الصحافة الإيرانية: التعاون النووي بين واشنطن والرياض.. مشروع طاقة أم إعادة ترتيب للنفوذ؟
أظهرت تطورات الربيع والصيف الحاليين أن النزاع النووي في الشرق الأوسط لم يعد قابلاً للفهم بصورة منفصلة، بل يجب تحليله ضمن ترابطه مع الحرب والملاحة البحرية والمنافسة بين التحالفات.

ميدل ايست نيوز: لا يمكن اعتبار التعاون النووي المدني بين الولايات المتحدة والسعودية مجرد اتفاق يركز على الطاقة، إذ إن هذا الاتفاق يقع في الواقع عند نقطة تقاطع ثلاثة منطق متزامنة: موازنة القوى في الشرق الأوسط، ونظام منع الانتشار النووي، والدبلوماسية القسرية في مرحلة ما بعد الحرب التي جعلته عرضة للتحولات.
تقول وكالة خبرأونلاين في تقرير، إن التطورات الأخيرة بدءاً من الحرب المباشرة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل في ربيع عام 2026، وصولاً إلى الخلاف بشأن حق التخصيب والرقابة والضمانات النووية، تشير إلى أن الطاقة النووية المدنية في المنطقة تجاوزت بطبيعتها المجال التقني، وتحولت إلى أداة لإعادة تنظيم النظام الأمني.
وفي هذا الإطار، فإن اتفاق واشنطن–الرياض، رغم تقديمه بلغة تطوير الطاقة والتعاون الصناعي، يحمل على المستوى البنيوي رسالة جيوسياسية، مفادها أن الولايات المتحدة تسعى إلى تثبيت بنية نفوذها في الخليج، من دون أن يعني ذلك بالضرورة امتلاكها القدرة أو الرغبة في إعادة إحياء “المعيار الذهبي” لمنع الانتشار النووي.
وفي الوقت نفسه، يمكن لهذا الاتفاق أن يترك آثاراً جانبية مهمة على حسابات إيران وإسرائيل وباقي الأطراف الإقليمية، وأن يؤدي إلى تصاعد المنافسة حول قدرات دورة الوقود النووي.
من التعاون في مجال الطاقة إلى الصراع حول النظام الأمني
على مستوى التحليل الأول، يُقدَّم الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية باعتباره مشروعاً لتوفير الكهرباء، وتنويع الاقتصاد السعودي، والحد من نفوذ الصين وروسيا.
لكن على مستوى أعمق، يكتسب هذا الاتفاق معناه ضمن سياق انعدام الأمن البنيوي في الشرق الأوسط. فالحروب المحيطة، والهجمات على المنشآت النووية، وأزمة الملاحة في مضيق هرمز، والخلافات حول رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كلها تشير إلى أن القضية الأساسية لا تتمثل فقط في “إنتاج الكهرباء”، بل في توزيع القوة، وقدرات الردع، والسيطرة على دورة الوقود النووي.
ولهذا السبب، فإن الفصل بين “الاستخدام السلمي” و”الاستخدام العسكري المحتمل” يبقى هشاً للغاية في الشرق الأوسط. ويعود ذلك إلى ميزتين بنيويتين:
أ) أمننة دورة الوقود النووي
عندما تسعى دولة ما إلى امتلاك قدرة تخصيب محلية أو الوصول إلى تقنيات حساسة في دورة الوقود النووي، فإن القضية تتجاوز مستوى الطاقة لتتحول إلى مؤشر على القدرة الاستراتيجية.
وبالتالي، يتحول النقاش التقني حول الوقود النووي إلى نقاش سياسي يتعلق بالنوايا والثقة والحق السيادي.
ب) منطق “القدرة المحتملة” مقابل “النية الفعلية”
من جهة أخرى، فإن الخطر الرئيسي في نظام منع الانتشار لا يتمثل دائماً في وجود سلاح نووي فعلي، بل في امتلاك قدرة يمكن تحويلها إلى ذلك.
فالدولة التي تمتلك دورة وقود نووي محلية، ومعرفة تقنية، وبنية تحتية، ومواد لازمة، تُعتبر في الأدبيات الأمنية، حتى لو لم تتخذ قراراً بتطوير سلاح نووي، دولة “على العتبة النووية”.
وهذا المنطق حاضر بقوة في الملف الإيراني، ويظهر حالياً أيضاً في الملف السعودي.
الحرب بين إيران والولايات المتحدة ومعناها الاستراتيجي
أظهرت تطورات الربيع والصيف الحاليين أن النزاع النووي في الشرق الأوسط لم يعد قابلاً للفهم بصورة منفصلة، بل يجب تحليله ضمن ترابطه مع الحرب والملاحة البحرية والمنافسة بين التحالفات.
أ) الحرب المباشرة بين إيران وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل
أظهر الصراع المباشر الذي اندلع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والذي أدى في أبريل من العام نفسه إلى وقف إطلاق نار هش، وأزمة في وصول المفتشين، وارتفاع كبير في المخاطر داخل مضيق هرمز، أن أي برنامج نووي في الشرق الأوسط لم يعد مسألة افتراضية أو مجردة، بل يمكن أن يتحول إلى ذريعة أو عامل محفز لهجوم عسكري.
ب) أزمة الرقابة والتحقق
خلال هذه المرحلة، تمثلت إحدى أبرز المخاوف ليس فقط في “النية”، بل أيضاً في غياب وصول فعال إلى آليات الضمانات والرقابة.
وفي ظل غياب الرقابة الكاملة، فإن أي اتفاق نووي، حتى لو كان مدنياً، يصبح عرضة لانعدام الثقة.
وهذه تحديداً هي النقطة التي تجعل التعاون النووي بين الولايات المتحدة والسعودية ملفاً حساساً، إذ إن عدم قبول الرياض بآليات رقابة معززة، بما في ذلك فرض قيود على التخصيب وزيادة مستوى الشفافية، قد يحول الاتفاق من أداة لخفض التوتر إلى مصدر جديد له.
ج) مضيق هرمز والارتدادات الجيوسياسية
من جهة أخرى، أظهرت أزمة الملاحة والتهديدات التي تستهدف حركة العبور في مضيق هرمز أن أي نزاع نووي في الخليج سرعان ما يمتد إلى الاقتصاد السياسي العالمي للطاقة.
ومن هذا المنطلق، ينبغي النظر إلى الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية باعتباره جزءاً من مشروع أوسع يهدف إلى احتواء حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة، وتثبيت وصول الغرب إلى البنى التحتية الاستراتيجية في المنطقة.
قضية التخصيب: جوهر النزاع
تتمثل العقدة الأهم في هذا الاتفاق، ليس في المفاعلات النووية، بل في تخصيب اليورانيوم. ففي المنطق القانوني والسياسي لنظام منع الانتشار النووي، يكتسب التخصيب المحلي حساسية خاصة لثلاثة أسباب:
1- يمكن أن يتحول بسرعة إلى قدرة على إنتاج مواد انشطارية بمستويات عالية.
2- تكون الرقابة عليه أكثر صعوبة مقارنة بالوقود النووي المستورد.
3- يُفسَّر باعتباره مؤشراً على الاستقلال الاستراتيجي.
ومن هذا المنظور، إذا بقي في الاتفاق الأمريكي–السعودي حتى مجال محتمل للتخصيب داخل الأراضي السعودية، فإن ذلك لا يمثل مجرد امتياز تقني، بل منحاً لحق استراتيجي محتمل.
وهذه النقطة تحديداً هي التي تجعل الاتفاق مثار جدل على المستوى الإقليمي، لأن دلالاته السياسية تتمثل في:
- بالنسبة لإيران، يُنظر إليه باعتباره مؤشراً على وجود معايير مزدوجة.
- بالنسبة لإسرائيل، يعيد إحياء احتمال ظهور دولة جديدة على العتبة النووية في جنوب الخليج.
- بالنسبة للولايات المتحدة، يمثل اختباراً لمصداقية التزاماتها المتعلقة بمنع الانتشار النووي.
هل تبحث السعودية عن “استقلالية استراتيجية”؟
في الاقتصاد السياسي، لا تعد السعودية مجرد مشترٍ للتكنولوجيا، بل تسعى من خلال التحول النووي المدني إلى تحقيق ثلاثة أهداف في الوقت نفسه:
أولاً: تنويع مزيج الطاقة.
ثانياً: تعزيز مكانتها الجيوسياسية باعتبارها لاعباً تكنولوجياً.
ثالثاً: امتلاك ورقة تفاوضية في مواجهة الولايات المتحدة وإيران وحتى إسرائيل.
ولهذا يمكن وصف هذا الوضع بأنه شكل من أشكال الاستقلالية الاستراتيجية المحدودة، إذ إن دولة تعتمد على الضمانات الأمنية الأمريكية، لكنها تسعى عبر التقنيات ذات الاستخدام المزدوج إلى توسيع هامش تحركها.
وقد تكون هذه الاستراتيجية عقلانية على المدى القصير، لكنها قد تؤدي على المدى الطويل إلى زيادة الحساسية الأمنية في البيئة المحيطة بها.
التداعيات على إيران: تعزيز منطق الردع وانعدام الثقة
يحمل هذا الاتفاق بالنسبة لإيران عدة رسائل واضحة:
أولاً، تعزيز تصور “الحصار التكنولوجي”، إذ إن قيام الولايات المتحدة، بالتزامن مع ممارسة ضغوط على البرنامج النووي الإيراني، بمنح السعودية إمكانية تطوير بنية تحتية نووية، ستفسره طهران باعتباره نوعاً من عدم المساواة البنيوية.
ثانياً، تعزيز منطق “الردع الإقليمي”، إذ قد ترى إيران في هذه الظروف أن الطريق الوحيد للحفاظ على التوازن يتمثل في الاعتماد على القدرات المحلية وزيادة أدوات الردع.
وهذا المنطق بدوره قد يؤدي إلى تصعيد دورة أمنية متبادلة.
ثالثاً، زيادة صعوبة الدبلوماسية ورفع كلفتها، فكلما تحول الخليج إلى ساحة للتنافس النووي، ضاقت مساحة التوصل إلى تسوية بشأن البرنامج النووي الإيراني.
وقد يؤدي الاتفاق الأمريكي–السعودي، إذا مضى من دون شفافية كافية وقيود صارمة في مجال الضمانات النووية، إلى رفع الكلفة السياسية لأي اتفاق مستقبلي مع إيران.
بشكل عام، لا ينبغي تحليل الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية باعتباره مشروعاً يركز على الطاقة فحسب، بل باعتباره أداة لإعادة تشكيل النظام الأمني في الخليج.
وتُظهر التطورات الأخيرة، خصوصاً حرب إيران في ظل الوضع العسكري المتوتر في الشرق الأوسط، وأزمة رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وتصاعد الحساسية تجاه دورة الوقود النووي، أن أي اتفاق نووي في المنطقة يرتبط حتماً بقضايا القوة والردع والشرعية الدولية.
وعلى المستوى التحليلي الأوسع، يؤكد هذا الملف أن التكنولوجيا النووية في الشرق الأوسط لم تكن يوماً مجرد تكنولوجيا، بل تمثل لغة مكثفة للصراع الأمني والاقتصاد السياسي ومنطق البقاء.
وبناءً على ذلك، إذا كان الهدف الحقيقي لواشنطن والرياض هو خفض التوتر، فينبغي أن يقوم الاتفاق على ثلاثة أعمدة أساسية: أعلى مستويات الشفافية، والحد من دورة الوقود النووي الحساسة، وتعزيز أنظمة الرقابة والضمانات النووية.
أما في حال غياب هذه الشروط، فإن التعاون النووي لن يؤدي إلى تقليل انعدام الأمن، بل قد يساهم في إعادة إنتاج حالة عدم الاستقرار نفسها التي صُمم ظاهرياً للحد منها.



