ما هو الدور الذي تلعبه اتفاقية بحر قزوين في الممرات الأوراسية الجديدة؟
تحدد الاتفاقية أطراً لتنظيم قضايا الملاحة والصيد والأمن والمياه الإقليمية واستغلال الموارد، لكنها لا تحدد بصورة دقيقة حصة أي من الدول الخمس من قاع البحر وما تحته.
ميدل ايست نيوز: في أغسطس من عام 2018 اجتمع قادة الدول الخمس المطلة على بحر قزوين بمدينة أكتاو الكازاخستانية لتوقيع اتفاقية الوضع القانوني لهذا المسطح المائي، وذلك بعد أكثر من عقدين من المفاوضات.
وتعد إيران الدولة الوحيدة من بين الدول الموقعة التي لم تصادق حتى الآن على الاتفاقية، ولذلك لم تدخل الوثيقة حيز التنفيذ بصورة رسمية. وأحالت حكومة الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في الآونة الأخيرة مشروع القانون المتعلق بالاتفاقية إلى البرلمان بصفة الاستعجال، في خطوة أعادت إلى الواجهة المخاوف المرتبطة بتأثير هذه الوثيقة في حقوق إيران ومصالحها في بحر قزوين.
وتحدد الاتفاقية أطراً لتنظيم قضايا الملاحة والصيد والأمن والمياه الإقليمية واستغلال الموارد، لكنها لا تحدد بصورة دقيقة حصة أي من الدول الخمس من قاع البحر وما تحته.
ووفقاً لنص الاتفاقية، يجب تحديد حدود قاع البحر وما تحته من خلال اتفاقات بين الدول المتقابلة أو المتجاورة. وبالتالي، فإن المصادقة على هذه الوثيقة لا تعني تلقائياً تحديد نسبة معينة لحصة إيران، كما أنها لا تنهي جميع الخلافات المتعلقة بحقول الطاقة.
ويعد بند إنشاء الكابلات وخطوط الأنابيب تحت سطح البحر من أبرز بنود الاتفاقية. وتنص المادة الرابعة عشرة على أن مسار أي خط أنابيب يجب أن يحدد بموافقة الدول التي يمر عبر المناطق التابعة لها، شريطة الالتزام بالمعايير البيئية المنصوص عليها في الاتفاقيات الخاصة ببحر قزوين.
عمليًا، يعني ذلك أن إنشاء خط أنابيب بين تركمانستان وأذربيجان لن يتطلب بالضرورة موافقة إيران أو روسيا، وهو ما قد يفتح الطريق أمام إحياء مشروع خط أنابيب الغاز العابر لبحر قزوين.
ويقوم مشروع خط الأنابيب العابر لبحر قزوين على إنشاء خط بطول يقارب 300 كيلومتر يمتد من السواحل التركمانية بالقرب من ميناء تركمان باشي إلى منشآت سانغاتشال في أذربيجان. ومن هناك، يمكن نقل الغاز التركماني عبر خط أنابيب جنوب القوقاز مروراً بجورجيا وتركيا وشبكة ممر الغاز الجنوبي وصولاً إلى الأسواق الأوروبية.
ويمكن لهذا المشروع أن يوفر ممراً مباشراً ومتواصلاً نحو منطقة القوقاز وأوروبا، من دون الاعتماد على الأراضي الإيرانية أو شبكة النقل الروسية. ومع ذلك، فإن الاتفاقية وحدها لا تضمن تنفيذ المشروع، إذ لا تزال قضايا التمويل والتقييمات البيئية وقدرات شبكات النقل المرتبطة في أذربيجان وتركيا والاتفاقيات التجارية طويلة الأمد تمثل أبرز العقبات أمام تنفيذه.
ويعد الممر الأوسط نموذجاً مهماً آخر لهذا التحول.
وتنقل هذه الشبكة متعددة الوسائط البضائع من الصين وآسيا الوسطى عبر كازاخستان وبحر قزوين وأذربيجان وجورجيا إلى تركيا وأوروبا، من دون المرور عبر روسيا شمالاً أو إيران جنوباً. ويؤكد البنك الدولي أن الاستثمار في هذا المسار وتحسين مستوى التنسيق فيه يمكن أن يسهما في خفض مدة نقل البضائع إلى النصف بحلول عام 2030، فضلاً عن مضاعفة حجم التجارة ثلاث مرات.
وفي جنوب القوقاز، تشهد المنطقة تحولاً آخر. ففي أغسطس 2025، وقع قادة أذربيجان وأرمينيا في واشنطن بالأحرف الأولى على اتفاق سلام، كما وقعوا بياناً مشتركاً. وكان من بين أبرز بنود الاتفاق إنشاء ممر يضمن التواصل من دون عوائق بين الأراضي الرئيسية لأذربيجان وجمهورية ناخيتشيفان ذاتية الحكم عبر الأراضي الأرمينية، مع الحفاظ على سيادة يريفان واختصاصاتها.
وأطلق على هذا المشروع اسم “مسار ترامب من أجل السلام والازدهار الدولي”، أو ما يعرف اختصاراً باسم “تريب”. وفي مايو 2026، وقعت الولايات المتحدة وأرمينيا إطاراً للتعاون من أجل تنفيذ المشروع.
وفي حال استكماله، سيربط هذا المسار أذربيجان بجمهورية ناخيتشيفان عبر الأراضي الأرمينية، ومنها إلى تركيا، وهو ما سيقلل من حاجة باكو إلى استخدام الأراضي الإيرانية لتحقيق هذا الاتصال.
وفي الجنوب، يهدف مشروع “طريق التنمية” العراقي إلى ربط ميناء الفاو الكبير على الخليج بتركيا ثم أوروبا عبر شبكة من الطرق وخطوط السكك الحديدية يزيد طولها على 1200 كيلومتر. ويصف المسؤولون في ميناء الفاو المشروع بأنه محور استراتيجي لربط آسيا بأوروبا، وهو محور لن يمر أيضاً عبر الأراضي الإيرانية.
إيران لم تُستبعد بعد من خريطة الممرات
ورغم هذه التطورات، فإن إيران لم تُستبعد بالكامل من شبكة المواصلات الإقليمية. ويعد الممر الدولي الشمال-الجنوب شبكة نقل يبلغ طولها نحو 7200 كيلومتر، تضم مسارات بحرية وسككية وبرية تربط الهند ودول الخليج بروسيا وشمال أوروبا عبر الأراضي الإيرانية وبحر قزوين.
وبدأت بعض أجزاء هذا الممر العمل بالفعل، وتشهد حركة منتظمة لنقل البضائع، إلا أن الطاقة التشغيلية الكاملة للمشروع لم تصبح متاحة حتى الآن. ولا يزال خط سكة الحديد بين رشت وآستارا، الذي يبلغ طوله 162 كيلومتراً، يمثل الحلقة غير المكتملة في الفرع الغربي للممر، إذ من المفترض أن يربط شبكة السكك الحديدية الإيرانية بروسيا عبر الأراضي الأذربيجانية. وفي يوليو 2026، استأنفت إيران وروسيا مباحثاتهما بشأن تسريع تنفيذ المشروع.
ولا يزال الموقع الجغرافي لإيران بين آسيا الوسطى ومنطقة القوقاز والخليج والمحيط الهندي يمثل ميزة استراتيجية مهمة. غير أن تحويل هذه الميزة إلى مصدر دائم للدخل والنفوذ يتطلب تطوير البنية التحتية، وتوفير الاستثمارات، وإقامة علاقات مستقرة مع الدول المجاورة، إلى جانب تهيئة الظروف اللازمة للتعاون مع الشركات الدولية.
ولم يعد السؤال المطروح في طهران يقتصر على ما إذا كانت إيران تمتلك موقعاً جغرافياً استراتيجياً، بل أصبح يتمحور حول قدرتها على تنويع شبكات الاتصال وتعزيز الظروف السياسية والاقتصادية اللازمة للحفاظ على القيمة الاستراتيجية لهذا الموقع ومنع تراجعها بصورة أكبر.



