الصحافة الإيرانية: ملامح النظام الجديد في غرب آسيا

ترى دول الخليج أن إدراك إيران للأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز بوصفه أداة جيوسياسية مؤثرة يفتح الباب أمام مستقبل غير قابل للتنبؤ بالنسبة لاقتصادات المنطقة ومسارات تنميتها.

ميدل ايست نيوز: يبدو أن الحرب التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران شكلت نقطة تحول في التاريخ المعاصر، مفادها أن الشرق الأوسط يشهد عملية إعادة تشكيل تختلف كثيراً عن الرؤية التي سعت إليها واشنطن وتل أبيب. فقد أصبح واضحاً أن هذه الحرب لم تحقق النتائج التي كان المعسكر الغربي يسعى إليها، إذ فشلت أهداف إسقاط الجمهورية الإسلامية أو تغييرها أو إخضاعها، كما أن مشروع “الشرق الأوسط الجديد” الذي روجت له الولايات المتحدة وإسرائيل لفترة طويلة فقد جاذبيته بعد الحرب، وأصبح انضمام الدول العربية والإسلامية إلى اتفاقيات أبراهام أقرب إلى مفارقة سياسية مريرة.

يقول حسين موسوي، رئيس مركز البحوث العلمية والدراسات الاستراتيجية للشرق الأوسط، في مقال لصحيفة شرق الإيرانية، إن الهجوم على إيران، وما رافقه من سياسات أحادية الجانب وهيمنة أميركية وإسرائيلية مع تجاهل مصالح الحلفاء في العالم العربي، ولا سيما دول الخليج، قدم درساً مهماً للدول العربية والإسلامية، وهو أن الولايات المتحدة، بسبب انحيازها الكامل لإسرائيل، لا يمكن أن تكون شريكاً دائماً وموثوقاً.

من جهة أخرى، أظهر النظام الإسرائيلي تحولاً واضحاً في استراتيجيته للأمن القومي من الردع إلى السعي للهيمنة والسيطرة الاستراتيجية على محيطه، مع إعلانه الرغبة في تغيير الخريطة الجيوسياسية للمنطقة تحت شعار “إسرائيل الكبرى”، وهو المشروع الذي تتبناه التيارات اليمينية والدينية المتشددة في إسرائيل. وقد أوضح هذا التوجه لمعظم دول الشرق الأوسط أن عداء إسرائيل لا يقتصر على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بل يشمل أيضاً الدول العربية والإسلامية.

وفي إطار مشروع “إسرائيل الكبرى”، الذي صاغه عدد من المنظرين الإسرائيليين ويعمل على تنفيذه اليمين الحاكم بقيادة بنيامين نتنياهو، يجري الحديث عن تفكيك الدول العربية المحيطة بإسرائيل لضمان تفوقها الاستراتيجي.

بحسب هذا التصور، فإن سوريا ولبنان والسعودية والأردن والعراق ومصر ستفقد أجزاء من أراضيها أو تتعرض لتغييرات جغرافية واسعة لضمان أمن إسرائيل، فيما لن يبقى مجال لإقامة دولة فلسطينية أو لتنفيذ حل الدولتين الذي يطالب به المجتمع الدولي والدول العربية.

بالتوازي مع المسار العسكري لهذا المشروع، ترفع القيادة المتشددة في إسرائيل شعار “إسرائيل الكبرى” وتسعى إلى فرض السيطرة على الأراضي العربية تحت عنوان الإرث الحضاري اليهودي والحقوق التاريخية لليهود في الشرق الأوسط.

يبدو أن الدول العربية بدأت تدرك حجم هذا الخطر على وجودها ومصالحها. فقد حذر تركي الفيصل، الرئيس السابق للاستخبارات السعودية، في مقال نشرته صحيفة الشرق الأوسط في 9 مايو 2026 من هذه التوجهات، ودعا الدول العربية إلى ضبط النفس إزاء الهجمات الإيرانية خلال ما عرف بـ”حرب رمضان”. وتشير المعطيات إلى أن دول الخليج باتت تدرك أن زيادة التوتر والدفع نحو التصعيد والتشديد على الخلافات مع إيران يصب في نهاية المطاف في مصلحة إسرائيل.

كما أن مشروع اتفاقيات أبراهام، القائم على تطبيع العلاقات بين الدول العربية والإسلامية وإسرائيل، يبدو مشروعاً فاشلاً، لأن إسرائيل لا تسعى إلى تطبيع قائم على التعايش السلمي مع محيطها، بل إلى فرض القوة وتحقيق خضوع غير مشروط من هذه الدول.

ويبدو أيضاً أن عدداً من الدول العربية بات ينظر إلى الوجود العسكري الأميركي على أراضيه باعتباره عاملاً يضر بمصالحه، لأن هذا الوجود لا يسهم بقدر كبير في تعزيز أمن تلك الدول، بقدر ما يخدم ترسيخ النفوذ الإسرائيلي ودعم سياسات حكومة نتنياهو.

وفي الوقت نفسه، تجد دول الخليج نفسها أمام مفترق طرق في سياستها الخارجية بعد استخلاص الدروس من الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. فمن جهة، تدرك أن الحقائق الجغرافية والتاريخية تفرض عليها الحفاظ على علاقات حسن جوار مع إيران والعمل على ترميمها وتحسينها، ومن جهة أخرى ترى أن إدراك إيران للأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز بوصفه أداة جيوسياسية مؤثرة يفتح الباب أمام مستقبل غير قابل للتنبؤ بالنسبة لاقتصادات المنطقة ومسارات تنميتها.

لهذا السبب، تفضل هذه الدول التوجه نحو التهدئة مع إيران، ولا سيما أن طهران خرجت من المواجهة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهما قوتان دولية وإقليمية، محافظة على قدرتها على الصمود بعد تعرضها لضربات عسكرية واسعة، ما يفرض على الآخرين التعامل مع هذا الواقع والسعي إلى تحسين العلاقات معها.

ومع ذلك، لا تزال بعض الدول العربية قلقة من أن يؤدي تراجع الحضور الأميركي في الخليج، والذي تجسد في تدمير قواعد أميركية وتراجع عبور القطع البحرية الأميركية عبر مضيق هرمز، إلى فراغ في موازين القوة قد تملؤه إيران. إلا أن التجربة أثبتت أن إيران كانت تستجيب بإيجابية كلما أبدت دول الخليج رغبة في التقارب.

ومن الواضح أنه إذا توقفت السياسات العدائية، فإن عوامل التعايش والتعاون داخل منطقة الخليج ستكون أقوى من عوامل الانقسام والخلاف.

ويُطرح الملف اللبناني بوصفه اختباراً لمدى استعداد الدول العربية للتقارب مع إيران. فحزب الله، باعتباره يمثل شريحة واسعة من المجتمع الشيعي في لبنان، بدأ تحركات يعتبرها مشروعة للدفاع عن الأراضي اللبنانية في مواجهة السياسات الإسرائيلية القائمة على التوسع والهيمنة.

وفي هذا السياق، مارست الولايات المتحدة ضغوطاً إضافية على الحكومة اللبنانية من أجل المشاركة في محادثات ثلاثية في واشنطن، بهدف عدم ربط هذا الملف بالمفاوضات غير المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، ودفع بيروت إلى الدخول في حوار مع إسرائيل.

من الواضح أن أهداف هذه الاجتماعات، التي عقدت جولتها الثالثة مؤخراً، لا تتضمن أي ضمانات حقيقية لوقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان.

وكما سبق بيانه، فإن الاستراتيجية الأمنية الإسرائيلية تقوم على تفكيك الدول المحيطة بها. ويهدف الحضور الإسرائيلي في هذه الاجتماعات أساساً إلى تشجيع الحكومة اللبنانية على نزع سلاح حزب الله.

وتسعى إسرائيل إلى تحويل الحكومة اللبنانية إلى طرف سياسي في مواجهة حزب الله، حتى لو أدى ذلك إلى انزلاق لبنان نحو حرب أهلية.

كما أن التجارب السابقة أظهرت أن إسرائيل لا تلتزم بالاتفاقات التي تبرمها، وتواصل السعي لتحقيق أهدافها الخاصة.

وكان بإمكان دول الخليج أن تدعم الموقف الإيراني في المفاوضات الجارية مع الولايات المتحدة، ولا سيما في ما يتعلق بإدراج وقف شامل لإطلاق النار وإنهاء الحرب في لبنان ضمن أي تفاهمات محتملة، وأن تساند الجهود الرامية إلى دفع إسرائيل للانسحاب من لبنان.

يعلم الجميع أن الحكومة اللبنانية لا تمتلك أوراق قوة حقيقية على طاولة هذه المفاوضات، وأن نتائجها قد لا تتجاوز دفع البلاد نحو مزيد من الانقسام الداخلي.

من شأن إظهار بوادر حسن النية من قبل الدول العربية، ولا سيما دول الخليج، أن يسهم في تعزيز الثقة المتبادلة مع إيران، بما يمهد تدريجياً لإنشاء هياكل جديدة في غرب آسيا تقوم على التعايش والتعاون الاستراتيجي.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 + 19 =

زر الذهاب إلى الأعلى