فجرت مقابلته الصحفية جدلا في طهران.. هل أفشى عراقجي سرا؟

أثارت مقابلة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع المخرج الوثائقي جواد موغويي جدلاً واسعاً على الصعيدين السياسي والإعلامي، ليس فقط بسبب ما قيل، بل بسبب طرحها أمام الرأي العام مجموعة من التساؤلات التي تمس صميم الثقة بين الدولة والمجتمع.

ميدل ايست نيوز: بعد ساعات قليلة من بثها، لم تعد مقابلة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي مع المخرج الوثائقي جواد موغويي مجرد حلقة من برنامج “رواية الحرب”، بل أثارت جدلاً واسعاً على الصعيدين السياسي والإعلامي، ليس فقط بسبب ما قيل، بل بسبب طرحها أمام الرأي العام مجموعة من التساؤلات التي تمس صميم الثقة بين الدولة والمجتمع.

وفي كشف نادر وغير مسبوق عن كواليس إدارة الأزمات داخل أروقة صنع القرار الإيراني، سلط عراقجي خلال هذه المقابلة الضوء على تفاصيل دقيقة ومثيرة حول كيفية تعاطي طهران مع التهديدات الوجودية التي كانت تحيط بها قبيل حرب رمضان، مؤكداً أنه لم يلتقِ حتى الآن بالمرشد الجديد.

وأثارت حلقة البرنامج الدهشة، ووُصفت بأنها “أقرب إلى استجواب مفتوح منه إلى حوار محسوب”، ونتج عنها سيل من التصريحات، وصفها مراقبون بأنها “سلسلة من الأخطاء المعلوماتية والأمنية وتمريرات قاتلة لصالح الخصم”.

إفشاء أسرار

لم تكن ردود الفعل الإعلامية على المقابلة عادية، حيث اجتمعت وسائل إعلام ذات توجهات مختلفة على “خطورة ما حدث”، وإن اختلفت زوايا نقدها، من ناحيته وجه موقع “رجانيوز” الإخباري التحليلي المعروف بقربه من التيار المحافظ الداعم للرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، سؤالاً مباشراً ولاذعاً: “لماذا أفشيتم أماكن اختفاء القادة؟”.

ونشر موقع رجا نيوز تعليقاً كتب فيه، أنه “في لحظة فارقة من الحوار، يقول عراقجي إنه عقد اجتماعين في نفق وإنه ومسؤولي الوزارة كانوا يتنقلون في شوارع طهران خلال أيام الحرب. ليقاطعه موغويي قائلاً: النفق يعرفه الجميع، هل تريد أن أذكر عنوانه؟ أحدهما في نهاية شارع بيروزي والآخر في دربند، حيث يتردد القادة إلى هناك كثيراً”.

وتساءل الموقع التحليلي: “بغض النظر عن أن إفشاء هذه المعلومات من قبل عراقجي غير صحيح ويُسهم في إكمال بنك معلومات الأعداء، وكان ينبغي على فريق الإنتاج حذف ذلك، فإن تعليق المذيع الذي يعطي العنوان الدقيق لأماكن تردد القادة يثير التساؤل”، مضيفاً “يقول المحاور إن العدو يعرف هذه الأنفاق، بل وهاجم أحدها، لكن هل هذا مبرر ليعلن بأن تردد القادة على هذين النفقين كثير جداً؟ ولماذا يعرف المحاور أصلاً أماكن اختفاء القيادات بدقة؟”.

أما موقع تابناك المعتدل، فذهب إلى أبعد من ذلك، متسائلاً عن جوهر الحدث: “ما هو الهدف وراء هذه المقابلة؟” وكتب الموقع: “لقد قال عراقجي في المقابلة أموراً قد تكون أكثر قيمة إخبارية لأجهزة استخبارات إسرائيل وأمريكا منها للمشاهدين”.

اتهامات أمنية

وكتب تابناك: كما تُعرف السياسة الخارجية كونها علماً وتخصصاً، فإن الصحافة أيضاً تعد تخصصاً. لكن عراقجي الذي يُرجح أنه ينتقد دخول غير المختصين إلى وزارة الخارجية، يجلس أمام شخص لا يمتلك أي سابقة أو خبرة في المجال الإعلامي.. هل يواجه السيد عراقجي أي قيود في إجراء مقابلات مع وسائل الإعلام الموثوقة، أو على الأقل مع الشخصيات الإعلامية المختصة التي تدرك الاعتبارات السياسية والإعلامية والخطوط الحمراء؟.

ويمتد هذا الجدل إلى الفضاء الرقمي؛ حيث نشر الأكاديمي والناشط الإعلامي داوود مدرسيان، تدوينة لخصت الصدمة: يعتقد عراقجي أن معرفة العدو بتزامن اجتماعات المرشد الأعلى السابق والقادة العسكريين ما أدى إلى قصفهم ربما ناتجة عن حفرة أمنية ما زالت موجودة وفاعلة، متهماً خصومه بالوقوف وراء ذلك.. نحن أيضاً نعتقد أن تحميل البلاد حربين، وشبه انقلاب مطلع العام الجاري حيث تلته حينها صدمة تحرير سعر الصرف وحذف العملة المرجحة (لدعم السلع الأساسية) في خضم الاحتجاجات الشعبية، ليس حفرة أمنية، بل أوستراد أمني واسع.

واختتم تدوينته التي نشرها على منصة “إكس”: الذين يجب أن يكونوا أول من يمثل للتحقيق، هم الذين بعد وصولهم للسلطة تعرضت البلاد للقصف واغتِيل المرشد الأعلى وقادة كباراً.. لكنهم يبادرون بالهجوم لئلا يقعوا في موقع المتهم! أولئك الذين كانوا، بتكرار مقولة “المفاوضات ناجحة والتوافق بات وشيكاً”، يحاولون تصوير الأوضاع على أنها طبيعية لكي تُعقد الاجتماعات في جو اعتيادي، هؤلاء هم حتماً المرشحون الأساسيون للتحقيق.

صدمة الشارع

وسط هذا الجدل العاصف، خرجت الجزيرة نت إلى شوارع طهران لاستطلاع آراء الناس وكان اللافت أن بعض من تحدثت إليهم لم يسمعوا أصلاً بالمقابلة. لكن الذين تابعوها أو قرأوا عنها كانوا في حالة من الذهول.

يقول سيامك (52 عاماً – موظف في القطاع الخاص)، للجزيرة نت: “ما سمعته كان صادماً. وزير الخارجية يعترف بوجود ثغرة أمنية تسببت في اغتِيل المرشد الأعلى السابق، ثم يرجح أنها ما زالت موجودة وفاعلة في توجيه القرارات والفضاء النفسي للبلاد؟ هذا يعني أن العدو ما زال بيننا، ليس فقط كجاسوس، بل كصانع قرار. من يحكم البلاد إذن؟”.

من ناحيتها، قالت نغار (37 عاماً – مدرسة لغة إنجليزية) للجزيرة نت إن “ما فجّر الغضب الشعبي هو تصرف المحاور. كيف لشخص مثل موغويي أن يعرف مواقع تردد القيادات العليا، ثم يعلنها على الهواء بكل بساطة؟ هذا يثبت أن هناك ازدواجية في المعايير. لو كان شخصاً آخر لقُبض عليه فوراً بتهمة إفشاء المعلومات السرية والمس بالأمن القومي”.

أما مهراوه، وهي سيدة في الأربعينيات من عمرها، ركزت على الجزء المتعلق بالاحتجاجات الشعبية مطلع العام الجاري فقالت: “سمعت المقطع الذي يقول فيه عراقجي إننا لم نكن مستعدين لمواجهة الاحتجاجات وإن التحليلات والتقديرات كانت خاطئة، وإن أبعاد الغضب الشعبي لم تكن متوقعة. هذا مخيف جداً. يعني أن المسؤولين لا يعرفون ما يجري في الشارع. كيف يمكنهم إذن أن يحلوا مشاكلنا؟”.

لكن الشاب حسني (26 عاماً – عاطل عن العمل) والذي كان أكثر اهتماماً بالشأن العام، يعتقد أن أخطر ما قاله الوزير في مقابلته هو بأن النفوذ لا يحدث فقط بسرقة المعلومات، بل في توجيه القرارات وتسميم الفضاء النفسي، “وإذا كان هذا صحيحاً، فعلينا أن نسأل: إن كان العدو قادراً على اختراق عملية صنع القرار، فهل الذنب ذنبه وحده، أم أن هناك بنية هشة سمحت له بذلك؟”، مضيفاً في حديثه للجزيرة نت أنه لا ينبغي أن تمر هذه المقولة مرور الكرام لأنها تمثل اعترافاً هاماً و”أرى طرحها في زمن الحرب انتحاراً سياسياً”، على حد قوله.

تفسيرات خاطئة

ولفهم أبعاد هذه العاصفة الإعلامية، التقت الجزيرة نت بالخبير السياسي هاتف صالحي، الذي يرى أن “المقابلة تحمل في طياتها نقاطاً إيجابية وأخرى سلبية، فمن جهة، فإن ظهور عراقجي كأول مسؤول رفيع المستوى لمناقشة تفاصيل الحرب يعد خطوة تستحق الإشادة، وينبغي أن تُشكل الخطوة بادرة لفتح الطريق أمام مسؤولين آخرين لتقديم رواياتهم، خاصة أن الجمهور الإيراني ظل لـ40 يوماً دون إجابة واضحة عن مجريات الحرب التي أودت بالعديد من قياداته”.

وفي حديثه للجزيرة نت، يلفت صالحي إلى أن “المشكلة الكبرى تكمن في أن المقابلة بدت غير مكتملة التحضير، إذ خلت من المراجعة والتدقيق الكافيين قبل البث، ما أدى إلى انتشار مقاطع منها أثارت شوائب واسعة، بدلاً من أن تكون أداة للتوضيح والشفافية”.

ويشير إلى أن “الوزير عراقجي تحدث بصفته دبلوماسياً في مسائل تتعلق بالأمن القومي، وهو ما جعل المصطلحات المستخدمة والمعلومات المطروحة عرضة لتفسيرات خاطئة، قد تستغلها بعض الجهات لتكريس رواياتها الخاصة”، مضيفاً أن “أحد أخطر الإشكالات التي رافقت المقابلة، هو طرح تفاصيل تتعلق بتحركات القادة العسكريين في أوقات الحرب، فضلاً عن استخدام ألفاظ مثل “سقوط مدينة مشهد” في سياق محدد، وهو ما قد يوحي بمعانٍ غير مقصودة، ويفتح الباب أمام تساؤلات أمنية لا ينبغي طرحها في برامج حوارية غير متخصصة”.

ويؤكد المتحدث نفسه، أن “مهمة التبيين الأمني ينبغي أن تُترك للمختصين الذين يدركون حساسية المصطلحات ودقة التوقيت”، ويرى أن “توقيت بث المقابلة أيضاً جاء محيراً، إذ سجلت بعد يوم من تشييع جثمان المرشد السابق وخلال أيام الهدنة وهو ما جعل بعض الإجابات تبدو غير دقيقة في ضوء المستجدات الراهنة”.

ويختتم بالقول: “هناك حاجة ماسة إلى شفافية أكبر في الأداء الأمني والسياسي، لكنها تتطلب احترافية عالية في الطرح وتنسيقاً مسبقاً بين الأجهزة المعنية، حتى لا تتحول التجارب الإعلامية إلى ذريعة جديدة للارتباك، أو إلى منصة لتدعيم إرباك الرأي العام بدلاً من تبديد هواجسه”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الجزيرة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

واحد × واحد =

زر الذهاب إلى الأعلى