اشتباكات محدودة وحصار ممتد: كيف تدير واشنطن حرب الاستنزاف ضد إيران؟

ما يُضفي على هذه الجولة طابعاً تصعيدياً مختلفاً عن سابقاتها القريبة، هو الارتداد الأميركي الإسرائيلي إلى نبرة الأيام الأولى للحرب عبر إحياء الخطاب المتعلق بـ"تغيير النظام".

ميدل ايست نيوز: لم تكن المواجهات المحدودة التي شهدتها المنطقة خلال الأسبوع الماضي بين طهران وواشنطن، عقب الهجوم الأميركي على جزيرة لارك، حدثاً معزولاً؛ بل هي حلقة جديدة في سلسلة اشتباكات متقطعة متكررة منذ وقف إطلاق النار في الثامن من إبريل/نيسان الماضي، ما جعل هذه الاشتباكات، في إطار حرب لم تحسم بعد، تبدو وكأنها واقع مرحلي وعادي. كما أنها تعكس في جوهرها انسداداً دبلوماسياً خانقاً.

لكن ما يُضفي على هذه الجولة طابعاً تصعيدياً مختلفاً عن سابقاتها القريبة، هو الارتداد الأميركي الإسرائيلي إلى نبرة الأيام الأولى للحرب عبر إحياء الخطاب المتعلق بـ”تغيير النظام”.

مع ذلك ورغم من أن الهجمات الأخيرة تُعد الأعنف منذ شهر، إلا أنها لا تؤشر بالضرورة على نيّة واشنطن إشعال حرب شاملة في الوقت الراهن على غرار حرب الأربعين يوماً. وبناء على هذا المشهد، تخلص واشنطن، أقلّه حالياً، في ظل وجود أولويات انتخابية داخلية، إلى عدم جدوى خيار الحرب الشاملة التي أخفقت في تحقيق أهدافها سابقاً.

وعليه، يبدو أن الاستراتيجية الأميركية الحالية تتركز على نمط هجين من حرب الاستنزاف المركب حيث تُوظَّف العمليات العسكرية المحدودة في تمهيد ضروري لتصعيد الاستنزاف الاقتصادي.

وتراهن واشنطن من خلال تلك الهجمات على أن إضعاف القبضة الإيرانية على مضيق هرمز، وزيادة فرص “تسرّب” النفط وتدفق الناقلات، سيعملان على تحييد تداعيات عدم استقرار الملاحة على الاقتصاد العالمي، وهو ما يمنحها من وجهة نظرها الفرصة اللازمة لتشديد الحصار على طهران وإطالة أمده.

يحصل ذلك، فيما لم يدفع استمرار إغلاق مضيق هرمز لنحو خمسة أشهر واشنطن على تقديم تنازلات تريدها طهران لإبرام اتفاق. فرغم الضغوط التي طاولت الاقتصاد العالمي، يبدو أن صدمة الإغلاق لم تكن حتى الآن بالحجم الذي يكسر الإرادة الأميركية؛ والسبب في ذلك يعود إلى عاملين: الأول، عدم حدوث قفزة سعرية كارثية في أسواق النفط رغم ارتفاعها إلى نحو 100 دولار؛ والثاني، تكيف أسواق الطاقة إلى حد ما مع الواقع الجديد عبر تفعيل مسارات بديلة.

تستهدف الاستراتيجية الأميركية الحالية في صميمها ضرب الاستقرار المجتمعي في إيران وتأليب الشارع من خلال خنق منافذ البلاد التجارية وعزلها عن شركائها. وطالما ظلّت واشنطن ترى أن توترات المضيق تحت السيطرة وأن سوق الطاقة بعيد عن “الصدمة الوجودية”، فإنها ستستمر في هذه الدورة المفرغة من الهجوم والاشتباك في موازاة تعميق الحصار الاقتصادي، آملة في كسر إرادة طهران اقتصادياً وإرغامها على اتفاق وفق الشروط الأميركية.

ومع ذلك، يظل هذا المسار محفوفاً بالمخاطر؛ إذ إنه على الأغلب سيؤدي إلى انفجار مفاجئ، إذا ما وصلت القيادة الإيرانية إلى قناعة بأن كلفة الحرب المباشرة باتت أخف وطأة من تحمل تبعات حرب الاستنزاف الذي يهدّد استقرار البلد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العربي الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى