أزمة المياه في آسيا الوسطى تقترب من الانفجار.. هل تتحول إلى صراع إقليمي واسع؟

أوضح معهد جيمستاون الأمريكي أن تغير المناخ، والنمو السكاني السريع، والسياسات غير الملائمة في مجال الري، أدت إلى عدم إمكانية اعتبار أي دولة في آسيا الوسطى اليوم ذات فائض مائي.

ميدل ايست نيوز: تتفاقم أزمة نقص المياه في خمس دول بآسيا الوسطى، إذ وصلت الأزمة حالياً إلى مرحلة لم تعد فيها حتى الدولتان الواقعتان في أعالي الأنهار، وهما قرغيزستان وطاجيكستان، اللتان كان يُنظر إليهما سابقاً على أنهما دولتان تتمتعان بـ«فائض مائي»، قادرتين على توفير كميات إضافية من المياه للدول الثلاث الواقعة في أسفل مجاري الأنهار، وهي كازاخستان وتركمانستان وأوزبكستان التي تعاني من شح المياه.

وكتب معهد «جيمستاون» الأمريكي في تقرير له أن المشكلة والحل الذي كان مطروحاً لها، وهو الحل الذي شكل أساس سياسات إدارة المياه خلال فترة الاتحاد السوفيتي عندما كانت موسكو تتحكم بتوزيع المياه، وما زال يؤثر على طريقة تفكير العديد من صناع القرار داخل المنطقة وخارجها، لم يعد صالحاً للتطبيق.

وأوضح التقرير أن تغير المناخ، والنمو السكاني السريع، والسياسات غير الملائمة في مجال الري، أدت إلى عدم إمكانية اعتبار أي دولة في آسيا الوسطى اليوم «ذات فائض مائي». وأضاف أن المجتمع الدولي بدأ يدرك هذه الحقيقة الجديدة ببطء.

ولا تقتصر تداعيات أزمة المياه على إضعاف النمو الاقتصادي والاستقرار في كل دولة من دول آسيا الوسطى، بل تؤدي أيضاً إلى زيادة التوترات بينها. فقد اضطرت هذه الدول، سواء بشكل منفرد أو عبر أطر التعاون الإقليمي، إلى البحث عن حلول خارج المنطقة لمواجهة الأزمة، وبدأت تحذر بشكل متزايد من أن عدم الحصول على مساعدات سريعة قد يؤدي إلى اضطرابات في آسيا الوسطى وموجات واسعة من اللاجئين باتجاه الدول المجاورة.

وأشار التقرير إلى أنه في حال عدم اعتماد مقاربات أكثر شمولاً، فإن الحاجة المتزايدة للمياه في دول آسيا الوسطى، وعجزها عن معالجة الأزمة بشكل مستقل، قد تتحول إلى أحد أهم العوامل المتصاعدة لعدم الاستقرار والصراعات، سواء داخل هذه الدول أو فيما بينها.

وأضاف أن التوترات لن تقتصر على دول المنطقة فقط، بل قد تمتد أيضاً إلى العلاقات بينها وبين كل من أفغانستان والصين وروسيا. إذ تواجه كل دولة من هذه الدول الثلاث تحديات مائية داخلية، وفي الوقت نفسه تسعى إلى استغلال أزمة المياه في آسيا الوسطى بما يخدم مصالحها الوطنية.

وقد أدت موجات الجفاف خلال السنوات الأخيرة إلى وصول أزمة المياه في آسيا الوسطى إلى مستويات غير مسبوقة. وحتى الدول التي كانت تُصنف لسنوات على أنها «غنية بالمياه» لم تعد تمتلك الموارد الكافية لمنع جفاف بحيراتها الكبرى، كما حدث مع بحر آرال، أو لتوفير المحاصيل الزراعية الأساسية للمدن المتنامية، أو لمنع سكان هذه المدن من الاضطرار إلى الهجرة خارج البلاد بحثاً عن المياه.

ووصف التقرير هذا الوضع بأنه «عاصفة كاملة» نتجت عن تزامن ثلاثة عوامل، يمثل كل واحد منها تحدياً خطيراً بمفرده، لكنها مجتمعة تشكل تهديداً كبيراً للمنطقة.

العامل الأول هو الاحتباس الحراري، الذي أدى إلى انخفاض تدفق المياه من المناطق الجبلية، مع ذوبان الأنهار الجليدية بوتيرة غير مسبوقة.

أما العامل الثاني فهو النمو السكاني السريع الذي تجاوز قدرة حكومات المنطقة على تلبية الاحتياجات المتزايدة.

ويتمثل العامل الثالث في أن أنظمة توزيع المياه، سواء في المدن أو خصوصاً في القطاع الزراعي، لا تزال غير فعالة وتعاني من هدر واسع للمياه.

