هل تقود الاستراتيجية العسكرية الأمريكية واشنطن إلى حرب استنزاف مكلفة؟

تؤكد وسائل الإعلام الدولية والمحللون بصورة متزايدة أن الارتفاع المستمر في الإنفاق العسكري، في وقت يبدي فيه الرأي العام الأمريكي شكوكًا متزايدة بشأن استمرار الحرب، يعكس تزايد صعوبة إدارة الأزمة.

ميدل ايست نيوز: تتصاعد تكلفة السياسة العسكرية الأمريكية مع اتساع الخلافات داخل الكونغرس، وتزايد الشكوك بشأن جدوى الضربات الأخيرة، وارتفاع المخاوف من اتساع دائرة انعدام الأمن في الخليج، ما أعاد إلى الواجهة في واشنطن ووسائل الإعلام الدولية التساؤل عما إذا كانت استراتيجية الاعتماد على القوة العسكرية قد قرّبت الولايات المتحدة من أهدافها، أم أنها تدفعها نحو حرب استنزاف طويلة ومكلفة.

وتزداد كلفة الحرب التي أطلقتها واشنطن خلال الأشهر الأخيرة يومًا بعد يوم، إذ لم تعد تقتصر على مليارات الدولارات المخصصة للإنفاق العسكري، بل امتدت لتشمل زيادة الضغوط على دافعي الضرائب الأمريكيين، وتصاعد حالة عدم الاستقرار في واحدة من أهم المناطق الجيوسياسية في العالم، وتهديد أمن طرق نقل الطاقة الرئيسية. وبالتزامن مع استمرار التوترات، تتحدث وسائل إعلام دولية ومحللون غربيون بصورة متزايدة عن اتساع الفجوة بين الرواية الرسمية للبيت الأبيض والوقائع الميدانية، وهي فجوة أصبحت اليوم أحد أبرز محاور الخلاف في الساحة السياسية الأمريكية.

وأظهرت جلسات الكونغرس الأمريكية الأخيرة أن الشكوك بشأن الاستراتيجية العسكرية للإدارة لم تعد تقتصر على الأوساط البحثية، بل انتقلت إلى داخل دوائر صنع القرار في واشنطن. ويرى عدد من أعضاء الكونغرس أن مواصلة الاعتماد على الضغوط العسكرية لم توفر أفقًا واضحًا لإنهاء الأزمة، بل زادت من احتمالات انخراط الولايات المتحدة في حرب استنزاف جديدة لا تزال كلفتها ونهايتها غير معروفتين.

زلزال في الكابيتول هيل… الكونغرس يواجه فاتورة الحرب الباهظة

تحولت جلسات الاستماع الأخيرة في الكونغرس، بحضور كبار مسؤولي وزارة الدفاع الأمريكية، من مناسبة للدفاع عن السياسات العسكرية للإدارة إلى ساحة لطرح أسئلة حادة وانتقادات غير مسبوقة لاستراتيجية البيت الأبيض. وحاول مسؤولو البنتاغون خلال هذه الجلسات الدفاع عن طلب تمويل إضافي بعشرات مليارات الدولارات، من شأنه أن يرفع تقديرات كلفة الحرب حتى نهاية السنة المالية إلى نحو 37.5 مليار دولار.

إلا أن هذا الطلب أثار موجة من التساؤلات بين المشرعين، إذ أشار المنتقدون إلى أن الكلفة المتوقعة ارتفعت بنحو ثمانية مليارات دولار مقارنة بالتقديرات التي صدرت قبل شهرين فقط، متسائلين: إذا كانت القدرات الدفاعية والنووية الإيرانية قد تعرضت، بحسب رواية الإدارة، لأضرار كبيرة، فلماذا لم تنخفض كلفة العمليات، بل ارتفعت بصورة ملحوظة؟

وأصبح هذا التناقض أحد أبرز محاور الانتقادات، حيث وصف بعض أعضاء الكونغرس أداء الإدارة بأنه يفتقر إلى “استراتيجية واضحة لتحقيق النصر”، محذرين من أن الولايات المتحدة تتجه مجددًا إلى دوامة من الإنفاق المتزايد دون رؤية واضحة لإنهاء الصراع، في مشهد يستحضر، بحسب رأيهم، تجارب العراق وأفغانستان.

اتساع الفجوة بين الرواية الرسمية والواقع الميداني

وبالتزامن مع تصاعد الانتقادات الداخلية، أصبحت الرواية الرسمية للإدارة الأمريكية تخضع لتدقيق أكبر من وسائل الإعلام الدولية. فخلال الأسابيع الأخيرة، تحدث مسؤولون أمريكيون مرارًا عن نجاح الضربات وإلحاق أضرار جسيمة بالبنية التحتية الاستراتيجية الإيرانية، إلا أن كثيرًا من المحللين يرون أن تطورات الميدان لا تنسجم مع هذه الرواية.

ويرى هؤلاء المحللون أنه لو كانت الأهداف المعلنة قد تحققت بالفعل، لما كانت هناك حاجة إلى طلب موازنات إضافية ضخمة، أو مواصلة العمليات العسكرية، أو طرح خيارات جديدة، وهو ما زاد من حجم التشكيك في الرواية الرسمية للبيت الأبيض داخل الولايات المتحدة وخارجها.

الخليج… جبهة قد توسع نطاق الأزمة عالميًا

ومع استمرار التوترات، تصاعدت المخاوف بشأن أمن خطوط الملاحة البحرية، وموانئ المنطقة، ومضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة الطاقة العالمية، ليعود مجددًا إلى واجهة الأزمة باعتباره إحدى أكثر نقاطها حساسية.

وتسعى الإدارة الأمريكية إلى تصوير أي اضطراب محتمل في مضيق هرمز على أنه تهديد للاقتصاد العالمي بهدف حشد دعم أوسع لسياساتها، إلا أن شريحة واسعة من المحللين الدوليين ترى أن جانبًا كبيرًا من حالة عدم الاستقرار الحالية يعود إلى تصاعد المواجهة العسكرية وغياب استراتيجية سياسية واضحة لاحتواء الأزمة.

كما تواصل الأسواق العالمية التفاعل مع أي تطور أمني في المنطقة، نظرًا لأن أي اضطراب في حركة الملاحة أو صادرات الطاقة قد ينعكس على أسعار النفط، وكلفة النقل، وسلاسل الإمداد العالمية، متجاوزًا حدود الشرق الأوسط.

العودة إلى الدبلوماسية… السبيل الوحيد لاحتواء فاتورة الحرب المتصاعدة

وفي ظل هذه الظروف، حظيت الجهود التي تبذلها بعض الدول الإقليمية والوسطاء الدوليون لإحياء مسار الحوار والتوصل إلى وقف مؤقت لإطلاق النار باهتمام متزايد. ويرى كثير من المراقبين أن استمرار النهج الحالي لم يحقق للولايات المتحدة مكاسب استراتيجية واضحة، في مقابل ارتفاع كبير في كلفته المالية والسياسية والأمنية.

كما تؤكد وسائل الإعلام الدولية والمحللون بصورة متزايدة أن الارتفاع المستمر في الإنفاق العسكري، في وقت يبدي فيه الرأي العام الأمريكي شكوكًا متزايدة بشأن استمرار الحرب، يعكس تزايد صعوبة إدارة الأزمة. ومن هذا المنطلق، فإن إطالة أمد الصراع ستؤدي إلى اتساع الفجوة بين الأهداف المعلنة والنتائج الفعلية.

ولهذا يرى عدد كبير من المحللين أن العودة إلى الدبلوماسية، واحتواء التوتر، وإيجاد آليات فعالة لمنع اتساع رقعة الصراع، أصبحت اليوم أكثر من أي وقت مضى الخيار الوحيد لتجنب تضخم الكلفة التي لن تتحملها واشنطن وحدها، بل سيمتد أثرها إلى الاقتصاد العالمي وأمن المنطقة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر − اثنا عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى