهّد الطريق أمام التوغل الإسرائيلي في عمق سوريا ولبنان. وبعد سقوط النظام في دمشق، تمكنت إسرائيل من السيطرة على القنيطرة ودرعا والأحياء الجنوبية للعاصمة من دون عوائق. وهكذا، تحول ما اعتبره أردوغان انتصارًا إلى انهيار للحاجز الدفاعي التركي، وأصبح الوجود الإسرائيلي داخل المجال الاستراتيجي لأنقرة.
تؤكد تصريحات بتسلئيل سموتريتش وإيتمار بن غفير عزم إسرائيل على مواصلة وجودها الدائم والتوسع التدريجي في جنوب لبنان حتى نزع سلاح حزب الله بالكامل. فالجيش الإسرائيلي، من خلال انتشاره في الجولان وغرب الفرات وجنوب لبنان، طوق تركيا فعليًا. إذن، ما كانت إيران تديره لعقود بوصفه تهديدًا غير مباشر لأنقرة تحول اليوم إلى تهديد مباشر على حدودها من قبل قوة مغامرة. يتمثل الفارق الجوهري في أن التوترات كانت تُحتوى سابقًا داخل سوريا ولبنان، أما اليوم فقد اقتربت دائرة النار من الحدود الجغرافية لتركيا.
يمكن أن نعزوا خطأ أردوغان في الحسابات إلى اعتقادين خاطئين؛ الأول أن إسقاط الأسد سيجعل تركيا اللاعب المهيمن في سوريا ويمنحها ورقة ضغط على إسرائيل، والثاني التقليل من سرعة إسرائيل وجرأتها في استغلال فراغ السلطة. فقد اعتقد أردوغان أنه سيكون صاحب الكلمة الأولى في رسم قواعد اللعبة بعد سقوط الأسد، لكنه تجاهل أن نتنياهو كان يمتلك خطة مسبقة لتوسيع الحدود الأمنية الإسرائيلية حتى ضفاف الفرات وجنوب لبنان. ومع انهيار الحاجز الإيراني، دخلت إسرائيل إلى الساحة بسرعة، لتجد تركيا نفسها في موقع المدافع بعد أن كانت تنتهك السيادة السورية. وهنا اضطر أردوغان إلى رفع سقف خطابه ضد إسرائيل للحفاظ على صورته الإسلامية، إلا أن ذلك لم يؤد سوى إلى تصعيد التوتر. كما أن الدفاعات الجوية الإسرائيلية أسقطت مؤخرًا طائرة مسيرة تركية في شمال سوريا، وهو ما وصفته وزارة الخارجية التركية بأنه “عمل عدائي”. مثل هذه الحوادث تؤكد أن المواجهة غير المباشرة تتجه سريعًا نحو صدام مباشر.
ترسم هذه المعطيات للمستقبل سيناريوهين محتملين لهذه المعضلة الاستراتيجية. فبينما يرى خبراء عسكريون أن الحرب الشاملة ستكون باهظة الكلفة، فإنهم لا يستبعدون استمرار المواجهات المحدودة والحروب بالوكالة. وفي المقابل، ثمة احتمال آخر يتمثل في أن شعور تركيا بأنها محاصرة قد يدفعها إلى إعادة تعريف استراتيجيتها، وربما إلى التعاون مع خصمها التاريخي، إيران، في تحالف كان يُعد حتى وقت قريب مستحيلًا، لكنه أصبح خيارًا مطروحًا في ظل التهديد المشترك. فتركيا أظهرت سابقًا، خلال المواجهة مع المحور الإسرائيلي-الأمريكي ضد إيران، ولا سيما خلال الحرب الأخيرة، أن مصالحها الاستراتيجية لا تتطابق بالكامل مع مصالح واشنطن. كما أن دعم الولايات المتحدة وإسرائيل للجماعات الكردية الانفصالية يمثل إحدى أكثر نقاط الضعف حساسية بالنسبة لأنقرة، وأن القضية الكردية جعلت المصالح الأمنية التركية والإيرانية تتقاطع في مواجهة السياسات الإسرائيلية.
إذن، يمكن اقول أن أردوغان وجد نفسه أمام “هدف عكسي” كامل، إذ إن إضعاف إيران أدى إلى اقتراب إسرائيل أكثر من الحدود التركية. فالرجل الذي سعى إلى أن يكون “سلطان الشرق الأوسط الجديد” فتح بوابة التوسع داخل المجال العثماني السابق أمام أكثر جيوش المنطقة تطورًا. تعكس المعضلة الاستراتيجية لصيف 2026، قبل كل شيء، فشل الحسابات القائمة على إقصاء المنافس بدلًا من إدارة توازن القوى، وهو ما وضع تركيا أمام حقيقة جديدة مفادها أن أي انتصار ظاهري في الشرق الأوسط الجديد لا يخلو من تبعات استراتيجية عميقة، وأن ضعف أحد الخصوم لا يعني بالضرورة تعزيز موقع الحلفاء، بل قد يفتح الباب أمام تهديد أكبر.



