العراق والكويت في اختبار جديد: ملفات الحدود والطاقة على طاولة «المكاشفة»

تتجه العلاقات العراقية الكويتية نحو اختبار جديد مع زيارة وفد بغداد الرفيع إلى الكويت لحسم ملفات شائكة، كترسيم الحدود، واسترداد الأموال، والطاقة.

ميدل ايست نيوز: تتجه العلاقات العراقية الكويتية نحو اختبار جديد مع زيارة وفد بغداد الرفيع إلى الكويت لحسم ملفات شائكة، كترسيم الحدود، واسترداد الأموال، والطاقة.

وفيما يُطرح الملف الأمني لطمأنة الجانب الكويتي، تُطلق تحذيرات مشددة من خطورة إبرام اتفاقيات جديدة قد تقتطع أجزاء من المجالات البحرية العراقية وحقولها النفطية، أو تتراجع عن قرارات المحكمة الاتحادية والخرائط المودعة أممياً.

تسوية الملفات العالقة

ويقول خبير الحدود والمياه الدولية جمال إبراهيم الحلبوسي، إن ”الوفد العراقي الذي زار الكويت مؤخراً جاء ضمن مخرجات اجتماعات مجلس التعاون الخليجي، وأن الجانب الكويتي طالب بمعالجة جميع الملفات العالقة بين البلدين”، منبهاً إلى أن ”العراق يمتلك ملفات عديدة، من بينها الأراضي، وحقول النفط المستولى عليها، والتجاوزات البرية والبحرية، فضلاً عن انتهاك القرار (833) والمادة (97)، التي تمنع التعرض للصيادين أو عرقلة الملاحة في الممرات البحرية بخور عبد الله، باستثناء الحالات المتعلقة بالبيئة أو التهريب أو المخدرات”.

ويتساءل عن “أسباب استمرار اعتقال الصيادين العراقيين، داخل البحر الإقليمي العراقي المقرر منذ عامي 1958 و1959، مع أن قانون البحار لعام 1982 منح الدول حق تمديد مناطقها البحرية، وهو ما استفادت منه الكويت وإيران على حساب العراق”.

ويعتقد الحلبوسي بوجود مؤامرة تستهدف العراق، محذراً من أي ”اتفاق مع الكويت قد يقود إلى تغيير خرائط المجالات البحرية، وهو ما تسعى إليه الكويت لتقليص المساحات البحرية العراقية، عبر اقتطاع أجزاء من البحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة والمنطقة الاقتصادية الخالصة، الأمر الذي سينعكس على الجرف القاري ويحرم العراق من حقول النفط الموجودة وهي من حقوقه”.

ويؤكد، أن ”الخرائط الحالية لا تستطيع أي جهة عراقية أو كويتية أو دولية تغييرها، إلا إذا شكل العراق لجنة جديدة تستند إلى أسباب قانونية أو فنية”.

وأعلن نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية فؤاد حسين، أمس الأربعاء، مغادرته إلى الكويت في أول زيارة رسمية إلى دولة خليجية بعد تشكيل الحكومة الجديدة، مؤكداً عبر تدوينة أن الزيارة تستهدف تطوير العلاقات بما يخدم مصالح الشعبين.

وضم الوفد العراقي مستشار الأمن القومي ومحافظ البصرة وكادراً متقدماً من وزارة الخارجية، في إشارة إلى تعدد الملفات المطروحة خلال الزيارة.

وذكر مصدر حكومي، في وقت سابق من اليوم الخميس، أبرز الملفات التي حملها نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية فؤاد حسين خلال زيارته إلى دولة الكويت، هي بحث آلية تجميد الأموال العراقية المودعة في البنوك الكويتية، والتي تعود إلى متهمين بقضايا فساد، ضمن إجراءات مكافحة الفساد، إذ ناقش الجانبان آليات تجميدها وتأمين إعادتها إلى السلطات العراقية وإيداعها ضمن صندوق استرداد الأموال المسروقة.

كما شملت المباحثات تعزيز الشراكات الاقتصادية والاستثمارية بين البلدين، ولا سيما مشروع تجهيز العراق بالغاز الكويتي لتوليد الكهرباء، في إطار اتفاقات تستهدف دعم قطاع الطاقة والمساهمة في معالجة أزمة الكهرباء داخل العراق.

وفي ملف الحدود، أكد المصدر استعداد الكويت لعقد تفاهمات مع العراق بشأن ترسيم الحدود المائية، فيما كان الملف الأمني حاضراً في المناقشات، ولا سيما ما يتعلق بالحدود المشتركة، مع تأكيد الجانب العراقي سعيه إلى إيجاد حلول وسط للملفات الخلافية، بما يحافظ على طبيعة العلاقات الثنائية ويمنع انعكاس الخلافات على التعاون بين البلدين.

الحذر من اتفاقيات جديدة

ويشير الحلبوسي إلى أن ”العراق ثبت أول خط أساس ومشروع للمجالات البحرية في 14-3-2011، خلال فترة وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري، ثم أعاد نشره عام 2021 في عهد مصطفى الكاظمي، قبل استكماله، وأن الإيداع الأخير لا يمثل خرائط جديدة أو تعديلاً، وإنما يعد استمراراً لعمل فني متواصل”، منوهاً إلى أن “رئيس المحكمة الدولية لقانون البحار، روديغر وولفروم، اطلع على الخرائط العراقية، وأبلغ اللجنة بأنها صحيحة، ومطابقة للقوانين الدولية، وأن إحداثياتها دقيقة، ولا تمثل أي انتهاك لحقوق الكويت أو إيران، وهذه الخرائط كان يفترض إرسالها قبل 10 إلى 15 سنة”.

ويحذر من أن ”أي تفاهمات قد يتوصل إليها الوفد العراقي مع الجانب الكويتي ستقود إلى تشكيل لجان فنية متخصصة، تتولى ملفات الترسيم والجوانب القانونية والفنية، إضافة إلى الملاحة والنقل والتجارة، لأن جميع هذه الملفات مترابطة، وأن أي اتفاق بشأنها ستكون له انعكاسات مباشرة على المصالح العراقية”، مستغرباً “إعادة مناقشة الملفات بعد صدور قرار المحكمة الاتحادية الذي أوقف اتفاقية الملاحة، وإقرار مجلس الوزراء خرائط المجالات البحرية، والعودة إلى هذه الملفات تمثل تراجعاً عن إجراءات سبق أن اتخذها العراق”.

الخرائط العراقية البحرية

ويشدد خبير الحدود والمياه الدولية على أن ”العراق أنجز خرائط مجالاته البحرية، المتمثلة بخط الأساس والبحر الإقليمي والمنطقة المتاخمة والمنطقة الاقتصادية الخالصة، وهذه الخرائط تمثل سطح المياه، فيما يمثل ما تحتها الجرف القاري، وقد صادق مجلس الوزراء عليها بموجب القرار رقم (266) في 8-4-2025″، مبيناً أن ”هذه الخرائط جاءت بوصفها مخرجات قرار المحكمة الاتحادية بإيقاف اتفاقية الملاحة (اتفاقية خور عبد الله)، كما أن الأمر لم يقتصر على الاتفاقية فحسب، بل شمل أيضاً البروتوكولات الأمنية التي أبرمتها وزارة النقل عام 2008، والتي رسمت الحدود بعد العلامة (162)، وقد حسم قرار المحكمة تراكم الخسائر التي تعرض لها العراق، كما جرى إرسال القرار إلى شعبة الاتفاقيات في الأمم المتحدة”.

ويضيف، أن ”خرائط المجالات البحرية أعدتها اللجان المشكلة خلال فترة رئيس الوزراء الأسبق مصطفى الكاظمي، بعد إصدار الأمر الديواني رقم (110) الخاص بوكلاء الوزارات والمستشارين، ثم الأمر الديواني رقم (123) الخاص بالجوانب الفنية والقانونية، وقد تمكنت اللجان وبمشاركة مديرية المساحة العسكرية وممثلين عن وزارة النقل والهيئة العامة للمساحة وقيادة القوات البحرية، من تثبيت الخرائط وإقرارها”.

ويردف، أن ”الخرائط عرضت لاحقاً على لجان وزارة الخارجية، وكذلك اللجان المشتركة مع الجانب الكويتي، وأن الكويت اطلعت عليها وتوصلت إلى أنها تثبت الحقوق العراقية وفقا للأسس الفنية والقانونية الدولية، كما تعيد رسم المجالات البحرية التي كانت الكويت قد أودعتها لدى الأمم المتحدة عام 2014″، لافتاً إلى أن “العراق قدم اعتراضات سنوية، وأحياناً أكثر من اعتراض في السنة، عبر وزارة الخارجية إلى الأمم المتحدة، إلا أن الانتهاكات الكويتية للمجالات البحرية استمرت، رغم نشر الخرائط العراقية لدى الأمم المتحدة في 18 شباط 2026”.

حقلا الدرة والنخلة

ويوضح الحلبوسي، أن ”العراق وصل حالياً إلى ثوابت لا يمكن تغييرها، ولا سيما بعد الاستعانة بخبيرين دوليين وعرض مخرجات اللجنة (123) عليهما”، منوهاً إلى أن ”رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني حاول إيقاف عمل اللجنة وحلها، وتشكيل لجنة جديدة بالأمر الديواني رقم (1440) للقفز على مخرجات اللجنة السابقة، إلا أن عدداً من أعضاء اللجنة (123) انتقلوا إلى اللجنة الجديدة وتمسكوا بالنهج نفسه، مع استمرار مراقبة أي محاولة للتلاعب بالخرائط”.

ويكشف عن أن ”الخرائط نشرت في الأمم المتحدة بإحداثياتها ومساحاتها وعناوينها، فيما اعترضت الكويت على الإحداثيات، لكن هذا الاعتراض فني، ويهدف إلى دفع العراق للتنازل عن أجزاء من مساحاته البحرية، بما يشمل حقل الجمال (2-1)، المعروف في الكويت باسم (الدرة) وفي إيران باسم (ارش)، إضافة إلى حقل النخلة، الذي يقع ضمن المنطقة المتاخمة العراقية، فيما يقع حقل الجمال (2-1) ضمن المنطقة الاقتصادية الخالصة”.

ويلفت الحلبوسي إلى أن ”الكويت حاولت التأثير في الخرائط بشتى الطرق، كما قام بعض المسؤولين العراقيين باستدعاء أعضاء اللجنة ومحاولة كسبهم أو دفعهم إلى تغيير الخرائط أو استبدالها أو تعديلها، إلا أن أعضاء اللجنة تمسكوا بموقفهم”.

وبعد ساعات من وصول الوفد العراقي إلى الكويت، أعلن فؤاد حسين موافقة السلطات الكويتية على إطلاق سراح الصيادين العراقيين الذين أوقفتهم خفر السواحل الكويتية الأسبوع الماضي، مبيناً أنهم سيصلون إلى محافظة البصرة بعد استكمال الإجراءات الخاصة بإطلاق سراحهم، وأن الخطوة جاءت استجابة للطلب الذي تقدم به الوفد العراقي خلال لقاء النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية الكويتي الشيخ فهد يوسف سعود الصباح.

الهواجس الأمنية الكويتية

إلى ذلك، يقول المحلل السياسي مجاشع التميمي، إن ”الملف الأمني كان حاضراً بقوة خلال الزيارة، الأمر الذي يرجح أن جانباً من المباحثات خصص لاحتواء الهواجس الكويتية بشأن أي تهديد قد ينطلق من الأراضي العراقية، حتى وإن لم يعلن ذلك بصورة رسمية”.

ويضيف، أن ”تأكيد بغداد على تعزيز التنسيق الأمني ومنع تكرار الحوادث الحدودية يحمل رسالة طمأنة إلى الكويت ودول الخليج، مفادها أن الحكومة العراقية ملتزمة بعدم السماح باستخدام الأراضي العراقية للإضرار بالدول المجاورة”.

ويشير إلى أنه ”لا توجد مؤشرات كافية يمكن الاستناد إليها للجزم بأن الملفات الاقتصادية أو الحدودية كانت مجرد غطاء لبحث ملفات أمنية أكثر حساسية”، مرجحاً أن “الجانبين ناقشا هذه الملفات بصورة متوازية، في ظل الترابط الوثيق بين الجوانب الأمنية والعلاقات السياسية والاقتصادية”.

وتأتي هذه الزيارة في ظل استمرار عدد من الملفات العالقة بين البلدين، من بينها ترسيم الحدود البحرية، واتفاقية الملاحة، وقضايا احتجاز الصيادين، فضلاً عن التوتر الذي أعقب إعلان الكويت في 28 شباط الماضي تعرض مواقع داخل أراضيها لهجمات قالت إنها انطلقت من الأراضي العراقية، بحسب وزارة الدفاع الكويتية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

اثنان × 2 =

زر الذهاب إلى الأعلى