الصحافة الإيرانية: هل يحل الاتفاق مع واشنطن أزمة البنزين في إيران؟

يرى بعض المراقبين أن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة قد يسهم في معالجة عجز البنزين في إيران، إلا أن حجم الفجوة الحالية يجعل الاستيراد مجرد مسكن مؤقت لا يعالج جذور الأزمة.

ميدل ايست نيوز: أظهرت التقديرات أن الاستهلاك اليومي للبنزين في إيران، الذي بلغ نحو 130 مليون لتر العام الماضي، ارتفع خلال العام الجاري إلى حوالي 137 مليون لتر يومياً، في حين يبلغ الإنتاج المحلي نحو 110 ملايين لتر يومياً، وفقاً لما أعلنه وزير النفط.

ويأتي ذلك في وقت فقدت فيه السوق جزءاً مهماً من طاقتها على صعيد الإمدادات، فيما تبدو إمكانية تعويض هذا النقص عبر حلول قصيرة الأجل محدودة للغاية. ويرى بعض المراقبين أن التوصل إلى اتفاق مع الولايات المتحدة قد يسهم في معالجة هذا الخلل، إلا أن حجم الفجوة الحالية يجعل الاستيراد مجرد مسكن مؤقت لا يعالج جذور الأزمة.

وتشير البيانات إلى وجود عجز يومي يقدر بنحو 30 مليون لتر في سوق البنزين، إذ توقفت واردات البنزين الممتاز، التي كانت تبلغ نحو 20 مليون لتر يومياً، بسبب الظروف الجيوسياسية والاضطرابات التي طالت مسارات التوريد.

كما أفاد إسماعيل سقاب أصفهاني، نائب الرئيس الإيراني، بأن نحو 10 ملايين لتر من الطاقة الإنتاجية خرجت من الخدمة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية خلال الحرب، وهي طاقة تحتاج إلى ما لا يقل عن عام كامل للعودة إلى مستوياتها السابقة.

وبناءً على ذلك، يواجه قطاع الطاقة الإيراني واقعاً يتمثل في أن الطلب البالغ 130 مليون لتر يومياً يقابله نحو 100 مليون لتر فقط من الإمدادات الموثوقة والقابلة للاعتماد.

لماذا لا يشكل الاستيراد حلاً للأزمة؟

يقول موقع اقتصاد أونلاين، إنه حتى في حال استئناف الواردات أو تحسن العلاقات الخارجية، فإن استيراد البنزين لن يكون كافياً لمعالجة العجز القائم، لأن أزمة الطاقة في إيران ذات طبيعة هيكلية وترتبط بسياسات التسعير غير الواقعية، وليس فقط بنقص المعروض.

ويرى عدد من الخبراء أن استمرار أسعار الطاقة عند مستوياتها الحالية يبقي الاستهلاك مرتفعاً، ما يؤدي إلى استنزاف أي طاقات إضافية يتم توفيرها. كما أن التسعير الإداري أفقد المستثمرين الحوافز اللازمة للاستثمار في الإنتاج أو تحسين كفاءة الاستهلاك.

ويُباع البنزين حالياً بأسعار تبلغ 1500 و3000 و5000 تومان للتر، في حين تشير التقديرات إلى أن متوسط التكلفة الفعلية للتر الواحد، بعد احتساب تكاليف الإمداد والنقل والتوزيع، يناهز 80 ألف تومان.

ماذا يقول المحللون؟

قال المحلل الاقتصادي صادق الحسيني إن إيران لم تعد تملك خياراً سوى تحرير الأسعار، مضيفاً أن إصلاح الاقتصاد الإيراني يتطلب أزمة كبرى تدفع نحو التغيير، وأن أربعة عقود ونصف من الإدارة الموجهة للاقتصاد أوصلت البلاد إلى مرحلة أصبح فيها التحرير الاقتصادي هو الخيار الوحيد.

وأضاف أن عدم تنفيذ إصلاحات في قطاع الطاقة خلال العام الجاري سيؤدي، للمرة الأولى، إلى دخول الاقتصاد الإيراني مرحلة التضخم المكون من ثلاثة أرقام، مرجعاً ذلك إلى العجز التجاري المتوقع الذي قد يصل إلى نحو 23 مليار دولار.

كما اعتبر أن العجز التجاري بهذا الحجم قد يؤدي إلى ارتفاع سعر الصرف إلى أربعة أضعاف مستواه الحالي، ويدفع معدل التضخم إلى نحو 160%.

دعم خفي ضخم وبنزين منخفض السعر للجميع

تشير التقديرات إلى أن التكلفة الحقيقية المتوسطة للتر البنزين في إيران، بعد احتساب مختلف التكاليف المرتبطة به، تبلغ نحو 75 ألف تومان، وهو ما يخلق فجوة كبيرة بين سعر التكلفة وسعر البيع ويشكل عبئاً كبيراً على الموازنة العامة.

ويبلغ عدد بطاقات الوقود النشطة في إيران نحو 31 مليون بطاقة، يحصل أصحابها شهرياً على حصص تبلغ 60 لتراً بالسعر المدعوم الأول و100 لتر بالسعر الثاني.

وتفوق كمية الوقود المخصصة عبر هذا النظام حجم الاستهلاك الفعلي للبلاد، ما يعكس وجود اختلالات في آلية التوزيع.

استهلاك الفرد والصورة الحقيقية للطلب

استناداً إلى معدل استهلاك يومي يبلغ 137 مليون لتر، يقدر متوسط استهلاك الفرد بنحو 1.5 لتر يومياً أو ما يقارب 555 لتراً سنوياً، وهو مستوى يفرض ضغوطاً كبيرة على شبكة الإمداد.

ويصل الاستهلاك الشهري الإجمالي إلى نحو 4.1 مليارات لتر، في حين تقدر القدرة الإنتاجية المحلية بحوالي 3 مليارات لتر شهرياً، ما يعكس وجود فجوة هيكلية مستمرة بين العرض والطلب.

الحكومة تواجه خسائر متراكمة في قطاع الطاقة

وتظهر الحسابات أن حجم الدعم الخفي المقدم لقطاع البنزين يبلغ عشرات آلاف المليارات من التومانات شهرياً، ويرتفع سنوياً إلى مئات آلاف المليارات.

وكان من الممكن توجيه هذه الموارد إلى تطوير البنية التحتية للطاقة، أو دعم شبكات النقل العام، أو تحسين جودة المركبات، بدلاً من استخدامها للحفاظ على مستويات مرتفعة من استهلاك الوقود.

كما تشير التقديرات المقارنة إلى أن قيمة هذه الموارد تعادل عشرات مليارات الدولارات سنوياً، وهي مبالغ كان يمكن استثمارها في مشاريع كبرى مثل تطوير حقول الغاز، وبناء محطات الطاقة، وإنشاء منشآت تحلية المياه.

إصلاح الأسعار لم يعد خياراً بل ضرورة

وتشير المعطيات إلى أن أزمة البنزين في إيران لم تعد مجرد مشكلة إدارية قصيرة الأجل، بل تحولت إلى أزمة هيكلية عميقة.

وفي ظل هذه الظروف، فإن الاعتماد على الواردات أو الحلول المؤقتة لا يؤدي سوى إلى تأجيل المشكلة، فيما يفاقم استمرار سياسة التسعير غير الواقعي الأعباء الاقتصادية في المستقبل.

وتخلص التقديرات إلى أن إصلاح أسعار الطاقة لم يعد خياراً مطروحاً فحسب، بل أصبح ضرورة لا مفر منها لتجنب تفاقم أزمة الطاقة في البلاد.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

2 × خمسة =

زر الذهاب إلى الأعلى