الصحافة الإيرانية: فرصة تاريخية لإيران وتركيا لمواجهة إسرائيل

خلافاً لما يعتقده بعض المسؤولين الأتراك، فإن محور المقاومة لم يكن منافساً لتركيا، بل شكّل العامل الأهم في كبح إسرائيل ومنع تقسيم دول مثل سوريا ولبنان والأردن وحتى مصر، وهي دول ترى أنقرة أن أمنها يبدأ من استقرارها.

ميدل ايست نيوز: تُعد إيران وتركيا ركيزتين أساسيتين في معادلات غرب آسيا. ووفقاً للرؤية التي طرحها مستشار الأمن القومي الأمريكي الأسبق زبيغنيو بريجنسكي، فإن الهيمنة على المنطقة تقتضي، من منظور واشنطن، منع تقارب البلدين وإبقاء الخلافات قائمة بينهما ضمن ما عُرف باستراتيجية “الاحتواء المزدوج”، انطلاقاً من أن أي تعاون بين طهران وأنقرة من شأنه إعادة تشكيل موازين القوى وإحداث تحول جوهري في معادلات المنطقة.

يقول أحمد كاظمي، وهو أستاذ جامعي في القانون الدولي، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن التصريحات الأخيرة للمسؤولين الأتراك التي تدين ما تصفه بالجرائم التي يرتكبها الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك موقف الرئيس رجب طيب أردوغان الرافض للهجمات الإسرائيلية على سوريا ولبنان واعتباره إياها تهديداً للأمن التركي، تعكس تزايد إدراك أنقرة لتداعيات عدم كبح إسرائيل في المنطقة.

ومنذ مقتل أكثر من 70 ألف شخص في غزة، أطلق مسؤولون أتراك، بينهم أردوغان ووزيرا الخارجية والداخلية، مواقف متكررة ضد إسرائيل. وذهب أردوغان إلى حد القول إن إسرائيل، بوصفها “شبكة إجرامية”، سخّرت أيديولوجية فاشية لخدمة ما وصفها بالأساطير الصهيونية، مؤكداً أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يمثل امتداداً لنهج هتلر في ارتكاب الإبادة الجماعية.

في المقابل، اتهم مسؤولون إسرائيليون، وفي مقدمتهم نتنياهو ووزير الحرب يسرائيل كاتس، أردوغان بارتكاب إبادة بحق الأكراد، مؤكدين أن القدس ليست القسطنطينية، وأن المسؤولين الأتراك هم آخر من يحق لهم الحديث في مثل هذه القضايا.

ورغم هذا التصعيد اللفظي، لم تنظر الأوساط السياسية والشعبية في العالم إلى هذا التراشق باعتباره مواجهة حقيقية، وذلك بسبب استمرار العلاقات التجارية بين الجانبين حتى بعد فرض تركيا حظراً على إسرائيل في مايو 2024، عبر قنوات غير مباشرة، من بينها ارتفاع الصادرات التركية إلى فلسطين بنسبة 423% ثم انتقالها إلى إسرائيل، فضلاً عن استمرار إمداد إسرائيل بالنفط عبر خط أنابيب باكو – جيهان، الذي شهد زيادة بلغت 31% خلال عام 2025.

ومع ذلك، فإن تطورات العام الأخير، ولا سيما إذلال أنقرة في سوريا من خلال سيطرة إسرائيل على أجزاء من الأراضي السورية تحت غطاء “المنطقة الآمنة”، ومنع أي وجود عسكري تركي هناك رغم التعاون غير المعلن بين الطرفين في إسقاط نظام بشار الأسد، إضافة إلى الهجومين العسكريين الإسرائيليين على إيران خلال عام 2027، وما كشفاه عن أبعاد مشروع “إسرائيل الكبرى”، دفعت الأتراك إلى إدراك أنهم أخطأوا في تقدير معادلات الأمن الإقليمي.

وفي خضم المخططات الجيوسياسية الصهيونية – الساكسونية في المنطقة، لا تتمتع تركيا بأي حصانة، إذ إن إسرائيل لا تنظر إليها باعتبارها عدواً جديداً، بل تعتبرها أحد خصومها الدائمين، بسبب الموقف الشعبي التركي المناهض للصهيونية.

