لماذا يتجه السكن العشوائي في إيران نحو التزايد؟

حذرت وزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي الإيرانية من أن استمرار معدلات التضخم الحالية سيؤدي إلى تشكل موجات جديدة من التهميش والسكن العشوائي.

ميدل ايست نيوز: أطلق الارتفاع المستمر في تكاليف السكن في إيران ناقوس خطر توسع ظاهرة الإسكان غير الرسمي، إذ حذرت وزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي من أن استمرار معدلات التضخم الحالية سيؤدي إلى تشكل موجات جديدة من التهميش والسكن العشوائي، في وقت يعيش فيه أكثر من 7 ملايين شخص حالياً في مستوطنات غير رسمية.

شاهد معظمنا فيلم “المليونير المتشرد”، الذي يروي قصة طفل يتيم وفقير يعيش في أحياء الصفيح بمدينة مومباي الهندية، أو فيلم “مدينة الرب” الذي يعرض قصة انتشار الجريمة في أحد الأحياء الفقيرة والعشوائية بمدينة ريو دي جانيرو البرازيلية. إلا أن ظاهرة “السكن في العشوائيات” تتجاوز كونها موضوعاً فنياً وسينمائياً، فهي تمثل واقعاً اقتصادياً مؤلماً يعكس المشكلات والأزمات الاقتصادية في دولة أو مدينة ما، وهو ما جعلها حاضرة في الأفلام والأعمال السينمائية، وموضوعاً يشغل اهتمام المخرجين والفنانين الاجتماعيين.

وتستخدم مصطلحات مثل السكن في العشوائيات، والتهميش العمراني، والمستوطنات غير الرسمية لوصف الظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها الفئات الفقيرة من السكان. وتعرّف الأمم المتحدة عام 2003 العشوائيات بأنها مناطق حضرية مكتظة بالسكان، تتميز بمساكن غير مطابقة للمعايير، ومظهر متدهور وملوث. وتشمل الخصائص الرئيسية للعشوائيات الاكتظاظ، وسوء السكن أو الإسكان غير الرسمي، وضعف الوصول إلى المياه الصالحة للشرب وخدمات الصرف الصحي، وانعدام ضمان حيازة السكان لمساكنهم.

وفي هذا السياق، تناولت وزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي الإيرانية في تقرير تحليلي لها قضية الإسكان غير الرسمي والسكن في العشوائيات في البلاد.

لماذا ازدهرت ظاهرة الإسكان غير الرسمي أو التهميش العمراني؟

وفقاً للإحصاءات الواردة في تقرير وزارة العمل الإيرانية، ارتفعت حصة تكاليف السكن من سلة نفقات الأسر بشكل ملحوظ عام 2024، لتصل إلى 40.3 بالمئة، وسط توقعات بأن يؤدي استمرار التضخم الحالي وارتفاع نفقات السكن إلى ظهور موجات جديدة من الإسكان غير الرسمي.

من جهة أخرى، يعيش نحو 33 بالمئة من إجمالي سكان المدن في إيران، أي أكثر من 20 مليون شخص، في مناطق عمرانية غير مستقرة، من بينهم 11 بالمئة، أي ما يزيد على 7 ملايين شخص تقريباً، يعيشون في مستوطنات غير رسمية.

كما أن احتمال وقوع الأسر الإيرانية التي يعيلها أشخاص يعملون في القطاع غير الرسمي تحت خط الفقر أعلى بكثير، إذ لم تتجاوز نسبة الأسر الفقيرة التي كان معيلها يعمل في وظيفة رسمية ويدفع اشتراكات تأمينية عام 2021 سوى 16.5 بالمئة.

وبناءً على هذه الأرقام، يتضح أن مسار نفقات السكن للأسر اتجه نحو دفع بعض العائلات، بفعل الضرورة، إلى الانتقال للعيش في المناطق الهامشية على أطراف المدن.

ووفق تقرير وزارة العمل، فإن توسع الإسكان غير الرسمي هو نتيجة تفاعل أربعة عوامل هيكلية، تتمثل في مركزية الإدارة السياسية والاقتصادية في البلاد وعدم التوازن الإقليمي، وتراجع مستوى معيشة سكان الريف بسبب المشكلات المرتبطة بالقطاع الزراعي، وهيمنة المضاربات على سوق الإسكان، وعدم فاعلية السياسات الداعمة، إضافة إلى ضعف الإدارة الحضرية والتخطيط العمراني الذي لا يأخذ الأبعاد الاجتماعية في الاعتبار.

تشخيص مشكلات السياسات السابقة

أشارت الوزارة إلى أن برامج الإسكان غالباً ما جرى إعدادها بسبب اعتماد نهج هرمي في وضع السياسات وعدم الأخذ بالاحتياجات الحقيقية للسكان أو إشراكهم في اتخاذ القرار. كما طغى عليها الجانب العمراني المادي، إذ ركز صانعو السياسات على الجانب الفيزيائي للمدن والمساكن، دون التعامل بشكل متكامل مع قضايا العمالة والفقر الحضري.

وبعبارة أخرى، ركزت السياسات على بناء أعداد كبيرة من الشقق السكنية فقط، دون الاهتمام بالمشكلات الاجتماعية والرفاهية الأخرى لسكان هذه المناطق.

كما أشارت إلى أن كثرة الجهات المسؤولة عن وضع السياسات أدت إلى تداخل الصلاحيات، وغياب التنسيق، وظهور تعارضات هيكلية. وفيما يتعلق بمعالجة القضايا الاجتماعية ضمن خطط التنمية، مثل الخطة السابعة، فإن هذه البنود غالباً ما تكون عامة وغير مدعومة بمصادر مالية محددة.

حلول مقترحة

اقترحت وزارة العمل الإيرانية في تقريرها وقف السياسات الإقصائية، مثل التوقف الفوري عن عمليات الهدم والإخلاء، وتقديم الحد الأدنى من الخدمات للسكان من دون منحهم حقوق الملكية.

وفي مجال إصلاح الهياكل المالية، اقترحت الوزارة والباحثون التابعون لها الحد من المضاربات من خلال فرض ضرائب تصاعدية على امتلاك السكن الثاني، وتحويل اتجاه التسهيلات المصرفية من شراء المساكن إلى دعم عمليات البناء.

كما اقترحت الوزارة منح السكان صلاحيات أكبر، من خلال تشكيل مجالس تنمية محلية بميزانيات مستقلة وحق اتخاذ القرار بشأن أولويات تحسين المناطق. ومن المقترحات الأخرى إضفاء الطابع الرسمي على الاقتصاد من القاعدة الشعبية، مثل تسجيل الأعمال المنزلية الصغيرة بسهولة، وتوفير التأمين الأساسي، ومنح قروض صغيرة لدعم فرص العمل بهدف زيادة الأمان الوظيفي للسكان.

كما اقترحت سياسة تحسين الأحياء من دون نقل السكان، بهدف توفير الأمن السكني عبر منح حق إقامة طويل الأمد غير قابل للبيع، لمنع ارتفاع أسعار المناطق وخروج الفقراء منها.

ومن السياسات الأخرى المقترحة لمعالجة مشكلة الإسكان غير الرسمي، اعتماد اللامركزية الوطنية، ومن بينها الاستثمار في البنى التحتية بالمناطق التي تشهد هجرة السكان، وتنفيذ برامج لضمان فرص العمل الريفية.

وفي النهاية، أوصى التقرير بإقرار إطار قانوني شامل وإنشاء مؤسسة واحدة بميزانية مستقلة لإنهاء حالة التشتت بين الجهات الحكومية المسؤولة.

وأكد التقرير أن أزمة الإسكان غير الرسمي لن تتم السيطرة عليها من دون تنفيذ هذه الخطوات بشكل متزامن، وتغيير منطق الإدارة من “السيطرة على الفقراء” إلى “إعادة توزيع السلطة ومنح حق تقرير المصير”.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة + 1 =

زر الذهاب إلى الأعلى