مضيق هرمز رهينة.. قراءة في عقل المفاوض الإيراني لتفسير جمود المحادثات

ذكر مسؤول أميركي سابق أن واشنطن تنظر إلى التفاوض مع إيران من زاوية القوة، بينما تنظر طهران إليه من زاوية التفاوض على "رهينة" حين تمتلك شيئاً يريده الطرف الآخر، معتبراً أن مضيق هرمز هو الرهينة في هذه الحالة.

ميدل ايست نيوز: تبدو الولايات المتحدة وإيران، ظاهرياً، منخرطتين في مفاوضات تقليدية بشأن إعادة فتح مضيق هرمز والحد من الطموحات النووية الإيرانية، لكن هناك رؤية أخرى يطرحها بريت ماكجورك، المسؤول الأميركي السابق الذي شغل مناصب رفيعة في الأمن القومي خلال إدارات الرؤساء الأميركيين جورج دبليو بوش وباراك أوباما ودونالد ترمب وجو بايدن.

ويقول ماكجورك، في تحليل نشرته شبكة CNN، الاثنين، إن الطرفين لا يتفاوضان وفق القواعد نفسها، ما يفسر حالة الجمود الحالية وانعدام فرص التوصل إلى اختراق قريب.

وأشار إلى أن واشنطن تنظر إلى التفاوض مع إيران من زاوية القوة، بينما تنظر طهران إليه من زاوية التفاوض على “رهينة” حين تمتلك شيئاً يريده الطرف الآخر، معتبراً أن مضيق هرمز هو الرهينة في هذه الحالة.

فالولايات المتحدة تسعى إلى إجبار إيران على الرضوخ لمطالبها عبر الضغوط الاقتصادية والعقوبات، في حين تسعى الأخيرة إلى ودفع واشنطن إلى تقديم تنازلات بعد الحصول على شيء ذي قيمة، ثم التمسك به وعدم التخلي عنه إلا مقابل ثمن مرتفع.

ويقول الكاتب إنه تعلّم هذا الدرس بنفسه خلال مشاركته، مرتين خلال العقد الماضي، في مفاوضات مطوّلة مع إيران للإفراج عن رهائن أميركيين كانوا محتجزين في سجن إيفين “سيئ السمعة” في طهران.

معضلة مفاوض الرهائن

بحسب ماكجورك، فإن مفاوضات الرهائن تُسقط كثيراً من مزايا القوة التقليدية، وهو ما تدركه إيران جيداً. ولهذا السبب استخدمت طهران، منذ ثورة عام 1979، الرهائن مراراً كورقة مساومة في تعاملها مع الولايات المتحدة.

ويشير إلى أنه، رغم تمثيله لأقوى دولة في العالم دبلوماسياً، لم يكن يمتلك ما يبدد اختلال ميزان القوى على طاولة التفاوض. فالمفاوضون الإيرانيون كانوا يمتلكون ما تريده واشنطن، أي المحتجزين، ولم يكونوا مستعدين للتخلي عنهم قبل الحصول على المقابل الذي يرونه مناسباً.

وفي هذا النوع من التفاوض، تتراجع أهمية القوة أمام امتلاك ورقة ضغط. فباستثناء تنفيذ عملية عسكرية لتحرير الرهائن، لم يكن أمام واشنطن سوى دفع الثمن المتفق عليه. كما أن عامل الوقت كان يصب في مصلحة الإيرانيين، إذ لم يشعروا بأي استعجال، واعتمدوا استراتيجية الانتظار بينما يتفاقم وضع الرهائن، وتتزايد الضغوط على واشنطن لضمان إطلاق سراحهم.

وبهذه الطريقة، كانت أوراق الضغط الإيرانية تزداد قوة مع مرور الوقت، وهو ما كانت طهران تدركه جيداً، بحسب الكاتب.

ورقة ترمب: الأصول الإيرانية المجمدة

في سبتمبر 2023، توصلت الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق للإفراج عن خمسة أميركيين كانوا محتجزين في سجن إيفين. واستمرت المفاوضات أشهراً قبل تحقيق اختراق بعد موافقة واشنطن على إطلاق سراح عدد من الإيرانيين المحتجزين في السجون الأميركية، ممن خضعوا لإجراءات قضائية وأدينوا بأحكام قانونية، إلى جانب نقل ستة مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة من كوريا الجنوبية إلى قطر.

وكانت هذه الأموال مودعة في حسابات مقيّدة لا يمكن لإيران استخدامها إلا في المعاملات الإنسانية غير الخاضعة للعقوبات. وأصرّت طهران على نقل الأموال من سيول إلى الدوحة لتسهيل الوصول إليها.

وبموجب الاتفاق، وضعت الولايات المتحدة آليات رقابة عبر وزارة الخزانة لضمان عدم تحويل الأموال إلى أغراض أخرى، وحصر استخدامها في السلع غير الخاضعة للعقوبات.

لكن بعد ثلاثة أسابيع فقط، نفذت حركة حماس هجوم السابع من أكتوبر 2023. وبعد إشادة المرشد الأعلى الإيراني آنذاك بالهجوم علناً، ردت واشنطن بحرمان طهران مجدداً من الوصول إلى الأموال الموجودة في قطر، وهو الوضع الذي لا يزال قائماً حتى اليوم.

السيناريو نفسه يتكرر

ويرى ماكجورك أن إيران تطبّق اليوم المنطق نفسه، ولكن على نطاق أكبر بكثير، مشيراً إلى أن الرهينة هذه المرة ليس مواطناً أميركياً، بل مضيق هرمز الذي يعد أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم.

ويمر عبر المضيق نحو خُمس تجارة النفط العالمية، وتفرض إيران، وفق هذا الطرح، سيطرة فعلية عليه عبر التهديد باستخدام القوة، من خلال الصواريخ والطائرات المسيّرة، وكذلك عبر إنشاء ما تصفه بسلطة جديدة تقودها لتنظيم حركة الدخول والخروج.

ومن وجهة النظر الإيرانية، باتت طهران تمتلك شيئاً يريده العالم بأسره، وليس الولايات المتحدة فقط، ولن تتخلى عنه قبل أن تدفع واشنطن ثمناً باهظاً. وبذلك أصبح المضيق، في نظرها، أثمن “رهينة” امتلكتها على الإطلاق، بحسب الكاتب.

ويشير ماكجورك إلى أن هذا التصور تعزز لديه بعد المقابلة التي أجراها محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني الجديد، هذا الشهر، قائلاً إن المقابلة أعادت إلى ذهنه أجواء الجلوس أمام مسؤولي الأمن الإيرانيين خلال مفاوضات الرهائن.

وخلال المقابلة، أكد رضائي أن المضيق سيظل مغلقاً ما لم تفرج واشنطن عن 24 مليار دولار من الأصول الإيرانية المجمدة. وقال: “إذا كان ترمب يأخذ المفاوضات على محمل الجد، فإن هذه الأموال تمثل اختباراً للثقة، واختباراً يجب على أميركا اجتيازه”.

ويرى ماكجورك أن المعادلة الإيرانية بسيطة: إما أن تدفعوا الأموال، أو لن تحصلوا على ما تريدونه وما نملكه نحن.

ويشمل المبلغ الذي يطالب به رضائي ستة مليارات دولار كانت محور اتفاق الرهائن عام 2023، وهو ما يعتبره الكاتب مؤشراً مهماً على أن طهران تتعامل مع المفاوضات الحالية بوصفها مفاوضات رهائن جديدة، لكن الرهينة هذه المرة هي الاقتصاد العالمي، بينما يبلغ المطلب الأولي أربعة أضعاف ما كان عليه سابقاً.

حدود النفوذ الأميركي

وفي المقابل، حاولت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تقويض النفوذ الإيراني عبر ضغوط اقتصادية مضادة. فمن خلال وقف صادرات النفط الإيرانية عبر حصار موانئها، سعت الإدارة الأميركية إلى فرض تكاليف تتجاوز أي مكاسب تعتقد طهران أنها قد تجنيها من استمرار المواجهة.

ويرى الكاتب أن هذه الاستراتيجية منطقية، إذ من المتوقع أن تتفاقم التداعيات الاقتصادية داخل إيران خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. وتُظهر مؤشرات عديدة أن البلاد تقف على أعتاب انهيار اقتصادي، مع تضخم مفرط وخسائر بمليارات الدولارات من الإيرادات اللازمة لدفع رواتب الموظفين الحكوميين.

لكن ماكجورك يعتقد أن المعاناة الاقتصادية للشعب الإيراني قد لا تكون كافية للتأثير في القيادة الجديدة بطهران.

فمحسن رضائي، بحسب وصفه، يمثل التيار الأكثر تشدداً داخل إيران، ويبدو أن رؤيته تكتسب زخماً متزايداً في طهران، إلى جانب أحمد وحيدي، القائد الجديد للحرس الثوري الإيراني، الذي يقول إنه يسيطر على حركة العبور في المضيق. ويرى الكاتب أن هذين المسؤولين هما مَن يمسكان بزمام القرار حالياً.

وأضاف الكاتب أن طهران تعتقد أن ترمب لن يتمكن من تحمل الضغوط الاقتصادية العالمية الناتجة عن الأزمة لفترة أطول مما تستطيع إيران تحمل تداعيات الحصار الأميركي، كما أن تكرار ترمب الحديث عن قرب التوصل إلى اتفاق قد يعزز قناعة الإيرانيين بأن الرئيس الأميركي بحاجة إلى الاتفاق بصورة أكثر إلحاحاً من حاجة طهران إليه.

الخيار العسكري ومخاطر التوسّع

وعلى الصعيد العسكري، قد تسعى الولايات المتحدة إلى فرض سيطرتها على مضيق هرمز وتأمينه بالقوة. ويشير ماكجورك إلى أن محاولة مماثلة جرت سابقاً ضمن عملية أطلق عليها “مشروع الحرية”، لكنها لم تستمر سوى يوم واحد. وقد تتكرر المحاولة مجدداً ضمن ما وصفه ترمب بـ”مشروع الحرية بلس”، إلا أن إيران تهدد بالرد حتى في حال استمرار الحصار البحري فقط.

وفي هذا السياق، نقل الكاتب عن رضائي قوله لشبكة CNN: “إذا لم يُرفع الحصار البحري، فسننقل الحرب إلى المحيط الهندي ومضيق باب المندب والبحر الأحمر والبحر المتوسط”.

ويرى الكاتب أن الرسالة الإيرانية واضحة: إذا حاولتم مواجهتنا عسكرياً، فسنحتجز رهائن إضافيين، مشيراً إلى أن هذا التهديد يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى أن مضيق باب المندب يشرف على ما يقرب من 10% من حركة التجارة البحرية العالمية.

تحمّل أم تنازل أم مواجهة؟

وبحسب الكاتب، يفسّر هذا الواقع سبب تعثّر المفاوضات وغياب أي مؤشرات إلى اختراق قريب. ففي واشنطن، يتمحور السؤال حول موعد التوصل إلى اتفاق عبر الرسائل المتبادلة من خلال الوسطاء. أما في طهران، فالسؤال أبسط بكثير: هل سيدفع ترمب الثمن الذي تطالب به إيران؟ ويصف الكاتب ذلك بأنه النموذج الكلاسيكي لمفاوضات الرهائن.

أما بالنسبة لإيران، فتبدو حساباتها أكثر بساطة، إذ تقوم على الاحتفاظ بما تملكه وانتظار مرور الوقت. وخلص ماكجورك إلى أن هذه هي معضلة التفاوض مع طرف يمتلك ما يسعى الآخر إلى استعادته، قائلاً إنه ما لم يتغير ميزان النفوذ، فلن تتخلى إيران عن ورقتها بثمن زهيد، وستظل المفاوضات عالقة في المأزق نفسه الذي تواجهه اليوم.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
الشرق

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة عشر + ثمانية =

زر الذهاب إلى الأعلى