وخلافاً لما يعتقده بعض المسؤولين الأتراك، فإن محور المقاومة لم يكن منافساً لتركيا، بل شكّل العامل الأهم في كبح إسرائيل ومنع تقسيم دول مثل سوريا ولبنان والأردن وحتى مصر، وهي دول ترى أنقرة أن أمنها يبدأ من استقرارها.

وانطلاقاً من ذلك، أصبحت الفرصة سانحة أمام إيران وتركيا للتعاون في احتواء إسرائيل ووضع أسس نظام أمني إقليمي مستقل. فإسرائيل، من خلال مشروع “إسرائيل الكبرى” وشعار “من النيل إلى الفرات”، وبالتوازي مع تنفيذ نسخة جديدة من اتفاقية سايكس – بيكو، تسعى إلى تقسيم الدول الكبرى في المنطقة، بما فيها إيران وتركيا.

ولهذا السبب، يركز المشروع الإسرائيلي على فكرة “كردستان الكبرى”، التي تُعد تركيا أكثر الدول عرضة لتداعياتها لأسباب ديموغرافية وتاريخية واجتماعية وسياسية، وهو ما تقر به حتى شخصيات قومية تركية، من بينها دولت بهتشلي، زعيم حزب الحركة القومية.

وفي الوقت الذي كانت فيه تركيا تطمح إلى نقل غاز حقل ليفياثان إلى أوروبا، أظهر توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل وقبرص ولبنان في نوفمبر 2025، وإنشاء منتدى غاز في شرق البحر المتوسط يُنظر إليه على أنه مناهض لتركيا، أن تل أبيب تسعى إلى إضعاف الدور الإقليمي لأنقرة.

ويسهم بعض الحلفاء الظاهرين لتركيا، ومن بينهم أذربيجان، التي ترتبط بعلاقات سياسية وعائلية مع الصهيونية، عبر استثماراتهم الواسعة في قطاع الطاقة الإسرائيلي، في خطوات تصب عملياً ضد المصالح التركية.

وكان كشف شبكة تجسس إسرائيلية واسعة داخل تركيا عام 2026، والتي قُدمت للرأي العام على أنها مخصصة لتعقب عناصر حركة حماس والمقاومة، كان يخفي أهدافاً أوسع تتمثل في تصفية الشخصيات المناهضة للصهيونية داخل تركيا، وإضعاف حكومة أردوغان، لافتاً إلى أن إسرائيل نفذت عشرات عمليات الاغتيال داخل تركيا خلال العقود الثلاثة الماضية، من بينها اغتيال الصحفي البارز أوغور مومجو.

تستند إسرائيل في تنفيذ سياساتها إلى دعم مستمر من الولايات المتحدة وبريطانيا وعدد من الدول الأوروبية، معتبراً أن توحيد قدرات إيران وتركيا للدفاع عن وحدة أراضي دول المنطقة، وفي مقدمتها سوريا، واحتواء العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان وسوريا وغيرها، يمثل ضرورة تاريخية ستخضع لتقييم الأجيال المقبلة.

كانت إيران وتركيا في طليعة الداعمين لقوافل “الصمود” و”الحرية” المتجهة إلى غزة، وأن محور المقاومة، إلى جانب  “المحور السني” الذي يضم تركيا وباكستان ومصر والسعودية، يواجه اليوم أكثر من أي وقت مضى تهديدات مشتركة ناجمة عن المشروع الصهيوني، إلى جانب انكشاف الوعود الأمريكية الزائفة، الأمر الذي يستوجب توحيد الصفوف في مواجهة إسرائيل.

في الختام، من شأن إيقاف تركيا تزويد إسرائيل بما يقارب 80% من احتياجاتها النفطية عبر خط أنابيب باكو – جيهان أن يعزز مصداقية الإجراءات السابقة التي اتخذتها أنقرة، مثل فرض القيود التجارية وقيود العبور على إسرائيل منذ مايو 2024، وكذلك إصدار مذكرات توقيف بحق نتنياهو و36 مسؤولاً إسرائيلياً آخر، فهذه الخطوات قد تمهد لإقامة نظام إقليمي جديد قائم على الكرامة وتحقيق مصالح جميع الدول الإسلامية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى