ماذا يعني انتقال الخطاب الأمريكي من “إسقاط” النظام الإيراني إلى “تغيير” سلوكه؟

يلجأ المسؤولون الأمريكيون إلى شعارات تدعو إلى إسقاط النظام عندما يرون أن الأوضاع الداخلية في إيران متوترة، لكنهم يعودون عمليًا إلى تقليص أهدافهم والإبقاء على باب التفاوض مفتوحًا عندما يواجهون تعقيدات الواقع الإقليمي.

ميدل ايست نيوز: أثارت التصريحات الأخيرة لوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بشأن “تغيير سلوك” إيران مجددًا التساؤل القديم حول الهدف النهائي للولايات المتحدة تجاه إيران: هل تسعى واشنطن إلى تغيير النظام أم إلى تغيير حسابات طهران فقط؟

وقال روبيو في مقابلة جديدة مع شبكة “فوكس نيوز”: “قد لا نشهد تغييرًا للنظام بمعنى إسقاطه بالكامل، لكن طبيعة النظام نفسه يجب أن تتغير”، في تصريحات أعادت إبراز الاستراتيجية الأمريكية المزدوجة والغامضة تجاه طهران.

وأوضح روبيو، مميزًا بين “تغيير النظام” و”تغيير سلوك النظام”، أن الاتفاق النووي يمتلك نقطة نهاية وآلية تحقق واضحة، بينما يمثل دفع حكومة ما إلى تغيير استراتيجيتها الإقليمية عملية مستمرة لا تنتهي بموعد محدد.

وتظهر مراجعة مواقف كبار المسؤولين الأمريكيين منذ يناير 2026 وحتى اليوم أن واشنطن مرت خلال فترة قصيرة بثلاثة تحولات رئيسية في خطابها السياسي، بدأت بوعود صريحة بالتدخل، ثم انتقلت إلى الغموض الدبلوماسي، وانتهت إلى التركيز على مفهوم “تغيير السلوك”.

يناير 2026.. ذروة الخطاب التصعيدي تحت شعار “المساعدة في الطريق”

وقال موقع رويداد24 في تقرير، إن بداية هذه المرحلة تعود إلى أواخر يناير 2026، عندما وجّه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، خلال الاحتجاجات والأحداث الداخلية في إيران، رسالة عبر منصته للتواصل الاجتماعي، ثم كررها في خطاب ألقاه بمدينة ديترويت، قال فيها مخاطبًا المحتجين: “المساعدة في الطريق”.

وأعلن ترامب في الموقف نفسه إلغاء جميع الاجتماعات المقررة مع المسؤولين الإيرانيين، الأمر الذي أثار موجة من التكهنات بشأن احتمال تدخل أمريكي مباشر أو تقديم دعم علني لمشروع إسقاط النظام.

كما صرح السيناتور ليندسي غراهام بعد أسابيع، مستندًا إلى تصريحات ترامب، بأن وعد “المساعدة في الطريق” يقترب يومًا بعد يوم من التحقق، فيما أكد السفير الأمريكي لدى إسرائيل مايك هاكابي أنه ينبغي التعامل بجدية مع تصريحات ترامب لأنه ينفذ وعوده.

فبراير 2026.. تناقض ترامب بين “أفضل سيناريو” و”شرط الاتفاق”

بعد أيام قليلة من ذلك الخطاب، برز تناقض واضح في تصريحات ترامب، إذ قال ردًا على سؤال صحفي حول ما إذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تغيير النظام في إيران: “يبدو أن ذلك سيكون أفضل ما يمكن أن يحدث، فمنذ 47 عامًا وهم لا يفعلون سوى الكلام”.

وكشف ترامب في المقابلة نفسها طبيعة هذا الضغط السياسي عندما قال: “إذا قدموا لنا الاتفاق الذي كان ينبغي أن يقدموه منذ البداية فلن نفعل ذلك، وإذا وافقوا على الاتفاق الصحيح فلن تكون هناك مشكلة”.

هذه التصريحات أظهرت بوضوح أن الحديث عن دعم تغيير النظام لم يكن سوى وسيلة للضغط على طهران من أجل تقديم تنازلات جديدة في الملفين النووي والإقليمي.

اليوم.. روبيو يتراجع من إسقاط النظام إلى “تغيير السلوك”

بعد مرور عدة أشهر، ومع دخول العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة من الضغوط الاقتصادية والتوترات الإقليمية، تعكس تصريحات ماركو روبيو النظرية المعدلة للإدارة الأمريكية.

ويعني رفض وزير الخارجية الأمريكي ضرورة انهيار البنية السياسية الإيرانية بالكامل أنه تراجع عن الخطاب السابق، وركز بدلًا من ذلك على تغيير السلوك الإقليمي للنظام وفرض ضغوط وتكاليف مستمرة عليه.

وتمثل تصريحات روبيو اعترافًا ضمنيًا بعدم قدرة واشنطن أو عدم رغبتها في المضي بسيناريو إسقاط النظام بالقوة، موضحًا أن الولايات المتحدة تسعى، وفق هذا النهج، إلى الإبقاء على منظومة العقوبات والضغوط الإقليمية من دون تحمل كلفة إسقاط النظام بشكل مباشر، بما يفرض على إيران حالة “لا حرب ولا سلام مستدام”.

الغموض محور السياسة الأمريكية

وتؤكد مقارنة مواقف المسؤولين الأمريكيين خلال الأشهر الماضية، من شعار ترامب “المساعدة في الطريق” إلى انتقال روبيو نحو شعار “تغيير السلوك” أن السياسة الأمريكية تجاه إيران تستند إلى استراتيجية تقوم على “صناعة الغموض المقصود”.

ويلجأ المسؤولون الأمريكيون إلى شعارات تدعو إلى إسقاط النظام عندما يرون أن الأوضاع الداخلية في إيران متوترة، بهدف زيادة الضغوط النفسية على طهران، لكنهم يعودون عمليًا إلى تقليص أهدافهم إلى “تغيير السلوك” والإبقاء على باب التفاوض مفتوحًا عندما يواجهون تعقيدات الواقع الإقليمي.

وتظهر متابعة هذا التطور في الخطاب الأمريكي أن على المحللين وصناع القرار في إيران تجنب التبسيط في قراءة المواقف الأمريكية، والعمل بدلًا من ذلك على فهم هذه التحولات بدقة، من أجل تقليل مواطن الضعف الوطنية وتفعيل دبلوماسية أكثر ذكاءً.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أربعة × اثنان =

زر الذهاب إلى الأعلى