السبب الحقيقي وراء توقف المفاوضات الإيرانية-الأمريكية.. لماذا أصبح لبنان العقدة الكبرى؟

يصر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن المفاوضات بين إيران وأمريكا مستمرة، ويعتبر كل من يقول خلاف ذلك كاذباً ومضللاً

ميدل ايست نيوز: يصر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على أن المفاوضات بين إيران وأمريكا مستمرة، ويعتبر كل من يقول خلاف ذلك كاذباً ومضللاً. وكان نفيه هذا غريباً، إذ لم يستهدف فقط التقارير الصادرة خلال الأيام الماضية حول «توقف المفاوضات»، بل ركز أكثر على ادعاءات طرحت في الأيام السابقة، والتي لم تكن في الواقع مطروحة بقوة خلال تلك الفترة.

وحسب تقرير لموقع “رويداد24” الإيراني، الحقيقة أنه خلال الأيام الماضية لم يُنشر أي تقرير مهم أو بارز على الأقل حول فشل أو توقف المفاوضات. ما نشرته وسائل الإعلام خلال اليومين الأخيرين كان نتيجة لمجموعة من التطورات الدبلوماسية والمواقف السياسية والتحركات العسكرية، التي لم توقف مسار المفاوضات فحسب، بل دفعت الطرفين نحو ردود أفعال حادة نسبياً.

كتب الرئيس الأمريكي على منصته الاجتماعية «تروث سوشال»: «التقارير الإخبارية الكاذبة التي تدّعي أن الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة أوقفتا محادثاتهما قبل بضعة أيام غير صحيحة ومضللة».

ويؤكد على استمرار المحادثات، موضحاً أن مقصوده من «استمرار المفاوضات» هو أن الطرفين كانا على تواصل وتشاور قبل أربعة أيام وثلاثة أيام ويومين ويوم واحد، وحتى اليوم. ومع ذلك، اعترف بأن «لا أحد» غيره يعرف «إلى أين ستنتهي هذه المحادثات!».

وفي مساء الاثنين، زعم ترامب أيضاً أن المحادثات الجارية بوساطة باكستان وبمشاركة بعض اللاعبين الإقليميين تسير بشكل جيد جداً، ولم يتبقَ سوى بعض النقاط الثانوية التي من المتوقع حلها خلال الأيام القليلة المقبلة.

وفي مقابلة مع قناة ABC News، أكد ترامب على استمرار تبادل الرسائل بين إيران وأمريكا عبر الوسيط الباكستاني، مدعياً أن «التوصل إلى اتفاق مع إيران لتمديد وقف إطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز قد يتم خلال الأسبوع المقبل». وبلغ به الأمر أن قال إن ما أسماه «اتفاق السلام مع إيران» يمكن أن يكون أفضل حتى من انتصار عسكري!

وحاول ترامب بطريقة غير منطقية تصوير هذا الحماس الشديد لتوقيع اتفاق سلام مع إيران قبل بداية كأس العالم على أنه نابع من «رغبة طهران»، معيداً رسم الصورة وكأن الولايات المتحدة وإسرائيل لم تكونا طوال الأشهر الثلاثة الماضية وأكثر هما من يسعيان لإعادة فتح مضيق هرمز.

ومن الطبيعي ألا نتوقع من ترامب أكثر من ذلك؛ فهو لا يقبل الاعتراف بأخطائه وهزائمه فحسب، بل يعتاد دائماً على أخذ المبادرة لكيلا يتأخر. لذا ادعى هذه المرة أيضاً أنه بما أنه يملك اليد العليا في المفاوضات، فإنه يريد الحصول على «بضعة تنازلات إضافية من إيران» قبل توقيع الاتفاق النهائي.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل رواية ترامب تماماً، خاصة أنه خلال الـ48 ساعة الماضية أكد عدد من كبار المسؤولين في الجهاز الدبلوماسي للجمهورية الإسلامية، في تصريحات رسمية وغير رسمية، أن «النص النهائي الإيراني لا يزال قيد النقاش في طهران».

وبعبارة أخرى، كانت الأوضاع حتى مساء الاثنين من هذا الأسبوع إيجابية إلى درجة أن ترامب أعلن موعداً تقريبياً لـ«توقيع اتفاق السلام»، وزعم أنه سيتم خلال أسبوع على الأكثر.

لكن قبل أن تغيب شمس الثلاثاء في طهران، انقلب الوضع مرة أخرى، وأفادت وسائل الإعلام بـ«تعليق تبادل الرسائل بين إيران وأمريكا في ظل التوترات الإقليمية»، مشيرة إلى تصاعد لغة المواجهة وخطاب «الاستسلام أو استئناف القتال» في مواقف الطرفين. فما هي خلفية هذا التطور؟

توقف المفاوضات الإيرانية-الأمريكية عقب الهجمات الإسرائيلية على لبنان!

في أقل من 24 ساعة، ما الذي حدث حتى تحول التفاؤل الكبير باتفاق محتمل بين طهران وواشنطن فجأة إلى طريق مسدود ومواجهة، وعاد الجيشان الإيراني والأمريكي ليواجها بعضهما مرة أخرى في مضيق هرمز، وإن كان بشكل محدود ومحسوب، ويتبادلان إطلاق النار؟

يطرح المراقبون عدة أسباب، لكن يبدو أن قضية لبنان ووقف إطلاق النار فيه هي العامل الأهم؛ وهو أمر أشار إليه محمد باقر قاليباف، رئيس الفريق التفاوضي الإيراني.

تعتبر طهران التطورات في لبنان ليست أزمة محلية بحتة، بل ترى في هذا البلد جزءاً من منظومتها الأمنية، وتعتبر أي اعتداء عليه يحمل تداعيات تتجاوز حدود لبنان.

وفي هذا السياق، أعلن عباس عراقچي، وزير الخارجية، في رسالة أن وقف إطلاق النار بين إيران وأمريكا «بدون أي غموض» يشمل جميع الجبهات، بما فيها لبنان، ولا يمكن حصره بساحة واحدة.

وأكد قاليباف أن ثلاثة بنود رئيسية من الاقتراح الإيراني المكون من 10 بنود قد تم نقضها، ومن بينها: خرق وقف إطلاق النار في لبنان، والاعتداء على المجال الجوي الإيراني، وإنكار حق إيران في التخصيب. «ولهذا السبب، لم يعد استمرار وقف إطلاق النار ذا معنى فحسب، بل حتى استمرار المفاوضات الثنائية أصبح أمراً عبثياً وبلا جدوى، وبالتالي لم يعد استمراره مرغوباً فيه من قبل الجمهورية الإسلامية».

عملياً، ما وضعته حكومة طهران في مقدمة أولوياتها هو «وقف الهجمات الإسرائيلية على لبنان» والتزام إسرائيل بـ«وقف إطلاق النار في لبنان».

إصرار حزب الله على مواصلة المقاومة

كان بيان نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله اللبناني، غريباً ومليئاً بالدلالات. أظهر البيان أن قضية لبنان يجب أن تكون في مقدمة أولويات محور المقاومة، وهو أمر يبدو أنه تم تجاوزه جزئياً.

وفي رسالة قرأت في مؤتمر «الغدير والمقاومة»، تحدث قاسم عن لبنان وغزة والضغوط على شعوب المنطقة دون الإشارة إلى المفاوضات الإيرانية-الأمريكية، مؤكداً أن «سلاح المقاومة سيبقى بأيدينا للدفاع عن لبنان»، واعتبر أي حديث عن نزع سلاح حزب الله مقدمة لـ«إبادة جماعية للبنانيين».

وفي الوقت نفسه، أكدت وكالة تسنيم في تقرير لها أن السبب الرئيسي لـ«توقف المفاوضات الإيرانية-الأمريكية» في الظروف الحالية ليس سوى «تصعيد العمليات الإسرائيلية الأخيرة ضد حزب الله في لبنان»، والذي تعتبره طهران ليس فقط خرقاً لوقف إطلاق النار بين إيران وأمريكا، بل العامل الرئيسي وراء توقف هذه المحادثات.

ومع ذلك، هناك مؤشرات على وجود خلافات داخلية حول هذا الموضوع. حذر بعض المستخدمين الأمنيين على منصة إكس من تراجع الفريق التفاوضي الإيراني عن موقفه بشأن شمول وقف إطلاق النار لبنان. كتب أحدهم موجهاً كلامه إلى قاليباف: «ذلك الرقم المجهول الذي اتصل عدة مرات كان لنعيم قاسم. أجب قبل فوات الأوان».

وحاول مستخدم آخر الإشارة إلى هوية «الاتصال المجهول»، وربط القصة بخلاف سعيد جليلي وقاليباف خلال الانتخابات الرئاسية، مطالباً منصوري (المشرف السابق على مكتب الرئاسة في حكومة رئيسي) بالتوضيح حول من اتصل به برقم مجهول وطلب منه تحويل الهاتف إلى جليلي.

يشير إلى محاولة التوافق بين جليلي وقاليباف، والتي لم تتحقق حتى بوساطة إسماعيل قاآني في اجتماع مشهد بسبب رفض جليلي.

في ذلك الوقت كان هناك قول شائع بأن جبهة المقاومة كانت تريد انتخاب قاليباف، وأن إسماعيل قاآني نقل رسالة الجبهة إلى المرشحين في اجتماع مشهد.

الآن يقول التيار نفسه الذي كان على اطلاع من وراء الكواليس: «أجبوا نعيم قاسم قبل فوات الأوان».

وبعد ذلك مباشرة توقفت المفاوضات مع الهجمات الإسرائيلية على لبنان. لا يمكن أن يكون هذا التسلسل مصادفة.

قضية «لبنان».. ذريعة دبلوماسية أم استراتيجية سياسية؟

ومع ذلك، يرى بعض التحليلات أن تركيز إيران على قضية لبنان ووقف إطلاق النار قد يكون جزءاً من استراتيجية طهران لإدارة الضغوط الدبلوماسية والأمنية، بحيث يؤثر تسليط الضوء على هذا الملف على مسار المفاوضات الرئيسية مع أمريكا.

وبحسب تحليل نشرته «معهد دراسات الحرب»، يُقيَّم جزء من هذه المواقف على أنه يهدف إلى تحميل إسرائيل مسؤولية الطريق المسدود في المفاوضات. أي أن طهران تحاول من خلال تسليط الضوء على دور إسرائيل في تطورات لبنان توجيه الضغط الدبلوماسي نحو تغيير التوازن و«خلق توتر بين واشنطن وتل أبيب».

وفي الوقت نفسه، تستغل إيران الوضع الهش لوقف إطلاق النار القائم منذ 8 أبريل لإعادة بناء بعض قدراتها العسكرية، خاصة برامج الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة التي تضررت في الاشتباكات الأخيرة. ويخلص التحليل إلى أن التركيز على الملف اللبناني قد يؤدي إلى إطالة أمد الخلافات حول وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل،

وبالتالي تحويل الانتباه عن القضايا الرئيسية المتنازع عليها بين إيران وأمريكا. ومن هذا المنظور، فإن تعليق المفاوضات يعكس أكثر من كونه نتيجة عامل خارجي واحد، بل يعبر عن منافسة وتوازن نسبي بين هذين النهجين داخل هيكل صنع القرار في إيران.

الجولة الرابعة من مفاوضات إسرائيل ولبنان تتزامن مع توقف المحادثات الإيرانية-الأمريكية

ومن اللافت أنه بالتوازي مع توقف المفاوضات الإيرانية-الأمريكية، بدأت جولة جديدة من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل بوساطة واشنطن.

بدأ ممثلو البلدين أمس الجولة الرابعة من مفاوضاتهما في واشنطن، والتي ستستمر ليومين.

كما زعم ترامب في أحدث تصريحاته أن نتنياهو قبل طلبه بعدم مهاجمة الضاحية، وبالتالي وافق حزب الله أيضاً، إلى جانب إسرائيل، على وقف تبادل إطلاق النار.

الآن يبقى السؤال: هل يمكن لهذه التطورات أن تعيد فتح مسار المفاوضات بين طهران وواشنطن، أم أن لبنان سيظل العقدة الأكبر في العلاقات الإيرانية-الأمريكية؟

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة عشر − عشرة =

زر الذهاب إلى الأعلى