الصحافة الإيرانية: ماذا تخفي زيارة الرئيس الصيني لمصر؟

تكمن الأهمية الرئيسية لزيارة شي في أن القاهرة قد تكون إحدى نقاط التقاء ثلاثة اتجاهات كبرى: تنافس القوى العظمى، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتغير البنية الأمنية في الشرق الأوسط.

ميدل ايست نيوز: بعد عقد من الزمن، تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى القاهرة متزامنة مع الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، إلا أن توقيتها يحمل أهمية تتجاوز هذه المناسبة. فالزيارة تأتي في وقت يواجه فيه الشرق الأوسط حرباً وتوتراً بين إيران والولايات المتحدة، واضطراباً في مسارات الطاقة والتجارة، إلى جانب إعادة دول المنطقة النظر في مدى اعتمادها على واشنطن. لذلك، ينبغي النظر إلى حضور شي في القاهرة باعتباره جزءاً من مساعي بكين لترسيخ مكانتها في بنية إقليمية آخذة في التغير.

يقول الكاتب والصحافي الإيراني رامين برتو، في مقال لصحيفة توسعه إيراني، إن مصر لا تمثل بالنسبة إلى الصين خياراً عادياً؛ إذ تسيطر القاهرة على قناة السويس، إحدى أهم طرق التجارة العالمية، وتقع عند نقطة التقاء آسيا وأفريقيا وأوروبا. كما تشترك في حدود مع إسرائيل والسودان وليبيا، وتتمتع بعلاقات واسعة مع مختلف القوى. من منظور بكين، تتجاوز أهمية مصر كونها سوقاً استهلاكية كبيرة، لتصبح حلقة وصل بين رأس المال والإنتاج والنقل والتجارة الصينية وثلاث مناطق رئيسية في العالم.

زيارة شي.. الاقتصاد والأمن وإعادة تعريف الحضور الصيني

المهم هنا أن العلاقات الاقتصادية بين البلدين شهدت نمواً ملحوظاً خلال السنوات الماضية، إذ تعد الصين أكبر شريك تجاري لمصر في السلع غير النفطية، فيما بلغ حجم التجارة الثنائية نحو 20.7 مليار دولار حتى نهاية عام 2025. كما تنشط نحو 200 شركة في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وتجاوزت الاستثمارات فيها 3.8 مليار دولار. ويشير بدء المرحلة الثالثة من تطوير المنطقة، مع التركيز على الطاقة المتجددة والسيارات والمنسوجات والصناعات الكيميائية، إلى أن العلاقات بين البلدين تنتقل من التجارة البحتة نحو الإنتاج وإنشاء سلاسل القيمة.

ويتوافق هذا التحول مع احتياجات الطرفين. فالصين تحتاج إلى مراكز إنتاج قريبة من الأسواق الاستهلاكية وطرق التجارة الرئيسية، بينما تحتاج مصر إلى الاستثمارات والتكنولوجيا وفرص العمل وزيادة الصادرات. ولا يقتصر هدف بكين على نقل البضائع عبر قناة السويس، بل يتمثل أيضاً في إنشاء قدرات إنتاجية داخل مصر واستخدامها للوصول إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية. كما أن التعاون في مجالات السيارات الكهربائية والبطاريات والطاقة النظيفة والاتصالات والذكاء الاصطناعي والمعدات الإلكترونية وبناء السفن وتكنولوجيا الفضاء، يشير إلى أن المرحلة الجديدة من العلاقات قد تكون أكثر اعتماداً على التكنولوجيا من أي وقت مضى.

وتزداد أهمية هذا المسار عند النظر إلى أزمة مضيق هرمز وانعدام الأمن في البحر الأحمر. فمضيق هرمز يمثل شريان الطاقة الرئيسي، بينما تعد قناة السويس ممراً حيوياً يربط آسيا بأوروبا. وأي اضطراب في هذين الممرين من شأنه أن يرفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة ويؤثر في سلاسل الإمداد.

وتستفيد الصين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة البحرية وواردات الطاقة من الشرق الأوسط، بشكل مباشر من استقرار مصر وأمن طريق قناة السويس. ويمكن بالتالي النظر إلى زيارة شي باعتبارها جزءاً من إدارة الصين للمخاطر الاقتصادية والجيوسياسية. ومن زاوية أخرى، تذكر أزمة هرمز بكين بأن أمن الطاقة وأمن ممرات التجارة لم يعودا مسألتين اقتصاديتين بحتتين، بل باتا يحملان أبعاداً استراتيجية.

ويكتسب الجانب الأمني للزيارة أهمية أيضاً. فقد أظهر إجراء المناورات المشتركة «نسور الحضارة 2026» ومشاركة مقاتلات «جي-16» الصينية في مصر إلى جانب مقاتلات «رافال»، أن التعاون العسكري بين البلدين تجاوز المستوى الرمزي. كما أن التقارير التي تحدثت عن مشاركة طائرات للتزود بالوقود وأنظمة للإنذار المبكر ومعدات للحرب الإلكترونية، تمثل بالنسبة إلى المراقبين الإقليميين مؤشراً على تنامي قدرة الصين على نشر قواتها في مناطق بعيدة.

استقبال حذر لشريك جديد!

أدت تجارب الحروب والأزمات الأخيرة إلى زيادة المخاوف بشأن مدى التزام الولايات المتحدة بأمن المنطقة، وعززت في الوقت نفسه رغبة الحكومات العربية في توفير مزيد من الخيارات.

وعليه، يمكن أن تمثل مصر نموذجاً لسياسة «التوازن الاستراتيجي»، أي الحفاظ على التعاون مع الولايات المتحدة دون التخلي عن تطوير العلاقات مع الصين وروسيا وأوروبا. ومن المرجح أن ترحب الدول العربية بزيادة الحضور الاقتصادي الصيني، إذ يمكن لاستثمارات بكين في البنية التحتية والطاقة والتكنولوجيا والنقل أن توفر فرصاً جديدة. كما أن دعم الصين لحل الدولتين في القضية الفلسطينية وتشديدها على الحلول الدبلوماسية للأزمات يتوافق مع جانب من التوجه السياسي للدول العربية.

إسرائيل وأمريكا.. مخاوف من تغير موازين القوى

في إسرائيل، تنبع الحساسية تجاه زيارة شي بشكل أساسي من جوانبها العسكرية والاستراتيجية. فقد أثارت مشاركة مقاتلات «جي-16» ومعدات الدعم الصينية في المناورات المصرية، ولا سيما قرب هذه الأنشطة جغرافياً من إسرائيل، مخاوف من أن يصل التعاون بين القاهرة وبكين إلى مستوى يؤثر في حرية حركة سلاح الجو الإسرائيلي.

ومن وجهة النظر الإسرائيلية، لا تزال مصر لاعباً رئيسياً، ويمكن أن يكون لتغير علاقاتها العسكرية تداعيات إقليمية. لكن لا ينبغي تفسير هذه التطورات على أنها تعني نشوء تحالف عسكري صيني-مصري ضد إسرائيل. فلا تزال القاهرة تملك مصالح مباشرة في الحفاظ على علاقاتها مع واشنطن واستقرار حدودها مع إسرائيل. وتتركز المخاوف الإسرائيلية بصورة أكبر على احتمال حدوث تغير تدريجي في البيئة الاستراتيجية المحيطة بها.

أما واشنطن فتتابع زيارة شي من زاوية مختلفة، لكنها مرتبطة بالمسألة نفسها. فمصر تعد من حلفاء الولايات المتحدة المهمين، وتتلقى مساعدات عسكرية منها، لكنها وسعت في الوقت نفسه خلال السنوات الأخيرة علاقاتها مع الصين في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية. ولا تتمثل المسألة الأساسية بالنسبة إلى الولايات المتحدة في احتمال خروج مصر فوراً من معسكر واشنطن، وإنما في المخاوف من أن يؤدي تنامي النفوذ الصيني في البنية التحتية الحيوية والتكنولوجيا والموانئ والاتصالات والصناعات الدفاعية المصرية إلى الحد، على المدى الطويل، من أدوات النفوذ الأمريكية.

في النهاية، تكمن الأهمية الرئيسية لزيارة شي في أن القاهرة قد تكون إحدى نقاط التقاء ثلاثة اتجاهات كبرى: تنافس القوى العظمى، وإعادة تشكيل سلاسل الإمداد، وتغير البنية الأمنية في الشرق الأوسط. وتسعى مصر إلى تحقيق توازن بين الولايات المتحدة والصين وروسيا وأوروبا، بينما تعمل الصين على الانتقال من دور الشريك التجاري إلى دور المستثمر والمنتج للتكنولوجيا والفاعل الإقليمي الأكثر تأثيراً.

وإذا تقاربت هاتان الغايتان، فقد تمثل زيارة شي بداية مرحلة لا تعود فيها قناة السويس مجرد ممر لعبور البضائع، بل تصبح جزءاً من شبكة الإنتاج والتكنولوجيا والنفوذ الصيني في الشرق الأوسط وأفريقيا.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

4 × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى