الصحافة الإيرانية: مضيق هرمز والمنافسة والمعارك المستقبلية على المعادن النادرة
أكد خبير في الشؤون الإقليمية أن التنافس بين القوى الكبرى لم يعد يقتصر على النفط، بل إن السيطرة على المعادن النادرة أصبحت اليوم الساحة الجيوسياسية الأهم في الاقتصاد والتكنولوجيا العالميين.
ميدل ايست نيوز: أكد خبير في الشؤون الإقليمية أن التنافس بين القوى الكبرى لم يعد يقتصر على النفط، بل إن السيطرة على المعادن النادرة أصبحت اليوم الساحة الجيوسياسية الأهم في الاقتصاد والتكنولوجيا العالميين.
وأشار آرمان سليم نجاد، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إلى أنه على مدى أكثر من قرن، كان النفط يمثل الركيزة الأساسية للقوة الجيوسياسية العالمية، فيما لعب مضيق هرمز دوراً حاسماً بوصفه أهم ممر لنقل الطاقة، حيث كانت أي أزمة في هذا الممر المائي كفيلة بإحداث صدمات في الاقتصاد العالمي وتغيير موازين القوى الدولية.
وأضاف أن العالم يدخل اليوم مرحلة مختلفة، فكما كان النفط محرك الثورة الصناعية في القرن العشرين، أصبحت المعادن الحيوية تمثل العمود الفقري للاقتصاد الرقمي والصناعات المتقدمة في القرن الحادي والعشرين.
وأوضح أن معادن مثل الغاليوم والجرمانيوم والليثيوم والعناصر الأرضية النادرة باتت ذات أهمية حيوية في إنتاج الرقائق الإلكترونية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي، والصناعات الدفاعية، والبطاريات المتطورة، والتكنولوجيا الفضائية.
وفي هذا السياق، أشار إلى أن مفهوم “هرمز الجديد” لم يعد مرتبطاً فقط بمرور ناقلات النفط، بل أصبح يتعلق بالسيطرة على سلاسل إمداد المواد الاستراتيجية التي يعتمد عليها الاقتصاد التكنولوجي العالمي.
واعتبر أن هذا التحول أدخل الجغرافيا السياسية العالمية في مرحلة جديدة، حيث لن تدور حروب المستقبل حول الطاقة فقط، بل حول المواد الأولية اللازمة لإنتاج القوة التكنولوجية.
بداية معركة سلاسل إمداد المعادن النادرة
ورأى أن القوى الكبرى تدرك جيداً أن الاعتماد على مصادر محدودة للمعادن الاستراتيجية قد يتحول إلى نقطة ضعف خطيرة، ولذلك أصبحت المنافسة على السيطرة على سلاسل الإمداد أحد أهم محاور السياسة العالمية.
وأشار إلى أن الصين تمكنت خلال السنوات الأخيرة من ترسيخ موقع مهيمن في مجال معالجة وتصدير العديد من المعادن الحيوية، موضحاً أن اللوائح الجديدة التي أصدرتها بكين بشأن أمن سلاسل إمداد المعادن تؤكد أن الحكومة الصينية لا تنظر إلى هذا الملف باعتباره قضية اقتصادية فحسب، بل جزءاً من أمنها القومي وقوتها الجيوسياسية.
وفي المقابل، أوضح أن الولايات المتحدة وأوروبا بدأتا جهوداً واسعة لتقليص الاعتماد على الصين، من خلال مشاريع تشمل بناء مخزونات استراتيجية من المعادن في الولايات المتحدة وإعادة هيكلة سلاسل الإمداد الأوروبية.
وأضاف أن هذه التحركات تعكس قلقاً غربياً متزايداً من هشاشة البنية التكنولوجية واعتمادها على الموارد التي تسيطر عليها الصين.
لكنه أشار إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في أن بناء سلاسل إمداد بديلة يحتاج إلى وقت طويل وتكاليف مرتفعة، في حين لا تزال قطاعات غربية واسعة، من صناعة أشباه الموصلات إلى الصناعات الدفاعية، تعتمد بشكل كبير على استيراد هذه المواد.
وأوضح أن أي اضطراب في تدفق هذه الموارد قد يؤدي إلى أزمات واسعة النطاق في الاقتصاد العالمي.
مضيق هرمز والأمن البحري والجغرافيا الجديدة للقوة
وأكد أن مضيق هرمز ما زال يحتفظ بأهميته الاستراتيجية، إلا أن هذه الأهمية اكتسبت أبعاداً جديدة في المرحلة الراهنة.
وبيّن أن الخليج لم يعد مجرد ممر لتصدير النفط، بل أصبح جزءاً من مسارات التجارة العالمية الحيوية والبنية التحتية الرقمية وسلاسل نقل المواد الاستراتيجية.
وأضاف أن أي أزمة واسعة في المنطقة لن تؤثر على أسواق الطاقة فقط، بل ستنعكس أيضاً على الشبكات المعقدة للصناعات المتقدمة حول العالم.
وأشار إلى أن الصناعات التكنولوجية الغربية تعتمد بشكل كبير على استقرار الطرق البحرية وسلاسل الإمداد، الأمر الذي زاد من الحساسية الجيوسياسية لمنطقة الخليج.
وفي هذا الإطار، رأى أن إيران لم تعد مجرد لاعب في سوق الطاقة، بل أصبحت جزءاً من معادلة أمن سلاسل الإمداد العالمية.
وأوضح أن الموقع الجيوسياسي لإيران، وإشرافها على ممرات مائية استراتيجية، ودورها في أمن المنطقة، كلها عوامل تجعل أي مواجهة عسكرية معها ذات تداعيات تتجاوز سوق النفط إلى الاقتصاد والتكنولوجيا العالميين.
وأضاف أن مفهوم الردع لم يعد يقتصر على القدرات الصاروخية والعسكرية، بل أصبح مرتبطاً أيضاً بالقدرة على التأثير في الاقتصاد العالمي وأمن التكنولوجيا وتوقعات الأسواق.
الحرب التكنولوجية والاقتصاد النفسي للأسواق
وأشار إلى أن أحد أبرز أبعاد المنافسة الجديدة يتمثل في الحرب المعرفية المرتبطة بأمن سلاسل الإمداد.
وأوضح أن الأسواق العالمية أصبحت أكثر حساسية من أي وقت مضى تجاه التصورات والتوقعات، لدرجة أن مجرد احتمال اندلاع أزمة في الخليج أو تقييد الوصول إلى المعادن النادرة قد يؤدي إلى ارتفاعات حادة في الأسعار واضطرابات واسعة في الأسواق.
وأضاف أن إدارة الإدراك العام أصبحت جزءاً من أدوات القوة الجيوسياسية.
واعتبر أن إيران أظهرت خلال السنوات الأخيرة قدرتها على استخدام الأدوات الإعلامية والسيبرانية والمعرفية لزيادة الكلفة النفسية لأي مواجهة محتملة مع الغرب.
وأشار إلى أن أهمية هذه الأدوات تتزايد في ظل مواجهة الاقتصادات الغربية تحديات تتعلق بالتضخم والمنافسة التكنولوجية العالمية.
وفي المقابل، لفت إلى أن الدول الغربية تعمل على إعادة صياغة عقائدها المتعلقة بالأمن السيبراني والاقتصادي، حيث أصبحت حماية سلاسل الإمداد والبنى التحتية التكنولوجية ومواجهة الحرب المعرفية جزءاً من استراتيجيات الأمن القومي في الولايات المتحدة وأوروبا.
وأكد أن الحروب المستقبلية لن تُحسم في ساحات القتال التقليدية فقط، بل إن القدرة على تعطيل سلاسل الإمداد والتأثير على تصورات الأسواق وإحداث الصدمات النفسية قد تكون مؤثرة بقدر تأثير القوة العسكرية.
وأضاف أن بعض المحللين الغربيين يرون أن السرعة والمرونة قد تصبحان في حروب المستقبل أكثر أهمية من حجم الترسانات العسكرية نفسها.
وختم بالقول إن العالم يتجه نحو عصر جديد من التنافس الجيوسياسي تحتل فيه المعادن النادرة مكانة مشابهة للمكانة التي احتلها النفط خلال القرن الماضي.
وأشار إلى أن ممرات الطاقة التقليدية أصبحت مرتبطة بشكل وثيق بسلاسل إمداد التكنولوجيا والصناعات المتقدمة، وهو ما أعاد تعريف مفهوم الأمن العالمي.
وأضاف أن مضيق هرمز، في هذا النظام الجديد، لم يعد مجرد ممر لنقل النفط، بل أصبح جزءاً من الشبكة الحيوية للاقتصاد الرقمي والصناعات الاستراتيجية العالمية، ما يعني أن أي أزمة في المنطقة قد تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من أسواق الطاقة لتشمل أمن التكنولوجيا والاقتصاد العالمي.
واعتبر أن التنافس على المعادن النادرة يكشف أن حروب المستقبل لن تدور فقط حول الأراضي أو مصادر الطاقة، بل حول السيطرة على البنية التحتية لإنتاج القوة التكنولوجية، في معركة باتت فيها عناصر الاقتصاد والإدراك والتكنولوجيا لا تقل أهمية عن الصواريخ والأساطيل العسكرية.


