مراسم وداع المرشد الأعلى الإيراني: من حضر ومن غاب؟

تحولت حالات الغياب البارزة والحضور المحدود لبعض الشخصيات السياسية إلى مؤشر يُستخدم لقياس مستوى التماسك الداخلي ومكانة إيران على الصعيد الإقليمي.

ميدل ايست نيوز: انطلقت مراسم وداع جثمان المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي في مصلى طهران، في وقت تحولت فيه حالات الغياب البارزة والحضور المحدود لبعض الشخصيات السياسية إلى مؤشر يُستخدم لقياس مستوى التماسك الداخلي ومكانة إيران على الصعيد الإقليمي.

وحسب تقرير لموقع “رويداد24” انطلقت مراسم وداع جثمان آية الله علي خامنئي إلى جانب أربعة من أفراد عائلته (بشرى خامنئي، مصباح الهدى باقري، زهراء حداد عادل، وزهراء محمدي كلبايكاني) الذين قتلوا في اليوم الأول من الحرب التي استمرت أربعين يومًا، عقب هجوم أمريكي إسرائيلي على العاصمة. هذا الحدث الممتد لعدة أيام، والذي يُقام في أجواء يختلط فيها القلق بالأمل حول مستقبل البلاد السياسي، تحول إلى ما هو أبعد من كونه طقسًا جنائزيًا دينيًا، ليصبح اختبارًا جديًا لقياس مستوى التماسك الداخلي في إيرات، وجودة العلاقات الدولية، واستراتيجيات الأمن لدى السلطة في إحدى أكثر المراحل حساسية في التاريخ المعاصر لإيران.

تجري هذه المراسم بينما تعيش العاصمة طهران هذه الأيام تحت إجراءات أمنية مشددة، وقد أُسندت مهمة إدارة الأزمة ميدانيًا والحفاظ على الاستقرار إلى “فرقة محمد رسول الله” التابعة للحرس الثوري. ورغم الحضور الواسع لشرائح مختلفة من الناس والمسؤولين في المراحل الأولى من المراسم، إلا أن تفاصيل التنظيم، وتوزيع المقاعد، واللقطات المصورة، تكشف أن الحدث، رغم إمكاناته العالية لإظهار رأس المال الاجتماعي للنظام وصورة من التوافق، واجه غيابات وفراغات ذات دلالة، تعود في بعض الحالات إلى استمرار نزعات الإقصاء وتركيز القرار الأمني والسياسي في دوائر ضيقة.

أبرز الغائبين في التشييع

لا شك أن محور اهتمام المراقبين داخليًا وخارجيًا في هذه المراسم كان رصد حضور آية الله مجتبى خامنئي بوصفه القائد الجديد لإيران. وقد كانت التوقعات، بعد أسابيع من انقطاع الأخبار وعدم نشر أي صورة أو تسجيل صوتي له، أن تنهي هذه المناسبة الوطنية غيابه العلني. إلا أن المخاوف والاعتبارات الأمنية الشديدة التي تفرضها الجهات الرقابية والقادة العسكريون حالت دون ظهوره العلني حتى الآن.

كما غاب عدد من أفراد عائلة المرشد من الدرجة الأولى، ومنهم مصطفى وميثم ومسعود وهدى خامنئي، إضافة إلى والد زهراء محمدي كلبايكاني، محمد جواد محمدي كلبايكاني، ويبدو أن غيابهم مرتبط أيضًا بالاعتبارات الأمنية ذاتها.

ورغم أن هذا الغياب مبرر من منظور الجهات الأمنية بسبب التهديدات الخارجية المتزايدة، فإنه على مستوى الرأي العام ووسائل الإعلام الدولية ساهم في تعميق حالة الغموض.

حتى في الجانب الديني من المراسم، تقرر أن تُسند صلاة الجنازة إلى أحد كبار المراجع الدينيين، مع إبقاء اسم من سيؤم الصلاة سرًا حتى اللحظات الأخيرة لضمان أعلى درجات الأمان. وفي آخر المستجدات، أُعلن أن الصلاة ستقام في طهران بواسطة آية الله سبحاني، وفي قم بواسطة آية الله مكارم شيرازي، وفي مشهد بواسطة آية الله نوري همداني. وكان قد طُرح سابقًا اسم آية الله جوادي آملي ضمن التكهنات.

في هذا السياق، فإن الظهور المفاجئ للواء أحمد وحيدي في المصلى بعد فترة غياب طويلة خلال الأزمة الأخيرة، يشير إلى أن النواة الأمنية الصلبة في الحرس الثوري تتولى بشكل مباشر قيادة عملية الانتقال وإعادة ترتيب ما بعد انتقال السلطة، مع تفضيل إدارة المشهد بأدنى مستوى من المخاطر.

صورة غير مكتملة للتوافق الوطني

في وقت كانت إيران، بعد حرب استنزاف، بحاجة إلى إعادة بناء صورة الوحدة الوطنية في مواجهة الخارج، كان يُتوقع أن يكون نموذج تنظيم المراسم شاملاً ويعكس تقارب مختلف التيارات السياسية. غير أن القائمين على التنفيذ لم يتمكنوا أو لم يرغبوا في تقديم صورة موحدة لرؤساء الجمهورية السابقين.

وبحسب المعلومات المتداولة، فإن الخطة الأولية للخبراء الإعلاميين كانت تقوم على تشكيل لقطة تاريخية مشتركة تجمع محمد خاتمي، حسن روحاني، ومحمود أحمدي نجاد إلى جانب المسؤولين الحاليين، بهدف إيصال رسالة قوة وتماسك إيران إلى مراكز القرار في واشنطن وتل أبيب. إلا أن تدخل التيارات المتشددة وقرارات الأجهزة الأمنية الأكثر تحفظًا حال دون تحقق هذا التصور. ونتيجة لذلك، ضاعت فرصة مهمة لإعادة إنتاج رأس المال الاجتماعي، ولم يحضر الرؤساء السابقون، وعلى وجه الخصوص محمود أحمدي نجاد، الذي أثار غيابه وصمته المطلق في هذه المرحلة الحساسة العديد من التكهنات.

وامتد هذا الاضطراب التنظيمي ليشمل الحكومة الحالية أيضًا، حيث لم يتمكن أعضاء مجلس الوزراء، بسبب الارتباك اللوجستي وتواجدهم في المطار لاستقبال المبعوثين الأجانب، من الظهور بشكل منسق في المصلى، ما أدى إلى غياب صورة جماعية منظمة للحكومة.

كما شابت المراسم غيابات شخصيات بارزة مثل أحمد جنتي، أمين مجلس صيانة الدستور، ومحمد علي موحدي كرماني، رئيس مجلس خبراء القيادة، وهي غيابات أثارت الكثير من التساؤلات، رغم توقع حضورهم في مراسم قم لاحقًا.

وجود غياب بارز لأبناء المذهب السني والنساء

تُعدّ إحدى أبرز نقاط الضعف في تقييم جودة مراسم التشييع تتمثل في تهميش التنوع المذهبي والجندري في البلاد على المستوى الرمزي. فعلى الصعيد الديني، كان غياب كبار علماء أهل السنة لافتًا بشكل واضح. كما أن عدم حضور شخصيات سنية بارزة مثل مولانا عبد الحميد، إمام جمعة أهل السنة في زاهدان، أظهر أن منظمي المراسم لم يستفيدوا مرة أخرى من الإمكانات الدينية لتعزيز الوحدة الوطنية في ظرف الأزمة.

ومن جهة أخرى، ومع استمرار المقاربات التقليدية والبُنى الاحتكارية في التعامل مع قضايا النوع الاجتماعي، جرى تنظيم المراسم بشكل يغلب عليه الطابع الذكوري بشكل واضح. فعلى الرغم من حضور جميع أبناء الذكور المنتسبين إلى بيت الإمام الخميني لأداء مراسم الاحترام في المصلى، لم يُخصص أي موقع رسمي أو دور محدد للنساء أو بنات هذا البيت أو غيرهن من الشخصيات النسائية البارزة في البلاد ضمن الطقوس العامة، رغم أن اثنتين من الجثامين تعودان لنساء وواحدة لطفلة صغيرة.

إضافة إلى ذلك، أثارت بعض الغيابات داخل الدائرة المقربة من بيت المرشد الراحل تساؤلات عديدة. إذ إن عدم الظهور العلني لأبناء القائد الشهيد، وكذلك غياب شخصيات مثل محمد جواد محمدي كلبايكاني (زوج بشرى خامنئي وابن رئيس مكتب المرشد السابق)، الذي فقد أيضًا طفله البالغ من العمر 14 شهرًا في الحادثة، يشير إلى أن البروتوكولات الأمنية أو الاعتبارات الداخلية حالت حتى دون مشاركة أقرب المتضررين من هذه الفاجعة في قلب المراسم.

دبلوماسية باهتة ورسائل باردة من الشركاء الاستراتيجيين

على صعيد السياسة الخارجية، ورغم الجهود المكثفة التي بذّلها المتحدث باسم وزارة الخارجية لإبراز الحدث دوليًا، فإن مستوى مشاركة الدول الرئيسية عكس واقع الدبلوماسية الحالية. فمن بين 15 دولة مجاورة لإيران، لم يحضر على مستوى رؤساء الدول أو كبار المسؤولين التنفيذيين سوى باكستان وأرمينيا والعراق. وقد شارك كل من مصطفى نقفي من باكستان (الذي كان ناشطًا في الأسابيع الأخيرة كوسيط بين طهران وواشنطن) ومحمد شياع السوداني رئيس الوزراء العراقي ضمن الحضور.

أما الشركاء الاستراتيجيون الكبار للجمهورية الإسلامية، أي روسيا والصين، فقد اتبعوا مقاربة بروتوكولية باردة. إذ فضّل فلاديمير بوتين عدم السفر إلى طهران، وأرسل دميتري ميدفيديف بدلًا عنه. كما لم ترسل بكين ونيودلهي وزراء خارجيتها، واكتفت الصين بإيفاد هه وي، نائب في المجلس الوطني لنواب الشعب، وهو ما يعكس أولوية هذه القوى الكبرى لمصالحها الاقتصادية وعلاقاتها مع الغرب على حساب شراكاتها الاستراتيجية مع طهران في اللحظات المفصلية.

أما دول الخليج (الإمارات والبحرين والكويت)، وكما كان متوقعًا، فلم ترسل أي ممثل بسبب استمرار التوترات الإقليمية. كما غاب ممثلو الفاتيكان، ما أضاف بعدًا سلبيًا آخر لصورة المراسم على المستوى الديني الدولي. وفي المقابل، شكّل حضور وفد طالبان رفيع المستوى برئاسة أمير خان متقي وملا برادر، إلى جانب إصدار أكثر من ألفي تأشيرة مجانية للمواطنين الأفغان، مفارقة لافتة طرحت تساؤلات حول محدودية العلاقات الخارجية الإيرانية مع حكومات غير معترف بها رسميًا.

الرسائل الإقليمية لمراسم الوداع

في البعد الرمزي الإقليمي، كان غياب الشيخ نعيم قاسم، الأمين العام لحزب الله، مفهومًا في ظل الاعتبارات الأمنية الحادة في بيروت، لكنه ظل غيابًا مؤثرًا رمزيًا. وقد تحمّلت عائلات الشهداء البارزين، مثل السيد حسن نصر الله وعماد مغنية، إضافة إلى وفد من الحشد الشعبي العراقي برئاسة هادي العامري، الجزء الأكبر من الحضور.

وتُعدّ خطط نقل الجثامين إلى النجف وكربلاء والاعتماد على تسجيلات المواطنين العراقيين محاولة لتعويض الفراغ الذي تركته الدبلوماسية الرسمية في طهران عبر أدوات الدبلوماسية الشعبية والأيديولوجية على المستوى الإقليمي.

خلاصة الأمر أن مراسم الوداع في مصلى طهران، بكل ما حملته من تناقضات وإجراءات أمنية، تعكس صورة شبه كاملة عن واقع البنية السياسية الراهنة في البلاد. إذ إن ربط شرعية النظام بمناسبات قصيرة الأمد، دون معالجة الانقسامات الداخلية العميقة وإعادة صياغة العلاقات الخارجية، لا يمكن أن يشكل استراتيجية مستدامة لتجاوز الأزمات.

وفي الوقت الذي تواصل فيه المنابر الرسمية إطلاق الخطابات المتشددة تجاه الغرب، فإن الواقع الاجتماعي والخيارات المطروحة في السياسة الخارجية، بما في ذلك الحاجة إلى إحياء المفاوضات بين طهران وواشنطن بعد مراسم التشييع، تشير إلى أن البلاد بحاجة ملحة إلى العودة إلى نهج العقلانية، والابتعاد عن التطرف، وإعادة الاعتبار لفكرة “التوافق الوطني”. كما أن القيادة الجديدة للثورة تحتاج في بداية هذا المسار الصعب، إلى ترميم هذه الصور غير المكتملة وإعادة بناء الجسور مع النخب الداخلية المُقصاة، من أجل قيادة البلاد نحو الاستقرار.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى