الصحافة الإيرانية: ما وراء الجدل بشأن شراء الحبوب الأمريكية

إن الحجم المحتمل لمشتريات إيران، مقارنة بالتجارة العالمية التي تبلغ مئات ملايين الأطنان من الحبوب ومدخلات الغذاء، يظل محدودًا للغاية، ولا يمكن أن يحدث تأثيرًا حاسمًا في أوضاع المزارعين الأمريكيين.

ميدل ايست نيوز: تصدرت التصريحات التي أدلى بها نائب الرئيس الأمريكي بشأن تخصيص جزء من الأصول المالية الإيرانية المفرج عنها لشراء المنتجات الغذائية من المزارعين الأمريكيين عناوين الصحف ووسائل الإعلام العالمية والإيرانية، وذلك في أعقاب المفاوضات الرباعية في سويسرا والمباحثات المتعلقة بالإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية.

وردّ محافظ البنك المركزي الإيراني مؤكدًا أن إيران تؤمّن المدخلات والمنتجات الزراعية التي تحتاجها وفق معايير المنافسة والسعر والجودة ومن أي مصدر مناسب في الأسواق العالمية. وسرعان ما تحولت هذه التصريحات إلى قضية سياسية داخل إيران، حيث تناولها المؤيدون والمعارضون كلٌّ من زاويته الخاصة.

إلا أن أهمية الموضوع تتجاوز أبعاده السياسية والإعلامية، إذ تبرز أبعاده الاقتصادية والتجارية والأمنية ودوره في تعزيز السيادة الغذائية للبلاد. ولتوضيح الصورة، لا بد أولًا من التوقف عند عدد من الحقائق الأساسية المتعلقة بالاقتصاد الغذائي العالمي.

التجارة العالمية للغذاء.. من جنسية المنتج إلى ملكية الشركات

يقول محمد حسين عمادي، الخبير والمحلل في القضايا الدولية والتنموية، في مقال لصحيفة شرق، إن العقود الخمسة الماضية شهدت توسعًا كبيرًا في دور الشركات متعددة الجنسيات في التجارة العالمية. وكما هو الحال في قطاعات النفط والطاقة والإلكترونيات، لم تعد “جنسية المنتج” العامل الحاسم في سوق الغذاء العالمي، بل أصبحت شبكات الملكية والاستثمار والعائدات الخاصة بالشركات متعددة الجنسيات هي العنصر الأكثر تأثيرًا.

وتسيطر مجموعة محدودة من الشركات الدولية الكبرى على جانب كبير من تجارة الحبوب والبذور الزيتية ومدخلات الأعلاف، إذ تدير سلاسل الإنتاج والنقل والتخزين والتوزيع. وفي هذا السياق، فإن شراء الذرة من البرازيل أو القمح من روسيا أو فول الصويا من الولايات المتحدة لا يعني بالضرورة التعامل المباشر مع مزارعي تلك الدول، وإنما يندرج ضمن شبكة عالمية معقدة لتجارة السلع.

الدول والرسوم الجمركية والأمن القومي

يتمثل الدور الأساسي للحكومات في هذا النظام العالمي، الذي تهيمن عليه الشركات متعددة الجنسيات، في تنظيم السياسات التجارية وحماية المصالح الوطنية. وتنقسم هذه المصالح عادة إلى مستويين: حماية ربحية القطاعات الاقتصادية ودعم فرص العمل المحلية، ومراعاة الأهمية الاستراتيجية للسلع المرتبطة بالأمن القومي.

ولهذا أصبحت الرسوم الجمركية إحدى أهم أدوات رسم السياسات الاقتصادية. ففي الظروف الطبيعية تُستخدم لحماية الإنتاج المحلي أو تنظيم الأسواق، أما في أوقات الأزمات فقد تتحول إلى حروب جمركية أو عقوبات اقتصادية أو حتى حصار تجاري. وأظهرت التجربة الصينية خلال السنوات الأخيرة أن الأمن الغذائي وضمان الوصول إلى مصادر مستقرة للغذاء أصبحا من أهم عناصر القوة الوطنية للدول.

استخدام الغذاء كسلاح

رغم أن استخدام الغذاء كسلاح سياسي لا يحظى بقبول في أدبيات العلاقات الدولية، فإن تطورات العقدين الماضيين أظهرت مؤشرات واضحة على عودة هذه الظاهرة.

فقد كشفت الحرب في أوكرانيا، وأزمة غزة، وتصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط، والهجوم على إيران، وإغلاق مضيق هرمز، أن أي اضطراب في أسواق الطاقة أو سلاسل إمداد الحبوب والأسمدة والمدخلات الزراعية يمكن أن يترك آثارًا واسعة على المعادلات السياسية عبر تهديد الأمن الغذائي للدول.

ويبرز ذلك بوضوح في القيود التي فرضتها روسيا على صادرات الحبوب عام 2022، وتأثير الحرب الأوكرانية في سوق القمح العالمية، إضافة إلى الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين. وقد دفعت هذه التطورات كثيرًا من الحكومات إلى التعامل مع قضية السيادة الغذائية باعتبارها قضية استراتيجية، وإلى تنويع مصادر استيراد الغذاء ضمن استراتيجيات الأمن القومي.

هيكل الواردات والأمن الغذائي في إيران

رغم أن إيران حققت خلال العقود الخمسة الماضية تقدمًا ملحوظًا في الإنتاج الزراعي، ووصلت إلى مستويات جيدة من الاكتفاء الذاتي في عدد من المحاصيل، فإنها لا تزال تعتمد على الاستيراد لتلبية احتياجات قطاع الثروة الحيوانية والدواجن وجزء من الاستهلاك الغذائي.

وبحسب تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، تشمل أهم الواردات الزراعية الإيرانية الذرة والشعير والقمح والبذور الزيتية وكسبة فول الصويا. وتُعد الذرة وكسبة فول الصويا أهم المدخلات المستخدمة في قطاع الدواجن والثروة الحيوانية، ويرتبط جزء كبير من الأمن الغذائي في إنتاج لحوم الدواجن والبيض ومنتجات الألبان بتأمين هذه المواد بصورة مستدامة.

وتشير التقارير الدولية إلى أن إيران تستورد سنويًا ملايين الأطنان من الذرة والشعير، يأتي جزء كبير منها من البرازيل وروسيا وكازاخستان ودول البحر الأسود، وفي بعض الفترات من الولايات المتحدة. كما أن العجز في القمح والشعير يرتبط تقليديًا بمعدلات هطول الأمطار، ويُعوّض غالبًا عبر الاستيراد من روسيا وكازاخستان ودول آسيا الوسطى.

أما سوق الذرة وفول الصويا، فتتسم بطابع عالمي أكثر، وتخضع أساسًا للأسعار وتكاليف النقل وظروف المنافسة في الأسواق الدولية. وخلال العقدين الماضيين، أكسبت العقوبات الحكومة الإيرانية والتجار خبرة كبيرة في تنويع مصادر الاستيراد. وفي مثل هذه الظروف، فإن أي تخفيف مؤقت للقيود المالية والعقوبات المصرفية يمنح المستورد الإيراني هامشًا أوسع للاختيار والوصول إلى أسعار أكثر تنافسية، من دون أن يعني ذلك الاعتماد على دولة بعينها.

التأثير السياسي للمزارعين الأمريكيين

ومن النقاط المهمة في فهم تصريحات المسؤولين الأمريكيين إدراك المكانة السياسية التي يشغلها المزارعون داخل هيكل السلطة في الدول الغربية.

ففي الولايات المتحدة وفرنسا، تتمتع الاتحادات الزراعية والنقابات المهنية بنفوذ ملموس في العملية الانتخابية، ويمكن لأصواتها أن تؤثر بشكل كبير في نتائج الانتخابات الرئاسية وانتخابات الكونغرس. لذلك فإن تركيز السياسيين الأمريكيين على مصالح المزارعين المحليين يُعد جزءًا من المنافسة السياسية والحملات الانتخابية.

وخلال الأشهر الأخيرة، تعرض القطاع الزراعي الأمريكي لضغوط كبيرة نتيجة الارتفاع غير المسبوق في أسعار الوقود، وقفزة أسعار الأسمدة، واضطراب سلاسل النقل العالمية، وهو ما أدى إلى تراجع شعبية فريق ترامب بين قاعدته التقليدية من المزارعين في ولايات الوسط الأمريكي.

ومن هذا المنطلق، فإن الإعلان عن أي انفراجة أو زيادة في صادرات المنتجات الزراعية إلى الأسواق الخارجية يمكن تقديمه داخليًا بوصفه نجاحًا للحكومة في دعم المزارعين المتضررين. ولذلك ينبغي تفسير تصريحات المسؤولين الأمريكيين بشأن بيع المنتجات الزراعية لإيران في إطار اعتبارات السياسة الداخلية والسعي إلى كسب دعم القطاع الزراعي قبيل الانتخابات.

الخلاصة

أولًا، إن الحجم المحتمل لمشتريات إيران، مقارنة بالتجارة العالمية التي تبلغ مئات ملايين الأطنان من الحبوب ومدخلات الغذاء، يظل محدودًا للغاية، ولا يمكن أن يحدث تأثيرًا حاسمًا في أوضاع المزارعين الأمريكيين. ومن ثم فإن تضخيم هذه القضية سياسيًا يحمل طابعًا دعائيًا وانتخابيًا بالنسبة للجانب الأمريكي أكثر مما يعكس واقعًا اقتصاديًا.

ثانيًا، إن التطورات الجيوسياسية الأخيرة، وارتفاع تكاليف النقل البحري والتأمين، وزيادة أسعار الأسمدة، وتراجع إنتاجية الحبوب، واستمرار حالة عدم اليقين في طرق التجارة العالمية، قد تؤدي خلال السنوات المقبلة إلى ارتفاع الأسعار العالمية للحبوب والمدخلات الزراعية. وقد حذرت مؤسسات دولية عديدة من هشاشة الأمن الغذائي العالمي أمام أي اضطرابات كبيرة في سلاسل الإمداد.

ومن المرجح ألا يترك أي تخفيف مؤقت للقيود التجارية الأمريكية المفروضة على إيران أثرًا هيكليًا طويل الأمد في نمط التجارة الخارجية الإيرانية، إلا أنه قد يتيح للمستوردين الإيرانيين فرصة أوسع للوصول إلى الأسواق العالمية وتأمين جزء من احتياجات البلاد بأسعار أقل.

ومن منظور المصلحة الوطنية، فإن ما يكتسب الأهمية ليس مصدر السلع جغرافيًا أو سياسيًا، بل اعتماد رؤية طويلة الأمد لتعزيز القدرة على الصمود، وتنويع مصادر التوريد، وخفض الهدر وتكاليف الاستيراد، وتعزيز الأمن الغذائي الإيراني في ظل الظروف الراهنة عالية المخاطر.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر + اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى