خلف الكواليس: لماذا تتمسك أميركا بخيار الحصار البحري على إيران؟
ما يجري اليوم في مضيق هرمز يتجاوز كونه حصارًا بحريًا تقليديًا، إذ يمثل اختبارًا لإدارة أزمة في إحدى أكثر مناطق العالم حساسية.
ميدل ايست نيوز: أعادت تصريحات هيغسيث أمس بشأن استمرار الحصار البحري في مياه الخليج، بالتزامن مع تحذيرات طهران من تجاوز الخطوط الحمراء الأمنية، أعادت مضيق هرمز إلى نقطة تقاطع الروايات والمصالح؛ وهي نقطة يمكن اعتبارها عتبة أزمة جدية.
وحوّلت التصريحات الصريحة لوزير الحرب الأميركي بيت هيغسيث حول استمرار «غير محدود» للحصار البحري في الخليج، بالتوازي مع تأكيد طهران أن ذلك يشكّل «خرقًا لوقف إطلاق النار»، مضيق هرمز مجددًا إلى بؤرة أزمة متعددة الأبعاد؛ أزمة يرى إعلاميون ومحللون دوليون أنها قد تتطور من ضغط مضبوط إلى مواجهة مكلفة يصعب احتواؤها.
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر حيوي لنقل النفط، بل أصبح هذا الممر المائي الضيق ساحة يُعاد فيها تعريف قواعد توازن القوى. وتشير تصريحات وزير الحرب الأميركي، التي أكد فيها أن «الحصار البحري سيستمر ما دمنا نرى ذلك ضروريًا»، إلى أن واشنطن تسعى إلى ترسيخ ضغط مستدام تعتقد أنه قادر على تعديل موازين القوى من دون الانخراط في حرب مباشرة.
في المقابل، اعتبرت إيران هذا الإجراء «انتهاكًا لوقف إطلاق النار»، وحذّرت من أن استمرار هذا المسار يعني عمليًا تجاوز الخطوط الحمراء الأمنية. ويشكّل هذا التباين في السرديات منطلق أزمة معقدة ذات أبعاد لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد بعمق إلى المستويين السياسي والاقتصادي.
إعلام دولي: من الضغط الذكي إلى خطر الانفجار
تُظهر تحليلات وسائل الإعلام الدولية غياب توافق واضح بشأن تداعيات الخطوة الأميركية. فقد كتبت صحيفة نيويورك تايمز، في تحليل يستند إلى تجارب سابقة، أن «واشنطن تحاول احتواء إيران عبر ضغوط محدودة من دون الانجرار إلى حرب شاملة»، لكنها حذّرت في الوقت ذاته من أن «الحد الفاصل بين الردع والاستفزاز بالغ الضيق».
من جهتها، ركزت صحيفة فايننشال تايمز على الأبعاد الاقتصادية للتوتر، مؤكدة أن «أي اضطراب في مضيق هرمز قد يوجه صدمة فورية إلى أسواق الطاقة ويرفع الأسعار بسرعة؛ وهو سيناريو ينطوي على كلفة حتى بالنسبة إلى حلفاء الولايات المتحدة». كما أشارت الصحيفة إلى قلق شركات التأمين والنقل البحري التي تعيد تقييم مخاطر العمل في المنطقة.
أما قناة الجزيرة، فوصفت الوضع من منظور إقليمي بأنه «لعبة خطرة على حافة الهاوية»، ونقلت عن محللين قولهم إن «أيا من الطرفين لا يسعى إلى حرب، لكن كليهما يتحرك في مسار يزيد احتمالات وقوع احتكاك غير مقصود».
ثلاثة سيناريوهات؛ من الاحتواء المحدود إلى الانزلاق نحو الحرب
تشير خلاصة التحليلات إلى أن واشنطن تتبع، بشكل متزامن أو مرحلي، ثلاثة مسارات على الأقل. الأول هو سيناريو «الضغط المحدود» الذي يشمل توقيف سفن بشكل انتقائي وتعزيز الرقابة البحرية، وهو نهج يحمل أبعادًا نفسية واقتصادية أكثر من كونه عسكريًا مباشرًا. والثاني هو سيناريو «الاستنزاف» عبر توسيع الحضور العسكري وفرض رقابة دائمة على المنطقة، بما يرفع كلفة المواجهة على إيران ويحوّل عامل الزمن إلى أداة ضغط. أما الثالث فهو سيناريو «مركّب» يركز على الحرب السيبرانية والعمليات الاستخباراتية والضغط الاقتصادي، وهو نموذج يعتبره كثير من المحللين الغربيين أقل كلفة لكنه أكثر تعقيدًا وطويل الأمد.
وفي هذا السياق، حذّرت بعض مراكز الأبحاث الأميركية من أن «استراتيجية الضغط من دون أفق سياسي واضح قد تؤدي إلى تآكل السيطرة على الأزمة»، بمعنى أن استمرار الضغط من دون مسار خروج محدد يزيد احتمالات سوء التقدير.
رد طهران؛ لعبة متبادلة في مياه متوترة
غير أن المعادلة ليست أحادية الاتجاه. فقد أظهرت إيران خلال السنوات الماضية امتلاكها أدوات متنوعة للرد على الضغوط البحرية، من احتجاز سفن بشكل متبادل إلى استعراض القوة العسكرية في الخليج. ودفع ذلك عددًا من المحللين الدوليين إلى التحذير من تشكّل «حلقة فعل ورد فعل» قد تخرج سريعًا عن السيطرة.
وكتبت صحيفة الغارديان أن «أي تصعيد في هرمز لن يقتصر على إيران والولايات المتحدة، بل سيطال المنطقة بأكملها ويزيد خطر انخراط أطراف أخرى في الأزمة».
الاقتصاد العالمي في ظل قرار عسكري
بعيدًا عن الحسابات السياسية، تبرز التداعيات الاقتصادية بوصفها مصدر القلق الأكبر. فمضيق هرمز يمر عبره جزء كبير من صادرات النفط العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس سريعًا على الأسواق الدولية. ومن بين النتائج المحتملة ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الضغط على الاقتصادات المستوردة، بل وحتى تهديد معدلات النمو العالمي، وفق ما تشير إليه وسائل الإعلام الاقتصادية.
وهنا، تنظر حتى الدول الحليفة لواشنطن بحذر إلى هذه السياسة، إذ إن كلفة أي أزمة في هرمز قد تتجاوز بكثير إطار نزاع ثنائي محدود.
استعراض قوة أم بداية انزلاق خطير؟
ما يجري اليوم في مضيق هرمز يتجاوز كونه حصارًا بحريًا تقليديًا، إذ يمثل اختبارًا لإدارة أزمة في إحدى أكثر مناطق العالم حساسية. وتشير تصريحات وزير الحرب الأميركي إلى إصرار واشنطن على مواصلة الضغط، في حين تعتبر طهران أن هذا المسار يشكّل خرقًا لوقف إطلاق النار.
ويجمع محللون دوليون على أن استمرار الوضع من دون مسار دبلوماسي واضح قد يدفع بالأزمة إلى مرحلة أكثر خطورة بدل احتوائها. لم يعد مضيق هرمز في هذه المرحلة مجرد ممر لنقل النفط، بل نقطة اختناق لقرارات قد تؤثر في مستقبل المنطقة والاقتصاد العالمي بأسره.



