بكين بين طهران ودول الخليج.. تحديات التوازن بعد الاتفاق المحتمل
تجد بكين نفسها في موقع معقد، فهي أكبر مستورد للنفط الإيراني، إذ تستحوذ على نحو 90 في المئة من صادراته النفطية، وفي الوقت نفسه تعد شريكاً تجارياً رئيسياً لكل من السعودية والإمارات.

ميدل ايست نيوز: يثير الاتفاق المحتمل بين إيران والولايات المتحدة تساؤلات حول انعكاساته على علاقات الصين مع دول الخليج. فهل سيوفر لبكين فرصاً أكبر للوساطة والاستثمار، أم سيخل بالتوازن الذي تنتهجه في المنطقة ويؤدي إلى تصاعد المنافسة مع واشنطن؟
في الأيام الأخيرة، ومع تداول وسائل الإعلام أنباء عن مسودة تفاهم بين طهران وواشنطن، بدأت السفن التجارية مجدداً التخطيط لعبور مضيق هرمز بحذر ولكن بقدر أكبر من التفاؤل. كما أن تراجع أسعار النفط بشكل طفيف عقب هذه الأنباء الإيجابية يعكس أهمية هذا الممر البحري الحيوي، ليس بالنسبة لإيران فحسب، بل لسلسلة الطاقة العالمية بأكملها.
وجاءت هذه التطورات في أعقاب مرحلة من المواجهات المباشرة والتوترات المتصاعدة التي أدت إلى تعطيل حركة الملاحة البحرية وفرض ضغوط على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك الدول المصدرة للطاقة في الخليج والمشترون الرئيسيون للنفط وعلى رأسهم الصين.
تقول وكالة خبر أونلاين إن الصين تجد نفسها في موقع معقد، فهي أكبر مستورد للنفط الإيراني، إذ تستحوذ على نحو 90 في المئة من صادراته النفطية، وفي الوقت نفسه تعد شريكاً تجارياً رئيسياً لكل من السعودية والإمارات، حيث تجاوز حجم التبادل التجاري مع كل منهما 100 مليار دولار خلال عام 2025. ومن هذا المنطلق، فإن أي اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة قد يسهم في تعزيز الاستقرار، لكنه في الوقت ذاته يضع التوازن الدقيق الذي تحافظ عليه الصين بين طهران والعواصم الخليجية أمام اختبار حقيقي.
اقتصاد ودبلوماسية متوازنة
تاريخياً، قامت علاقات الصين مع دول الخليج على مزيج من المصالح الاقتصادية والدبلوماسية البراغماتية. وشكلت الوساطة الصينية بين السعودية وإيران عام 2023 نقطة تحول بارزة أظهرت أن بكين لم تعد مجرد مستورد للطاقة، بل أصبحت لاعباً سياسياً مؤثراً في المنطقة.
وفي عام 2026، وبعد الحرب الأخيرة، باتت الدول الخليجية، التي تركز على تنفيذ مشاريع التنمية الكبرى مثل «رؤية السعودية 2030» والمشاريع الاقتصادية الإماراتية، بحاجة إلى بيئة مستقرة، لكنها في الوقت نفسه تنظر بحذر إلى احتمال عودة النفوذ الإيراني بقوة إلى الساحة الإقليمية.
أما بالنسبة لإيران، فإن الاتفاق المحتمل مع الولايات المتحدة قد يفتح الباب أمام زيادة الصادرات وجذب الاستثمارات وتنويع الشركاء الاقتصاديين. غير أن السؤال المركزي يبقى: كيف سينعكس هذا الاتفاق على شبكة العلاقات الصينية الخليجية؟
مكاسب اقتصادية وتحديات جديدة
من الناحية الاقتصادية، يمكن أن يؤدي الاتفاق المحتمل إلى تعزيز العلاقات التجارية بين الصين ودول الخليج، لكنه قد يطلق في الوقت نفسه موجة جديدة من المنافسة في أسواق الطاقة.
فالصين هي أكبر مستورد للنفط في العالم، واستقرار الملاحة في مضيق هرمز يضمن تدفق الطاقة بأسعار أقل ومن دون انقطاعات إلى المصانع الصينية. كما أن إعادة فتح الممرات البحرية بصورة طبيعية وتراجع أسعار النفط إلى ما دون 89 دولاراً للبرميل، وفق بعض التقديرات، قد يسهمان في خفض تكاليف الاستيراد ودعم النمو الاقتصادي الصيني.
لكن هذا المشهد لا يخلو من التعقيدات. فحجم التجارة الصينية مع السعودية والإمارات، الذي يتجاوز 100 مليار دولار لكل منهما، يفوق بكثير حجم تجارتها مع إيران البالغ نحو 41 مليار دولار.
كما أن عودة المنافسة بين إيران والسعودية في أسواق النفط قد تؤثر على هوامش الربح الصينية. وتشير تقديرات مؤسسات بحثية دولية إلى أن بكين استفادت خلال السنوات الماضية من شراء النفط الإيراني بأسعار منخفضة حتى في ظل العقوبات، إلا أن عودة الاستقرار الكامل قد تقلص هذه الميزة.
وفي المقابل، فإن اعتماد الصين المتزايد على استقرار المنطقة سيدفعها إلى تكثيف جهود الوساطة، مع الحرص في الوقت نفسه على عدم إثارة مخاوف شركائها الخليجيين الذين يراقبون بقلق احتمالات تعافي الاقتصاد الإيراني وعودته إلى الأسواق العالمية بقوة أكبر.
نفوذ سياسي متزايد واختبار للتوازن
على الصعيد السياسي، قد يمنح الاتفاق الإيراني الأمريكي الصين فرصة لتعزيز حضورها الدبلوماسي في الخليج، لكنه يفرض عليها أيضاً تحديات إضافية.
فبعد نجاحها في رعاية التقارب السعودي الإيراني عام 2023، رسخت بكين صورتها كطرف محايد قادر على التواصل مع مختلف الأطراف. وفي عام 2026، عززت الاتصالات التي أجراها قادة دول الخليج مع الرئيس الصيني شي جين بينغ بشأن خفض التوترات الإقليمية هذا الدور بشكل أكبر.
كما أشارت تقارير بحثية دولية إلى تنامي التنسيق بين بكين وكل من أبوظبي والرياض بشأن القضايا الإقليمية، ما يعكس اتساع مساحة النفوذ السياسي الصيني في المنطقة.
ومع ذلك، فإن أي اتفاق يؤدي إلى تعزيز موقع إيران الإقليمي قد يدفع بعض الدول العربية إلى مطالبة الصين بلعب دور أكثر فاعلية في التأثير على طهران. ولذلك ستكون بكين مطالبة بالحفاظ على توازن دقيق يضمن استمرار علاقاتها الاقتصادية الواسعة مع الدول الخليجية دون الإضرار بعلاقاتها مع إيران.
وفي المحصلة، لا تبدو الصين مرشحة لأن تحل محل الولايات المتحدة بوصفها الضامن الأمني الرئيسي للمنطقة، لكنها مرشحة للعب دور محوري في أي هيكل أمني إقليمي جديد يقوم على التعاون بين دول الخليج وإيران.
وقد شددت وزارة الخارجية الصينية مراراً على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار واستئناف الحوار، فيما أكد الرئيس شي جين بينغ خلال اتصالاته مع قادة المنطقة أهمية بقاء مضيق هرمز مفتوحاً أمام الملاحة الدولية.
كما رحبت السعودية والإمارات بالدور الصيني في خفض التوترات، مع تأكيدهما المستمر على أولوية الحفاظ على الأمن والاستقرار الإقليميين.
وبصورة عامة، فإن الاتفاق المحتمل بين إيران والولايات المتحدة يمنح الصين فرصة لتعزيز دورها الاقتصادي والدبلوماسي في الخليج، لكنه في الوقت ذاته يبقي عوامل المنافسة والتوازنات الجيوسياسية قائمة، في وقت يبدو فيه الشرق الأوسط مقبلاً على مرحلة جديدة من إعادة تشكيل بنيته الأمنية والإقليمية.



