جدل في إيران حول تصريحات نائب الرئيس بشأن صلاحيات المرشد الأعلى وآلية اتخاذ القرار

يبدو أن الجدل الدائر لا يرتبط بالخلاف حول الصلاحيات القانونية، بقدر ما يعكس اختلافًا في فهم طبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة وموقع المرشد الأعلى، وطريقة التعبير عن هذه العلاقة.

ميدل ايست نيوز: أثارت تصريحات محمد جعفر قائم بناه، النائب التنفيذي للرئيس الإيراني، بشأن العلاقة بين رأي المرشد الأعلى وآلية اتخاذ القرار داخل مؤسسات الدولة، موجة واسعة من ردود الفعل السياسية، تراوحت بين انتقادات حادة من صحيفة «كيهان» المتشددة وعدد من النواب، وتوضيحات رسمية من الحكومة. لكن كيف يحدد الدستور الإيراني هذه العلاقة؟

وأصبحت تصريحات قائم بناه، التي أدلى بها خلال اجتماع مع مديري مؤسسة رئاسة الجمهورية، واحدة من أكثر القضايا السياسية إثارة للجدل خلال الأيام الأخيرة. وقال في جزء من حديثه، في معرض تعليقه على الرسالة الأخيرة للمرشد الأعلى بشأن التفاهم الذي تم التوصل إليه: «قال المرشد الأعلى إن لديّ رأيًا آخر، لكنني قبلت برأي المجلس الأعلى للأمن القومي. ولو كان من المفترض تنفيذ كل ما يراه المرشد مباشرة، لما كان هناك معنى لوجود البرلمان أو المجلس الأعلى للأمن القومي. فالمرشد يطرح رأيه، ثم يُدرس هذا الرأي من الناحية الفنية داخل المؤسسات القانونية، قبل أن يُتخذ القرار بشأنه».

وأثارت هذه التصريحات تفسيرات متباينة؛ إذ اعتبرها منتقدون مخالفة لمكانة ولاية الفقيه، فيما أكدت الحكومة أن كلام نائب الرئيس الإيراني أُخرج من سياقه، وأن مقصوده كان شرح آلية صنع القرار في الجمهورية الإسلامية.

ردود فعل حادة.. من «كيهان» إلى نواب البرلمان

وجاءت أشد الانتقادات من صحيفة «كيهان»، التي اعتبرت في افتتاحية لها أن تصريحات النائب التنفيذي للرئيس الإيراني تمثل «خطأً كبيرًا في فهم ولاية الفقيه»، مؤكدة أن البرلمان والحكومة والسلطة القضائية تعمل جميعها لتنفيذ السياسات العامة للنظام، وليس لمعارضة رأي المرشد الأعلى.

كما انتقدت الصحيفة عبارة قائم بناه التي قال فيها إن «رأي المرشد يخضع للدراسة الفنية»، ووصفتها بأنها «خاطئة»، معتبرة أنه لا يحق لأي جهة تعطيل رأي المرشد أو تقييده أثناء التنفيذ، وأن الالتزام به واجب على مؤسسات الدولة.

بدوره، اتهم البرلماني الإيراني منان رئيسي، في منشور على منصة «إكس»، النائب التنفيذي للرئيس بعدم فهم مفهوم ولاية الفقيه، مستشهدًا بالآية 65 من سورة النساء، وكتب أن الرسالة الأخيرة للمرشد الأعلى «كشفت بعض التفسيرات الخاطئة».

كما وجّه الرادود الديني المعروف رضا نريماني انتقادات لاذعة إلى قائم بناه، معتبرًا أنه لا يزال يجهل معنى ولاية الفقيه، وأن الأولى به أن يصحح فهمه لهذا المفهوم بدل الحديث عن «دراسة رأي الولي الفقيه».

الحكومة الإيرانية: تصريحات قائم بناه تعرضت للتحريف

ومع تصاعد الانتقادات، أصدرت دائرة العلاقات العامة للنائب التنفيذي للرئيس بيانًا وصفت فيه التفسيرات المتداولة لتصريحات قائم بناه بأنها «محرفة».

وأوضح البيان أن النائب التنفيذي للرئيس لم يقل مطلقًا إن «قرارات المؤسسات» تقف في مواجهة رأي المرشد، بل كان يشرح فقط آلية صناعة القرار في الجمهورية الإسلامية.

وأكد البيان أن البرلمان والحكومة والمجلس الأعلى للأمن القومي والقوات المسلحة ليست مؤسسات موازية لولاية الفقيه، وإنما تعمل ضمن إطارها، وأن خلاصات هذه المؤسسات تمثل الأساس الفني الذي تستند إليه القرارات الكبرى.

وأشار البيان أيضًا إلى الرسالة الأخيرة للمرشد الأعلى بشأن التفاهم الذي تم التوصل إليه، مؤكدًا أنه رغم امتلاك المرشد رأيًا مختلفًا، فقد اعتمد خلاصة المؤسسة المختصة كأساس للقرار وأصدر الموافقة اللازمة، وهو ما ترى الحكومة أنه يعكس دور المؤسسات القانونية في عملية صنع القرار ضمن صلاحيات المرشد، وليس في مواجهتها.

ماذا يقول الدستور الإيراني؟

تأتي هذه السجالات السياسية في وقت يرسم فيه دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية إطارًا واضحًا نسبيًا لمكانة المرشد الأعلى وعلاقة المؤسسات صاحبة القرار به.

فوفقًا للمادة 57 من الدستور، تعمل السلطات الثلاث تحت إشراف الولاية المطلقة للأمر وإمامة الأمة، مع احتفاظ كل سلطة باختصاصاتها وصلاحياتها المحددة.

كما تحدد المادة 110 أبرز صلاحيات المرشد الأعلى، ومنها رسم السياسات العامة للنظام، والإشراف على حسن تنفيذها، وإصدار أوامر الاستفتاء، والقيادة العامة للقوات المسلحة، وحل الخلافات بين السلطات. وفي المقابل، يحمّل الدستور الحكومة والبرلمان وسائر المؤسسات القانونية مسؤولية إدارة العديد من الشؤون التنفيذية والتشريعية.

أما فيما يتعلق بالمجلس الأعلى للأمن القومي، فتنص المادة 176 على أن المجلس يتولى وضع السياسات الدفاعية والأمنية للبلاد في إطار السياسات العامة التي يحددها المرشد، ولا تصبح قراراته نافذة إلا بعد مصادقة المرشد الأعلى.

وبناءً على ذلك، فإن الدستور الإيراني لا يجعل المؤسسات القانونية بديلًا عن صلاحيات المرشد، كما لا يحصر عملية اتخاذ القرار بمجرد إعلان رأيه، بل يمنح المؤسسات المختصة دورًا في الدراسة وصنع القرار، مع إسناد المصادقة النهائية في بعض الملفات الاستراتيجية إلى المرشد الأعلى.

الخلاف حول التفسير لا حول نص الدستور

ويبدو أن جوهر الخلاف الحالي لا يتعلق بنصوص الدستور بقدر ما يتعلق بتفسير العلاقة بين ولاية الفقيه وآليات عمل المؤسسات الرسمية.

ويرى منتقدو قائم بناه أن تصريحاته توحي بإمكانية إخضاع رأي المرشد للتقييم ضمن المسار الفني، وهو ما يعدونه مخالفًا لأسس ولاية الفقيه. في المقابل، تؤكد الحكومة أن نائب الرئيس الإيراني كان يشرح فقط آلية صناعة القرار في الجمهورية الإسلامية، ولم يشكك مطلقًا في أن الكلمة الفصل تعود إلى المرشد الأعلى.

وبذلك، يبدو أن الجدل الدائر لا يرتبط بالخلاف حول الصلاحيات القانونية، بقدر ما يعكس اختلافًا في فهم طبيعة العلاقة بين مؤسسات الدولة وموقع المرشد الأعلى، وطريقة التعبير عن هذه العلاقة، وهو ما أعاد التأكيد على أن أي حديث عن آليات اتخاذ القرار في أعلى مستويات النظام يتحول سريعًا إلى واحدة من أكثر القضايا السياسية حساسية في إيران.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 − ستة =

زر الذهاب إلى الأعلى