وباتت دول آسيا الوسطى مضطرة بشكل متزايد إلى التوجه نحو جيرانها للحصول على المياه. وعلى رأس هذه الدول، تسعى هذه البلدان إلى الحصول على المياه من روسيا، مع إعادة طرح مشاريع قديمة لنقل مياه الأنهار السيبيرية إلى آسيا الوسطى.

كما اضطرت هذه الدول إلى النظر نحو الصين، في ظل طرح إمكانية تحويل جزء من تدفقات بعض الأنهار الصينية باتجاه آسيا الوسطى.

إضافة إلى ذلك، توجهت الأنظار نحو أفغانستان، حيث أثار تنفيذ مشروع كبير لإمدادات المياه في كابل مخاوف دول آسيا الوسطى، لأن هذا المشروع قد يؤدي إلى تقليص تدفق المياه الداخلة إلى شبكات الأنهار في المنطقة بشكل أكبر.

لكن التقدم في هذا المجال ظل محدوداً حتى الآن بسبب عاملين رئيسيين.

أولاً، فإن الدول الثلاث المذكورة نفسها تواجه أزمة مياه متفاقمة، ولا ترغب في تحمل تكاليف ضخمة لمساعدة الآخرين في الوقت الذي تعاني فيه من نقص داخلي.

ثانياً، فإن دول آسيا الوسطى، بدلاً من تبني نهج مشترك، اتبعت كل منها خططاً وطنية مختلفة. وقد أتاح هذا الوضع فرصة لموسكو وبكين وكابل للاستفادة من الخلافات القائمة، عبر تقديم المياه للدول التي تتعاون معها في مجالات أخرى، ورفض مساعدة الدول التي لا تتوافق معها.

وأدى هذا الجمود بدوره إلى تصاعد التحذيرات من العواقب الكارثية المحتملة لامتناع الدول المجاورة عن مساعدة آسيا الوسطى. ولم تعد التحذيرات تقتصر على احتمال الانهيار الاقتصادي والاجتماعي وانتشار التطرف، بل بدأ بعض المحللين داخل المنطقة وخارجها يحذرون من أن نفاد الموارد المائية قد يدفع ملايين السكان في آسيا الوسطى إلى الهجرة نحو دول أخرى، بما فيها روسيا.

فعلى سبيل المثال، قدر الباحث الأوزبكي روشن نظروف أنه إذا لم تحصل آسيا الوسطى قريباً على مزيد من المياه من جيرانها، فقد يضطر ما يصل إلى 100 مليون شخص في المنطقة إلى مغادرة أراضيهم، ما قد يؤدي إلى أكبر أزمة لاجئين في العالم داخل الأراضي الروسية.

وما يزيد قلق العديد من المراقبين الروس هو أن مؤسسات دولية، من بينها البنك الدولي، تؤكد أيضاً هذه التوقعات التحذيرية، وتحذر من ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة من الآن لمنع وقوع مثل هذه الأزمة.

وفي مواجهة هذه التحذيرات، ظهرت ثلاثة توجهات رئيسية.

الأول، أن بعض الأطراف في روسيا ترى أن موسكو لا تملك خياراً سوى تقديم مساعدات مائية لدول آسيا الوسطى، لأن البديل سيكون موجة جديدة من هجرة المسلمين نحو روسيا.

أما التوجه الثاني، فيرى أن على الكرملين تعزيز وجوده وقدراته العسكرية على حدود آسيا الوسطى لمنع دخول أعداد كبيرة من المهاجرين المحتملين.

بينما يعتقد أصحاب التوجه الثالث أن أزمة المياه ليست مشكلة تخص آسيا الوسطى وحدها، وأن على روسيا مطالبة المجتمع الدولي بالمشاركة في حلها، بدلاً من تحمل العبء الأكبر بمفردها.

وفي المقابل، تمتلك الصين مساحة أكبر للتحرك، لأن مصالحها المائية أقل تعرضاً للخطر، ولذلك تبدو أكثر استعداداً للتعاون.

كما أعلنت أفغانستان استعدادها للحوار، لكنها لم تقلص، خلافاً لما كانت تأمله دول آسيا الوسطى، مشاريع تطوير مواردها المائية. وقد أثار ذلك استياء متزايداً لدى دول آسيا الوسطى، وكذلك لدى روسيا والصين.

وفي الوقت الحالي، لا توجد مؤشرات واضحة على إمكانية حل أزمة المياه في آسيا الوسطى خلال المستقبل القريب. لذلك، من المرجح أن تتجه الأزمة نحو مرحلة أكثر خطورة قريباً، وربما منذ خريف هذا العام بالتزامن مع فشل مواسم الحصاد الزراعي.

وفي حال حدوث ذلك، فإن تداعيات الأزمة لن تقتصر على دول آسيا الوسطى الخمس وجيرانها الثلاثة فقط، بل ستؤثر على المجتمع الدولي بأكمله.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

20 + 20 =

زر الذهاب إلى الأعلى