الصحافة الإيرانية: أول اختبار للحكومة العراقية الجديدة في لعبة التوازن الإقليمي

حذر عدد من المحللين من أن دعم ترامب للزيدي، رغم أنه يعزز موقعه داخليًا، قد يجعله أكثر عرضة لضغوط خصومه السياسيين، ويوفر لهم ورقة ضغط قوية ضده.

ميدل ايست نيوز: توجهت الأنظار إلى الزيارة التي أجراها رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي إلى واشنطن في 14 يوليو الجاري، والتي جاءت كأول زيارة خارجية له منذ توليه منصبه، حيث التقى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويعكس اختيار واشنطن كأول محطة خارجية، إلى جانب الدعم العلني الذي قدمه ترامب لوصول الزيدي إلى رئاسة الحكومة، أن هذه الزيارة لم تكن بروتوكولية، بل ارتبطت بالظروف التي أفضت إلى تشكيل الحكومة العراقية الجديدة.

يقول فرهادي قادري، الباحث في العلاقات الدولية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن ترامب كان قد أعلن في وقت سابق دعمه لترشيح الزيدي، وعارض عودة نوري المالكي، ما مهد عمليًا الطريق أمامه لتولي المنصب. وأسهم هذا الدعم في تمهيد الطريق أمام الزيارة المبكرة إلى واشنطن، التي حملت رسالة واضحة إلى الأطراف الإقليمية مفادها أن العراق يسعى إلى إعادة تنظيم علاقاته الخارجية، من دون أن يعني ذلك التخلي الكامل عن شركائه الآخرين.

وخلال اللقاء، أعلن ترامب أن مهمة التحالف الدولي في العراق ستنتهي بحلول 30 سبتمبر 2026، وأن الحاجة إلى الوجود العسكري الأمريكي في البلاد تراجعت. لكنه أكد في الوقت نفسه أن الولايات المتحدة ستدافع عن العراق إذا اقتضت الضرورة، في إشارة إلى أن واشنطن لا تنوي الانسحاب الكامل من المعادلات الأمنية العراقية. في المقابل، تعهدت الحكومة العراقية بنزع سلاح جميع الجماعات المسلحة بحلول التاريخ نفسه، وحصر استخدام السلاح بيد الدولة.

وأكد الزيدي، في مقال نشره بصحيفة “واشنطن بوست” قبل الزيارة، أن حكومته ملتزمة بضمان احتكار الدولة لاستخدام القوة بشكل قانوني، إلا أن محللين أبدوا شكوكًا بشأن إمكانية تنفيذ هذا الالتزام خلال هذه الفترة الزمنية القصيرة. كما وصفت فصائل المقاومة الإسلامية في العراق الزيارة بأنها غير مقبولة، محذرة من أن الاحتلال العسكري لا ينبغي أن يستبدل باحتلال اقتصادي أكثر خطورة.

اقتصادياً، شدد ترامب على أن البلدين يتجهان نحو إقامة شراكة قوية في قطاع النفط، وأن شركات النفط الأمريكية ستدخل السوق العراقية بمستوى غير مسبوق. كما أعلنت الحكومة العراقية أن الهدف من الزيارة يتمثل في تعزيز الشراكات الاقتصادية والتنموية، وجذب الاستثمارات، وتوسيع دور الشركات الأمريكية، مع توقيع مذكرات تفاهم في قطاعي النفط والغاز تشمل زيادة الطاقة الإنتاجية وتطوير مسارات بديلة للتصدير بهدف الحد من تأثير أي اضطرابات محتملة في مضيق هرمز.

ووصف توم باراك، المبعوث الخاص لترامب إلى العراق وسوريا، اللقاء بأنه نقطة تحول، مؤكدًا أن مستقبل العلاقات بين الولايات المتحدة والعراق يكمن في الاستثمار والتجارة والفرص الاقتصادية، وليس في الجانب الأمني فقط. ويعكس هذا التوجه تحولًا في استراتيجية واشنطن من الاعتماد على المقاربة العسكرية إلى توسيع النفوذ الاقتصادي داخل العراق.

ورغم هذه التطورات، فإن الواقع يشير إلى أن العراق لا يستطيع قطع علاقاته العميقة مع إيران بصورة مفاجئة. وأكد مسؤول عراقي رفيع، فضل عدم الكشف عن هويته، أن اتباع الحكومة الحالية سياسة أكثر تقاربًا مع الولايات المتحدة لا يعني تحول العراق ضد إيران، بل إن بغداد مطالبة بالحفاظ على التوازن التقليدي في علاقاتها مع حلفائها.

كما شكلت مراسم التشييع الحاشدة للمرشد الإيراني الراحل آية الله علي خامنئي في المدن المقدسة العراقية، قبل أيام قليلة من الزيارة، تذكيرًا بحجم النفوذ الإيراني داخل العراق.

وفي المقابل، أعلنت الفصائل المقربة من إيران، التي استهدفت مرارًا منشآت أمريكية خلال الحرب الأخيرة، رفضها الصريح لهذه الزيارة، مؤكدة أنها، وكذلك إيران، لن توافق على نزع السلاح ما دامت الحرب مستمرة في المنطقة.

وحذر عدد من المحللين من أن دعم ترامب للزيدي، رغم أنه يعزز موقعه داخليًا، قد يجعله أكثر عرضة لضغوط خصومه السياسيين، ويوفر لهم ورقة ضغط قوية ضده.

وبوجه عام، يمكن النظر إلى زيارة الزيدي إلى واشنطن باعتبارها جزءًا من مساعي العراق للخروج من وضع ظل فيه لسنوات ساحة للصراع غير المباشر بين قوتين إقليميتين. ورغم حديث ترامب بتفاؤل عن مرحلة جديدة وصفها بأنها ستكون استثنائية في العلاقات بين البلدين، فإن الوقائع على الأرض تبدو أكثر تعقيدًا من هذه التصريحات.

ويواجه الزيدي، بوصفه رئيسًا جديدًا للحكومة، تحديًا يتمثل في تنفيذ التعهدات التي قدمها لواشنطن، مع الحفاظ في الوقت نفسه على التوازن في العلاقات مع طهران.

ويشكل نزع سلاح الجماعات المسلحة قبل نهاية سبتمبر، واستقطاب استثمارات أمريكية كبرى، والحفاظ على العلاقات مع الجارة الشرقية، مثلثًا من التحديات التي يتعين على الزيدي تحقيق التوازن بينها.

وربما لم يكن أبرز نتائج هذه الزيارة توقيع الاتفاقيات النفطية، بقدر ما تمثل في توجيه رسالة إلى الأطراف الإقليمية بأن العراق عازم على إعادة صياغة سياسته الخارجية وفق مقاربة جديدة، تقوم على تقديم نفسه شريكًا اقتصاديًا للغرب بدلًا من كونه ساحة للصراعات. ومع ذلك، فإن تحقيق هذا الهدف، في ظل النفوذ الإيراني الواسع ومعارضة الفصائل المسلحة، يتطلب أكثر من زيارة إلى واشنطن، وسيظل مرهونًا بالتطورات الميدانية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 + 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى