الصحافة الإيرانية: السياسة الخارجية بين تشدد الداخل وضغوط الإقليم

تشير تصريحات عراقجي الأخيرة إلى أن مظاهر التشدد السائدة في الساحة السياسية قد لا تكون نابعة من الحرص على المصلحة الوطنية، بل قد تشكل جزءًا من مخطط يهدف إلى دفع البلاد نحو حرب مدمرة.

ميدل ايست نيوز: دخلت السياسة الخارجية الإيرانية واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا منذ أحداث الثورة، في ظل تزامن غير مسبوق بين الضغوط الدولية، وظهور تحالفات إقليمية جديدة، والأهم من ذلك، اتساع التباين في الخطاب السياسي الداخلي، وهو ما وضع البلاد في وضع يصفه كثير من المحللين بأنه “حافة الهاوية الدبلوماسية”.

ففي الوقت الذي يؤكد فيه الجهاز الرسمي للدبلوماسية، بقيادة محمد باقر قاليباف وعباس عراقجي، ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار ومنع وقوع مزيد من الأضرار في البنى التحتية الحيوية، تتبنى أطراف داخل المشهد السياسي مواقف متشددة ومقترحات مثيرة للجدل بشأن مضيق هرمز، بما يؤدي عمليًا إلى تأجيج الخلافات الإقليمية.

مضيق هرمز.. محور النزاعات القانونية

يقول طهمورث كيلاني، الخبير في الشؤون السياسية، في مقال لصحیفة توسعه إيراني إن البيان المشترك الصادر عن الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون يمثل أحد أبرز مظاهر التصعيد الأخير، إذ يعكس تحولًا استراتيجيًا في النظرة الأوروبية إلى أمن المنطقة.

وأفادت وكالة أنباء البحرين بأن الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس، ووزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني، أصدرا خلال اجتماع في بروكسل بيانًا استهدف بصورة مباشرة سيادة إيران وسياساتها البحرية.

وأكد الاتحاد الأوروبي ودول الخليج في البيان أن “أي اتفاق أو تفاهم أو مذكرة ثنائية بين الدول لا يمكنها بصورة غير قانونية تنظيم أو تقييد حق المرور عبر مضيق دولي”، وهو ما أدى عمليًا إلى تضييق هامش المناورة الدبلوماسية الإيرانية على المستوى الدولي.

المقامرة بمصير البلاد والثغرات الأمنية

في الوقت الذي يتحدث فيه بعض المسؤولين داخل البلاد عن تحقيق انتصارات استراتيجية، قدم وزير الخارجية عباس عراقجي، خلال برنامج “قصة الحرب”، صورة مغايرة لما جرى خلف الكواليس.

وقال عراقجي إن تأخر اتخاذ القرار كانت له كلفة باهظة، مضيفًا: “لو قبلنا وقف إطلاق النار قبل عشرة أيام، لكان لدينا اليوم لاريجاني وخطيب وعسلويه ومجمع فولاد مباركة. لا يمكن المقامرة بمصير البلاد وأرواح المواطنين”.

تعكس هذه التصريحات وجود فجوة عميقة بين التقديرات الميدانية والوقائع الدبلوماسية. وأضاف أن بعض الأشخاص يتخذون قرارات بدافع الحفاظ على مكانتهم الشخصية وليس انطلاقًا من المصلحة الوطنية، واصفًا ذلك بأنه “خيانة”.

كما تطرق عراقجي إلى قضية شديدة الحساسية تتعلق بـ”الاختراق الأمني”، والتي أثارت ردود فعل واسعة في الأوساط السياسية، وقال: “قصف بيت المرشد تم عبر ثغرة أمنية، وهذه الثغرة لا تزال قائمة، كما أنها تؤثر أيضًا في توجهات عملية صنع القرار”.

تشير هذه التصريحات إلى أن مظاهر التشدد السائدة في الساحة السياسية قد لا تكون نابعة من الحرص على المصلحة الوطنية، بل قد تشكل جزءًا من مخطط يهدف إلى دفع البلاد نحو حرب مدمرة.

كما أشار الوزير الإيراني إلى ما وصفه بالأوهام التي كانت لدى بعض قادة المنطقة، والذين اعتقدوا أن إيران ستنهار خلال شهر واحد، كاشفًا أن أحد قادة المنطقة هدد حتى بشن هجوم عسكري، وهو ما اعتبره دليلًا على أن السياسات المتشددة في الداخل لم تحقق الردع، بل شجعت بعض دول المنطقة على اتخاذ مواقف أكثر جرأة.

تحالفات جديدة وخطر “العزلة الاستراتيجية”

يتمثل أحد أكثر الجوانب إثارة للقلق في المرحلة الحالية في تشكل تحالفات عسكرية وسياسية جديدة حول حدود إيران.

وأشار علي بيغدلي، المحلل في الشؤون الدولية، إلى أن زيارة وزير الدفاع التركي إلى رئيس هيئة الأركان العامة للجيش الكويتي تحمل أهمية كبيرة، معتبرًا أن ملامح تحالف إقليمي جديد ضد إيران في منطقة الخليج تقترب من الاكتمال.

وأضاف أنه إذا لم تتم السيطرة على الوضع الحالي، فإن إيران ستتجه حتمًا نحو حرب واسعة ومدمرة، معتبرًا أن التيارات المتشددة داخل البلاد، ومن بينها “جبهة الثبات الثورية”، تستغل الأجواء العاطفية السائدة في المجتمع، وتتسبب في إلحاق الضرر بالنظام، من دون إدراك حجم الضغوط التي يتعرض لها المواطنون.

وفي الوقت نفسه، ازدادت حدة التوتر في التعامل مع الدول المجاورة. فعلى الرغم من وقوف رئيس الوزراء العراقي إلى جانب إيران في مناسبات مهمة، مثل مراسم تشييع المرشد الراحل وزيارة الأربعين، أثارت زيارته إلى الولايات المتحدة ردود فعل غاضبة.

وفي هذا السياق، انتقد علي أكبر ولايتي الزيارة، قائلًا: “لا أعلم حقًا ما الذي كان يتوقعه السيد الزيدي أو ما الهدف من هذه الزيارة، وإن كان قد أقدم عليها من دون استشارة أحد، فذلك يدعو للأسف”.

ويُنظر إلى مثل هذه المواقف على أنها تدخل في الشؤون السيادية لدولة كانت قد وقفت إلى جانب إيران في أصعب الظروف، وقد تدفع العراق بدوره نحو الانضمام إلى تحالفات مناهضة لإيران.

التهديدات الداخلية وردود الفعل المقابلة

لا يقتصر النهج التصعيدي داخل البرلمان الإيراني على قضية مضيق هرمز فقط.

فقد وجه علي خضريان، عضو لجنة الأمن القومي، تهديدًا مباشرًا إلى الكويت، قائلًا: “على الكويت أن تعلم أن وضعها بعد انتهاء هذه الحرب لن يكون طبيعيًا. وسنعتبر أي هجمات تنطلق من الكويت هجمات مباشرة، وعليهم أن يعلموا أننا سنؤدبهم بصورة خاصة”.

ويُنظر إلى مثل هذه التصريحات في وسائل الإعلام الإقليمية على أنها تمثل “دبلوماسية التهديد”، وهي تسد الطريق أمام أي جهود للوساطة أو خفض التصعيد.

ضرورة العودة إلى العقلانية

تشير المعطيات إلى أن إيران تقف أمام مفترق طرق مصيري. فمن جهة، تسعى التيارات المتشددة في الداخل، عبر شعارات اقتصادية مثل الحديث عن تحقيق عائدات تبلغ 20 مليار دولار من مضيق هرمز، إلى جانب التهديدات العسكرية، إلى تعزيز مواقعها السياسية. ومن جهة أخرى، تتحدث المؤسسة الدبلوماسية، انطلاقًا من إدراكها للوقائع الميدانية، عن وجود ثغرات أمنية وضرورة التوصل إلى وقف فوري لإطلاق النار.

وتتمثل الحقيقة في أن استمرار التوتر مع دول المنطقة، ولا سيما دول الخليج، لن يؤدي إلا إلى تعميق عزلة إيران ودفع مزيد من الدول نحو تشكيل تحالفات جديدة، مثل التعاون بين تركيا والكويت والسعودية.

ويؤكد عدد من المحللين أن “مضيق هرمز مهم، لكنه ليس كل شيء”، مشيرين إلى أن الإفراط في استخدام ورقة التهديد في هذا الممر المائي لن يحل المشكلات الاقتصادية، بل قد يؤدي إلى توافق دولي على إيجاد بدائل دائمة لهذا الطريق، بما يفضي إلى إخراج إيران بصورة نهائية من معادلات الطاقة العالمية.

تستدعي المرحلة الحالية، بدلًا من تهديد الدول المجاورة والتدخل في الزيارات الدبلوماسية لحلفاء مثل العراق، التوجه نحو خفض التوتر ومعالجة الثغرات التي قال وزير الخارجية إنها لا تستهدف فقط المنظومة الأمنية، بل أيضًا المناخ النفسي وآليات صنع القرار في إيران. وإلا فإن البيان الأوروبي الخليجي المشترك لن يكون سوى بداية لمسار طويل يهدف إلى تقييد السيادة الإيرانية في مياهها الإقليمية.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

17 + أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى