من «باسمهخانه» الأرمن إلى غيبوبة النشر: قصة الطباعة في إيران
أدى انتشار خبر إضاءة برج آزادي في طهران عشية اليوم الوطني لصناعة الطباعة إلى استذكار صناعة يعود تاريخها في إيران إلى نحو أربعة قرون، وتواجه اليوم مجموعة من المشاكل القديمة والجديدة.

ميدل ايست نيوز: أدى انتشار خبر إضاءة برج آزادي في طهران عشية اليوم الوطني لصناعة الطباعة إلى استذكار صناعة يعود تاريخها في إيران إلى نحو أربعة قرون، وتواجه اليوم مجموعة من المشاكل القديمة والجديدة، بدءاً من غلاء الورق والمواد الأولية وتهالك المعدات، مروراً بالعقوبات وانخفاض أرقام التوزيع، وصولاً إلى تغير عادات القراءة في عصر الإنترنت.
من «باسمهخانه» جلفا إلى الطباعة الفارسية في تبريز
بدأت الطباعة بالطريقة الحديثة في إيران من «باسمهخانه» في جلفاء أصفهان. فبعد أن اطلع القس خاتشاتور كساراتسي، زعيم الأرمن في جلفا، على صناعة الطباعة في أوروبا، قرر توفير هذه التقنية لمجتمع الأرمن في أصفهان. وكانت نتيجة هذا الجهد طباعة كتاب «مزامير داود» أو «ساغموس» باللغة الأرمنية عام 1638.
أما الطباعة الفارسية داخل إيران فقد سلكت مساراً مختلفاً، وبدأها الجاد في تبريز في عهد عباس ميرزا، ولي عهد فتحعلي شاه القاجاري وحاكم تبريز أنذاك، وهي المدينة التي سبق غيرها في التاريخ المعاصر لإيران في مواجهة التقنيات والمؤسسات الجديدة.
في العقد الثاني من القرن التاسع عشر، وبالتزامن مع الإصلاحات التي كان عباس ميرزا يسعى إليها لتحديث الجيش والجهاز الإداري، وصلت الطباعة بالحروف المتحركة إلى تبريز. وقد أرسل خمسة طلاب إيرانيين للدراسة في إنجلترا وفرنسا، وكان من بينهم ميرزا صالح شيرازي الذي عاد بعد انتهاء دراسته حاملاً معه آلة طباعة إلى إيران. كما جرى طلب عدة آلات أخرى من روسيا.

وفي عام 1818 طُبعت «رسالة جهادية» لميرزا عيسى قائم مقام فراهاني بالحروف الرصاصية في تبريز، غير أن الطباعة الرصاصية لم تتوافق كثيراً مع الخط الفارسي. فقد جعلت اتصال الحروف وتنوع أشكالها واعتياد القراء على أناقة خط النستعليق عملية التنضيد صعبة، كما لم يكن مظهر الكتب المطبوعة بالحروف الرصاصية جذاباً لجمهور اعتاد المخطوطات.
وسرعان ما حلت تقنية أخرى معظم هذه المشكلة، وهي الطباعة الحجرية. في هذه الطريقة كان الخطاط يكتب النص، ثم يُنقل المكتوب إلى حجر الكلس ويُعاد إنتاجه. وبذلك كان الكتاب المطبوع يحافظ على المظهر المألوف للمخطوط.
وأُحضرت أول آلة طباعة حجرية عام 1821 بأمر عباس ميرزا من تفليس إلى إيران. وتختلف المصادر حول التاريخ الدقيق للتجارب الأولى، لكن «دائرة المعارف الإيرانكا» تسجل بداية النشاط الفعلي للطباعة الحجرية في تبريز بين عامي 1832 و1833.
وكان القرآن الكريم ثم كتاب «زاد المعاد» للعلامة المجلسي من أوائل الأعمال التي طُبعت بهذه التقنية في تبريز. وقد توافقت الطباعة الحجرية مع الذوق البصري للإيرانيين إلى درجة سيطرت معها على صناعة الكتاب في إيران خلال جزء كبير من القرن التاسع عشر. كما أتاحت هذه الطريقة نشر الكتب المصورة، وكان كتاب «ليلى والمجنون» لمكتبي شيرازي من أوائل الكتب المصورة المطبوعة بالحجر في إيران.
من طباعة الكتب إلى ولادة الصحافة
مع انتشار الطباعة أصبحت طهران أيضاً أحد المراكز الرئيسية لهذه الصناعة. فقد أصدر ميرزا صالح شيرازي، الذي تعرف على الطباعة في بريطانيا، أول صحيفة في إيران، المعروفة اليوم باسم «كاغذ أخبار»، عام 1837 في طهران.

كانت مدة صدور هذه النشرة قصيرة جداً، لكنها أسست العلاقة بين الطباعة والخبر في إيران. وبعد بضع سنوات تولت المطبعة الحكومية ثم مطبعة دار الفنون جزءاً من الاحتياجات المتزايدة للدولة من الكتب والكتيبات التعليمية والصحف. وصدرت «وقائع اتفاقيه»، أول صحيفة فارسية رسمية تُطبع بانتظام، منذ عام 1851 في المطبعة الحكومية.
ومن منتصف القرن التاسع عشر ازداد عدد المطابع الخاصة في طهران وتبريز، وتحول باعة الكتب تدريجياً إلى طالبي كتب وناشرين. وتسجل المصادر التاريخية من ثلاثينيات القرن التاسع عشر حتى العقد الأول من القرن العشرين ما لا يقل عن 33 مطبعة حجرية في طهران و30 مطبعة في تبريز.
ومن بين هذه المراكز مطبعة الأستاذ ميرزا علي أصغر في باغ مروي، ومطبعة الأستاذ عبد العلي والأستاذ ميرباقر طهراني في چالهميدان. كما كانت مطبعة السيد مرتضى برغاني من المراكز النشطة في ذلك العصر بنشرها صحف ناظم الإسلام كرماني و«أدب» بإدارة أديب الممالك، و«كشكول» و«قاسم الأخبار».
وكانت دواوين الشعراء والكتب الدينية والأعمال التاريخية والقصص الشعبية وكتابات الكتاب المعاصرين تُطبع وتُنشر في هذه المطابع.
وكان ناصر الدين شاه نفسه مهتماً شخصياً بهذه الصناعة الجديدة. ففي عهده صُنعت حتى مطبعة حجرية متنقلة لترافق المعسكر السلطاني، وتنشر وقائع الرحلة اليومية والمحادثات والمناظر على الطريق، سواء داخل إيران أو في الرحلات الخارجية، على شكل صحيفة. ومن هذه الأعمال «مرآة السفر ومشكاة الحضر» و«أردوي همايوني» ومجموعات سياحية مصورة، وكان كثير منها مكتوباً بخط ميرزا رضا كلهر، الخطاط الشهير في العهد الناصري، ومطبوعاً بالحجر.
الطباعة ركيزة للحياة السياسية والثقافية
مع دخول إيران القرن العشرين لم تعد الطباعة تقنية جديدة، بل تحولت إلى بنية تحتية للحياة الثقافية والسياسية في البلاد. فلا يمكن تصور الثورة الدستورية دون تداول الصحف والمنشورات السرية والإعلانات والكتب.
وفي العقود التالية ظهرت مطابع وناشرون جدد، أصبح بعضهم جزءاً من الذاكرة الثقافية لإيران لأجيال عدة. ومن بين هذه المؤسسات مكتبات ودور نشر خيام وبروخيم وابن سينا وعلمي وإقبال، التي وسّعت النشاط المهني للنشر في النصف الأول من القرن العشرين.
كما تحولت الصحافة إلى مؤسسات كبيرة. فقد أصدر عباس مسعودي، الصحافي والسناتور والنائب البرلماني، صحيفة «اطلاعات» في يوليو 1926 بعد تأسيس مركز اطلاعات. ولم يتجاوز توزيع أعدادها الأولى بضع مئات من النسخ، لكنها تحولت في العقود التالية إلى إحدى أكبر المؤسسات الصحفية في إيران.
وحوّل انتشار المطابع الصناعية ودخول الآلات الأسرع والطباعة بالأوفست وتشكيل مؤسسات النشر الكبيرة صناعة الطباعة الإيرانية من ورشة صغيرة كانت قبل نحو أربعة قرون في جلفاء أصفهان ترتب الحروف واحداً تلو الآخر، إلى صناعة واسعة النطاق.
صناعة عاد توزيعها إلى عصر الثورة الدستورية
لم تعد المشكلة اليوم في صناعة الطباعة تتعلق بكون الأجهزة يدوية أو آلية. فالورق والحبر والزنك وقطع الغيار والآلات كلها مرتبطة باقتصاد يعاني التضخم وقيود الاستيراد والعقوبات. وتنتقل زيادة تكاليف الطباعة والتجليد والنقل مباشرة إلى السعر النهائي للكتاب، في وقت يتراجع فيه في الوقت نفسه القدرة الشرائية للجمهور.
وقال داود علي بابائي، مدير دار نشر «أميد فردا»، في مقابلة عام 2023: «صناعة النشر الورقي في غيبوبة. وصل توزيع الكتب إلى 100 نسخة، وقد يصل إلى 200 أو 300 نسخة، وأصبح توزيع الكتب اليوم مساوياً لما كان عليه في عصر الثورة الدستورية».
هذا بينما لم يكن غريباً في السنوات الأولى بعد الثورة وحتى تسعينيات القرن العشرين نشر بعض الكتب بتوزيعات تصل إلى عشرات الآلاف من النسخ. وكانت صناعة النشر في تلك الفترة سوقاً مربحة، وهو ما عرضها لاحقاً للفساد المرتبط بالعملة الحكومية واستيراد الورق؛ وهي الفترة التي دخل فيها مصطلح «سلطان الورق» حتى إلى الأدبيات الإعلامية في قضايا الفساد الاقتصادي.
واليوم ابتعدت هذه السوق المزدهرة كثيراً. وفي الأشهر الأخيرة تحدث ناشطو صناعة النشر عن ارتفاع تكاليف الإنتاج وتقلص السوق، واعترف المدير العام لدار الكتب والأدب في إيران بوجود ثغرات جدية في سلسلة الطباعة والنشر، من الإنتاج والتوزيع إلى التجليد والبيع والتسويق.
ولا يقتصر هذا الأزمة على الصحف والكتب. فصناعة الإعلان والتغليف وغيرها من الفروع المرتبطة بالطباعة تأثرت أيضاً بارتفاع أسعار المواد الأولية والمعدات والاستيراد.
ومن جهة أخرى من هذه المعادلة، تغير مفهوم «القراءة» نفسه. فقد استحوذت الهواتف والشبكات الاجتماعية والكتب الإلكترونية والكتب الصوتية والمحتوى المجاني على الإنترنت على جزء كبير من الوقت الذي كان يُخصص سابقاً لقراءة الكتب والدوريات المطبوعة.
وليس هذا التحول خاصاً بإيران، لكنه حدث فيها بالتزامن مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع أسعار الكتب وصعوبة توفير المواد الأولية وتقلص السوق. وحتى المؤسسات الرسمية للنشر تتحدث الآن عن ضرورة «إعادة تعريف» هذه الصناعة وتطوير الطباعة حسب الطلب وزيادة الاعتماد على التقنيات الرقمية.
وفي ظل هذه الظروف، قد تُذكّر إضاءة برج آزادي باليوم الوطني لصناعة الطباعة لبضع ساعات، لكن الصناعة التي كان دخولها إلى إيران ذات يوم علامة على التحديث والابتكار في العلم والسياسة، تحتاج اليوم إلى جهد يفوق مجرد الاحتفالات الرمزية.



