100 يوم على حكومة الزيدي.. إنجازات تحت الاختبار وتحديات تنتظر الحسم
بعد مائة يوم على تشكيل حكومة الزيدي، تتباين التقييمات بين من يرى أن الحكومة فتحت ملفات شائكة وبين من يربط الحكم على أدائها بقدرتها على تحويل التعاقدات إلى نتائج ملموسة.

ميدل ايست نيوز: بعد مائة يوم على تشكيل حكومة علي الزيدي، تتباين التقييمات بين من يرى أن الحكومة فتحت ملفات شائكة، في مقدمتها مكافحة الفساد وحصر السلاح بيد الدولة، وبين من يربط الحكم على أدائها بقدرتها على تحويل التعاقدات وخطط الطاقة وتنويع منافذ التصدير إلى نتائج ملموسة، وفي موازاة ذلك، تحركت بغداد باتجاه توسيع علاقاتها الخارجية، خصوصاً مع الدول العربية وتركيا وإيران والولايات المتحدة، وسط تحديات مالية وأمنية تعقد مهمة الحكومة.
وصوت مجلس النواب، في (14 أيار مايو 2026)، على منح الثقة لحكومة علي فالح الزيدي ومنهاجها الوزاري، حيث صوت على 14 وزيراً من أصل 23 حقيبة ضمن تشكيلته الوزارية.
وكان رئيس الجمهورية نزار آميدي، كلف في (27 نيسان أبريل 2026)، علي الزيدي بتشكيل الحكومة الجديدة، عقب توافق الكتلة النيابية الأكبر عدداً، المتمثلة بالإطار التنسيقي، على ترشيحه لرئاسة مجلس الوزراء.
مدة غير كافية
ويقول الخبير الأمني مخلد حازم، إن “مرور 100 يوم على تشكيل الحكومة لا يعد وقتاً كافياً للحكم على مدى جدية حكومة علي الزيدي في تنفيذ الملفات المهمة والعالقة، وفي مقدمتها حصر السلاح بيد الدولة ومكافحة الفساد”.
ويضيف، أن “الحكومة بادرت إلى فتح وملاحقة ملفات الفساد، وهو ما أحدث زلزالاً داخل مؤسسات الدولة، خصوصاً مع توقيف عدد من الشخصيات السياسية والإدارية”، متوقعاً أن “تمثل هذه الإجراءات بداية لمسار طويل لحسم الملف، وليس نهاية له”.
تحديات كبيرة
ويشير حازم إلى أن “الحكومة باشرت أيضاً ملف حصر السلاح بيد الدولة، إلا أنها ستواجه تحديات كبيرة، لكونها تفتح ملفين عجزت الحكومات السابقة عن البدء بهما”، معتبراً أن “هناك إرادة حقيقية لدى الحكومة، ولأول مرة تتوافر إرادة سياسية ودعم لهذا المسار”.
ويؤكد، أن “الخيارات أمام الطبقة السياسية باتت محدودة، فإما دعم مشروع بناء الدولة والمؤسسات واستعادة هيبة القانون وسلطة الدولة، أو الاتجاه نحو الفوضى التي ستنعكس تداعياتها على الجميع”، لافتاً إلى أن “المئة يوم الأولى لا تكفي لتنفيذ هذه الملفات، لكن المرحلة المقبلة قد تشهد إجراءات فعلية على الأرض لمعالجتها”.
وبعد مرور 100 يوم على تشكيل حكومة رئيس مجلس الوزراء علي الزيدي، برز ملف مكافحة الفساد وملاحقة المتورطين بهدر المال العام كأكبر الملفات التي حظيت باهتمام الحكومة عبر إجراءات قانونية ورقابية استهدفت مسؤولين وشخصيات متهمة بالفساد شملت زعماء كتل سياسية ووزراء سابقين ونواباً.
كما برز ملف حصر السلاح بيد الدولة، أحد أخطر التحديات التي واجهها الزيدي منذ تسلمه المنصب، وعلى الرغم من أنه نجح في إقناع فصائل بإلقاء السلاح والبقاء في العمل السياسي، إلا ان فصائل أخرى مازالت ترفص إلقاء سلاحها، وهو ما يعقد هذه الأزمة مع اقتراب الثلاثين من أيلول ديسمبر وهي المهلة التي حددها لها الزيدي لهذه الفصائل والتي تتزامن مع خروج القوات الأمريكية.
وأكد الناطق باسم القائد العام للقوات المسلحة صباح النعمان، الجمعة (14 آب أغسطس)، أن المئة يوم الأولى من عمر حكومة الزيدي أسست مرحلة جديدة من الاستقرار الأمني، لافتاً إلى أن حصر السلاح وقرار الحرب والسلم من الاستحقاقات الحصرية للمؤسسات الأمنية والعسكرية الرسمية.
خطوات جادة
وفي مجال الطاقة والاقتصاد، يرى الخبير في الشأن الطاقوي كوفند شيرواني، إن “حكومة علي الزيدي أظهرت منذ تسلمها مهامها ملامح واضحة وخطوات جادة في قطاع الطاقة، ولا سيما من خلال التوجه نحو تطوير عدد من الحقول النفطية بالاستعانة بشركات أمريكية كبرى تمتلك خبرات وتقنيات متقدمة، بما ينسجم مع خطة وزارة النفط لرفع الإنتاج إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً بحلول نهاية 2028”.
ويضيف، أن “من أبرز التعاقدات الجديدة اتفاق تطوير حقل غرب القرنة مع شركة شيفرون، وحقل عكاز الغازي مع شركة شلومبرغر، فيما فُوّضت شركة جنرال إلكتريك بملف إصلاح قطاع الكهرباء بمختلف مفاصله، من التوليد والنقل إلى التوزيع”، معتبراً أن “هذه التعاقدات قد تفتح المجال أمام حلول جذرية لقطاع الكهرباء، على أن تظهر نتائجها خلال عام أو عامين”.
وكان الزيدي أكد السبت، أن عام 2027 سيكون عام مضاعفة إنتاج الطاقة الكهربائية، ومضاعفة قدرة التوزيع والنقل، بما يمثل انطلاقة مهمة لتغيير واقع الطاقة الكهربائية في العراق، مطمئناً العراقيين أن الإجراءات الحكومية ماضية في إنهاء التلكؤ في ملف الكهرباء ووقف الهدر والفساد الذي استمر لعقود.
مشاريع كبرى
ويشير شيرواني إلى أن “زيارة تركيا شهدت أيضاً إبرام تفاهمات في مجال الطاقة وتمديد اتفاقية خط الأنابيب العراقي-التركي لمدة عام، بهدف زيادة كميات التصدير عبر ميناء جيهان، تمهيداً لاتفاق إطاري أوسع يشمل النفط والكهرباء والمياه”، لافتاً إلى أن “الاتفاق يستهدف رفع الصادرات عبر الخط إلى نحو مليون ونصف المليون برميل يومياً، مع إمكانية شراء تركيا جزءاً كبيراً منها”.
ويؤكد، أن “تنويع منافذ تصدير النفط، الذي ظل تحدياً قائماً لسنوات، بدأ يأخذ حيزاً من تحركات الحكومة، من خلال اتفاقات مع شركات أمريكية وقطرية لإنشاء شبكة أنابيب استراتيجية جديدة بطاقة قد تصل إلى 3 ملايين برميل يومياً، تمتد من البصرة إلى حديثة وتتفرع باتجاه فيشخابور وبانياس السورية، إلى جانب خط جيهان”، معرباً عن أمله في “تحويل هذه الاتفاقات إلى مخططات تفصيلية ومشاريع قابلة للتنفيذ، بما يقلل تعرض الصادرات العراقية للمخاطر الجيوسياسية في منطقة الخليج”.
وكان صندوق النقد الدولي قد حذّر، قبل تشكيل الحكومة الحالية، من أن استمرار انخفاض أسعار النفط وارتفاع الإنفاق وضعف الإيرادات غير النفطية من شأنه توسيع الاختلالات المالية، مشيراً في توقعاته إلى ارتفاع العجز المالي إلى 9.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، ووصول الأجور والتقاعد إلى ما يعادل 24.5% من الناتج، مع ارتفاع الدين الحكومي في سيناريو الأساس إلى 62.3% من الناتج.
انفتاح على الخارج
وفي ملف العلاقات الخارجية، يقول الكاتب والمحلل السياسي فلاح المشعل، إن “منهاج رئيس الحكومة علي الزيدي يقوم على الانفتاح على المحيط العربي، في ظل تعثر العلاقات العراقية العربية وانكماشها خلال السنوات الماضية”، مبيناً أن “الحكومة تسعى إلى معالجة عدد من الأزمات الداخلية من خلال توسيع علاقاتها الخارجية وتعزيز المصالح المشتركة مع دول الجوار”.
ويضيف المشعل أن “تطوير العلاقة مع سوريا وفر للعراق منفذاً لنقل كميات من النفط عبر الصهاريج إلى ميناء بانياس، وهو ما لم يكن ممكناً في حال استمرار العلاقات المتوترة بين البلدين”، مشيراً إلى أن “تعزيز العلاقات مع السعودية يمثل أهمية خاصة، بالنظر إلى ثقلها الاقتصادي والصناعي، وما يمكن أن توفره من فرص للتبادل التجاري والاستثمار والدعم المالي والمصرفي للعراق”.
ويشير إلى أن “إعادة إنشاء أو تأهيل خط أنابيب لنقل النفط العراقي عبر الموانئ السعودية على البحر الأحمر يمكن أن يشكل منفذاً إضافياً ومهماً للصادرات العراقية، إلى جانب ما يمكن أن توفره الرياض من دعم مالي ومصرفي”، لافتاً إلى أن “العلاقة مع سوريا تحمل أيضاً أبعاداً أمنية واقتصادية وتجارية، نظراً لأهمية البلدين لبعضهما في ملفات الأمن والتبادل التجاري والزراعي”.
علاقات متوازنة
ويؤكد المشعل، أن “العراق بحاجة إلى بناء شبكة علاقات متوازنة مع جميع الدول التي ترتبط بمصالح مباشرة معه، بما فيها إيران وتركيا وسوريا والسعودية والكويت والأردن، بدلاً من حصر علاقاته الخارجية في اتجاه واحد”، معتبراً أن “الزيارات والاتصالات الحالية تمثل بداية للعلاقات، لكن نجاحها الفعلي سيكون مرتبطاً بتحويلها إلى اتفاقيات ومشاريع اقتصادية قابلة للتنفيذ”.
ويخلص إلى أن “ربط العلاقات السياسية بالمصالح الاقتصادية يمكن أن يحقق مكاسب مباشرة وغير مباشرة للعراق، وأن نجاح الاتفاقيات مع دول الجوار سينعكس إيجاباً على الأوضاع الداخلية ويدعم قدرة الدولة على معالجة عدد من الملفات الاقتصادية والأمنية”.
وأجرت حكومة الزيدي، خلال هذه المدة، سلسلة من الزيارات الخارجية المكثفة شملت واشنطن وطهران وأنقرة ودول أخرى بهدف ترسيخ سياسة التوازن الخارجي، وإدارة العلاقات وسط التوترات الدولية، وتعزيز الشراكات الاقتصادية والأمنية للعراق.



