الصحافة الإيرانية: هل تتبدد موجة التفاؤل؟ المنطقة أمام لحظة فاصلة

إن الأجواء المتفائلة التي سادت المنطقة بعد توقيع مذكرة التفاهم المكونة من 14 بنداً بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية تتلاشى بسرعة.

ميدل ايست نيوز: أظهرت التحركات العسكرية والسياسية الأمريكية في الخليج، والهجوم على مواقع في جزيرة سيريك بذرائع واهية، إلى جانب الاعتداءات المتواصلة التي ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي في لبنان، أن العدو لم يُبدِ حسن نية في أي مرحلة، وأنه استغل التفاهم الذي استمر 60 يوماً فقط لالتقاط الأنفاس وإعادة بناء قدراته العسكرية.

يقول محمد علي مهتدي، الخبير في شؤون الشرق الأوسط والعالم العربي، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني، إن ذلك لا يعني أن إيران أصبحت مطمئنة بعد توقيع مذكرة التفاهم وإجراء المفاوضات في سويسرا. فقد تعرضت لهجومين من جانب العدو خلال فترة المفاوضات، كما أكد المسؤولون والمتحدثون الرسميون وأعضاء الفريق المفاوض مراراً أنهم لا يثقون بالعدو، وأن الهدف من المفاوضات يتمثل في تحويل الإنجازات الميدانية إلى مكاسب سياسية واقتصادية، وانتزاع حقوق الشعب، وإقامة الحجة أمام المراقبين والرأي العام. وفي جميع الأحوال، تبقى القوات المسلحة الإيرانية في أعلى درجات الجاهزية للتصدي لأي إخلال من جانب العدو بالتزاماته.

في لبنان، إضافة إلى استمرار العمليات العدوانية التي ينفذها جيش الاحتلال الإسرائيلي، بما في ذلك نسف المنازل، وقتل المدنيين على الطرق وفي الشوارع، وقصف المدن والقرى، وعدم الالتزام المتكرر باتفاقات وقف إطلاق النار، أدى إعلان الحكومة اللبنانية التوصل إلى اتفاق مع إسرائيل خلال مفاوضات واشنطن بشأن إطار عمل مشترك إلى تفاقم الأزمة بصورة كبيرة. ورغم أن الحكومة اللبنانية أعلنت أن هدفها من هذه المفاوضات هو دفع جيش الاحتلال إلى الانسحاب من الأراضي اللبنانية، فإن نص الاتفاق كرر في عدة مواضع أن الانسحاب مشروط بحصر السلاح بيد الدولة، أي نزع سلاح المقاومة. ويُعد هذا الشرط، في الواقع، وسيلة لإدامة الاحتلال في لبنان، إذ إن نزع سلاح المقاومة أمر غير ممكن، وبالتالي لن يقدم الاحتلال على أي انسحاب.

كما تكرر في نص هذا الإطار وصف الطرفين بأنهما “دولتان ذواتا سيادة”، وهو ما يعني أن الحكومة اللبنانية اعترفت بإسرائيل متجاوزة الدستور والميثاق الوطني، ومنحتها امتيازات واسعة من دون أن تحصل في المقابل على أي مكسب. وعلى العكس، فإن هذا الإطار قد يتحول إلى مشروع يقود إلى تقويض الوحدة الوطنية، وإشعال حرب أهلية، وانهيار الجيش اللبناني بوصفه رمزاً للوحدة الوطنية.

وأعلن حزب الله أنه لا يعترف بهذا الاتفاق، وسيواصل مقاومة قوات الاحتلال. كما اتخذت العديد من الشخصيات الأكاديمية والسياسية والثقافية مواقف رافضة لهذا الإطار، ووصفوه بأنه اتفاق مذل. وأظهرت الحشود الشعبية الكبيرة التي شاركت في مراسم عاشوراء في الضاحية الجنوبية لبيروت أن المقاومة لا تزال تحتفظ بقاعدتها الشعبية الواسعة رغم الضغوط المختلفة. وفي ساعات الليل، خرج آلاف من أنصار المقاومة إلى الشوارع احتجاجاً، ووصلوا إلى محيط السراي الحكومي ومطار بيروت، فيما شهدت بعض المناطق مواجهات عنيفة بينهم وبين الجيش اللبناني.

في إيران، وإلى جانب التحركات العسكرية الأمريكية الواسعة في الخليج، التي شملت تعزيزات لوجستية، وحشد طائرات التزود بالوقود، والهجوم على جزيرة سيريك، وهي خطوات قد تشير إلى الاستعداد لحرب محتملة في المستقبل، رُصدت أيضاً تحركات مشبوهة من قبل شبكات وتيارات الاختراق استهدفت الوحدة الوطنية ومشاعر المواطنين المشاركين في التجمعات الليلية بالساحات.

وتركزت معظم الهجمات على الفريق المفاوض، وعلى رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الشورى الإسلامي، ووزارة الخارجية، رغم التأكيد المتكرر على أن القرارات تُتخذ داخل المجلس الأعلى للأمن القومي بحضور ممثلين عن مختلف السلطات والمؤسسات العسكرية والأمنية، ولا تدخل حيز التنفيذ إلا بعد موافقة قائد الثورة.

على سبيل المثال، لجأ البعض إلى أساليب خبيثة، من خلال تصوير تصريحات دونالد ترامب وكأنها تفاهمات وافقت عليها الحكومة الإيرانية. فعندما قال ترامب إن الأموال الإيرانية المجمدة ستُخصص للمزارعين الأمريكيين لبيع القمح إلى إيران، كتب أحد الأشخاص المعروفين: “لم يأكل عمر بن سعد من قمح الري، وأنتم أيضاً لن تأكلوا من قمح واشنطن”. وحُمِل هذا الشعار إلى التجمعات الليلية، والتُقطت له صور جرى تداولها على نطاق واسع لإيهام الرأي العام بأنه يعبر عن موقف الناس.

وجاء ذلك رغم أن رئيس مجلس الشورى الإسلامي نفى هذه المزاعم، مؤكداً أنه لا يوجد أي قرار من هذا القبيل. وفي مثال آخر، ادعى مسؤول أمريكي وجود خط اتصال مباشر بين الولايات المتحدة والحرس الثوري الإيراني، لكن الحرس الثوري نفى هذا الادعاء بشدة، في حين استغل بعض الأشخاص هذه المزاعم لإثارة اتهامات بالخيانة والتفريط بدماء الشهداء.

وفي جميع الأحوال، قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي يواجه أزمات ومشكلات داخلية متفاقمة ويعتبر استمرار إشعال الحروب ضمانة لبقائه في السلطة: “نحن في ذروة حرب إقليمية، وما زالت لدينا مهام يجب إنجازها في إيران”.

يمكن القول أن العدو، رغم الضربات القاسية التي تلقاها، لا يزال يرفض الإقرار بهزيمته وبانتصار إيران، فيما يعتقد عدد من المحللين الإقليميين أن اندلاع حرب فاصلة وحده قد يدفعه إلى الاعتراف بالهزيمة والإقرار بانتصار إيران.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

5 × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى