تحركات الحوثيين على الساحل الغربي لليمن.. رسائل ودلالات
أفضت نجاحات أنصار الله في اليمن، أو بالأحرى انتصاراته الميدانية، حتى الآن إلى تداعيات استراتيجية مهمة، إذ تسببت الآثار الاقتصادية لهذا الانتصار في صدمة فورية للمعادلات الأمنية وانتقال الطاقة عالمياً.

ميدل ايست نيوز: أعادت العمليات الخاطفة والتقدمات المفاجئة الأخيرة لأنصار الله على السواحل الغربية لليمن، معادلات الحرب في هذا البلد وتطورات غرب آسيا بسرعة، كما وضعت حسابات السعودية والولايات المتحدة والغرب وإسرائيل أمام تحديات جديدة.
يقول برسام محمدي، خبير في شؤون المنطقة، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية: شكّلت العمليات القوية والخاطفة الأخيرة لقوات أنصار الله على السواحل الغربية لليمن، والتي لا تزال متواصلة، خلال فترة قصيرة، إحدى أكثر نقاط التحول حسماً في حرب اليمن وتطورات غرب آسيا؛ وهو تحول جرى خلافاً لجميع الحسابات السعودية والأمريكية والغربية والإسرائيلية.
وخلال العملية العسكرية الواسعة الأخيرة، جرى تحرير أكثر من 2600 كيلومتر مربع من المناطق الحساسة في محافظتي تعز والحديدة، بما في ذلك مدن حيس والخوخة والوازعية وموزع، إضافة إلى قاعدة خالد بن الوليد العسكرية. ومع دخول القوات إلى مدينة المخا الساحلية، وانتشارها في منطقة ذباب والجزيرة الاستراتيجية ميون (بريم)، انهارت الخطوط الدفاعية لقوات التحالف بقيادة السعودية والجماعات التابعة لطارق صالح. ولم يثبت هذا التحول الميداني السريع النهاية الحاسمة للهدنة الهشة المبرمة عام 2022 فحسب، بل أخرج الجغرافيا العسكرية اليمنية من حالة الجمود، وأدخل بنية المعركة مرحلة جديدة تعزز سيطرة صنعاء على الممرات الحيوية.
أهمية السيطرة الجيوسياسية على المخا وجزيرة ميون
من أبرز مفاجآت عملية أنصار الله الأخيرة في اليمن تحرير المخا وجزيرة ميون. ويقع ميناء المخا على مسافة تقدر بنحو 60 إلى 75 كيلومتراً شمال مضيق باب المندب، وهو ممر مائي استراتيجي يبلغ عرضه 29 كيلومتراً، ويُعد بوابة الربط بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي من جهة، وقناة السويس والبحر المتوسط من جهة أخرى.
وقد حوّلت السيطرة على المخا، بالتزامن مع دخول جزيرة ميون وتثبيت المواقع بالقرب من جزيرتي حنيش وزقر، طبيعة نفوذ أنصار الله من «قوة ردع قائمة على الطائرات المسيّرة والصواريخ بعيدة المدى» إلى «سيطرة وحضور ميداني مباشر» على خطوط الملاحة البحرية. وتوفر جزيرة ميون، ذات الشكل الهلالي، والتي تفصل بين الممرين الشرقي والغربي لباب المندب، لأنصار الله إشرافاً بصرياً ورادارياً، فضلاً عن إمكانية توجيه نيران المدفعية المباشرة، من دون الحاجة إلى أسلحة معقدة. كما أتاح هذا الانتشار الإقليمي قطع شرايين الإمداد التابعة للتحالف باتجاه الجنوب، وفرض حصار كامل على التحركات المعادية على امتداد الشريط الساحلي بأكمله.
فشل الاستراتيجيات الاقتصادية للتحالف المعادي لليمن
أفضت نجاحات أنصار الله في اليمن، أو بالأحرى انتصاراته الميدانية، حتى الآن إلى تداعيات استراتيجية مهمة، إذ تسببت الآثار الاقتصادية لهذا الانتصار في صدمة فورية للمعادلات الأمنية وانتقال الطاقة عالمياً. فالسعودية، التي كانت قد لجأت، على خلفية الاضطرابات الأمنية السابقة، إلى نقل صادراتها النفطية عبر خط أنابيب الشرق–الغرب إلى ميناء ينبع، لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز، ترى الآن أن مسارها البديل عبر البحر الأحمر أصبح عرضة للخطر بالكامل مع اتساع نطاق نفوذ أنصار الله.
وتشير الأرقام إلى انخفاض حاد في صادرات ينبع من 3.8 ملايين برميل إلى نحو 1.5 مليون برميل يومياً، وتراجع إجمالي إنتاج السعودية إلى 6.2 ملايين برميل. وفي الوقت نفسه، أدى ارتفاع سعر خام برنت إلى ما يزيد على 100–110 دولارات، وانخفاض حركة السفن في قناة السويس بأكثر من 50 في المئة، بمتوسط 40.8 سفينة يومياً، إلى كشف عمق اعتماد الاقتصاد الدولي على أمن هذا الممر البحري. ويضع هذا الوضع ورقة ضغط غير مسبوقة في يد صنعاء لفرض مطالبها الاقتصادية وإنهاء الحصار الشامل المفروض على اليمن.
تعزيز موقف محور المقاومة وأداة لاحتواء إسرائيل
بعيداً عن التداعيات الاقتصادية والمتعلقة بالطاقة، تعمل انتصارات أنصار الله الجديدة، على المستوى الإقليمي، مباشرة لمصلحة الاستراتيجية الموحدة لمحور المقاومة. فمع سيطرة صنعاء على الساحل الغربي وباب المندب، تشكّلت أداة جيوستراتيجية مزدوجة إلى جانب مضيق هرمز، بما يتيح التحكم في أهم شرايين التجارة والنفط في العالم لمصلحة الجبهة المناهضة للهيمنة. وقد أدخل هذا التطور المؤسسات الأمنية الإسرائيلية في حالة من الصدمة والقلق، إذ تحوّل الحصار البحري على ميناء إيلات، أو أم الرشراش، من مرحلة التعطيل المؤقت إلى الإشراف الإقليمي الكامل، ما دفع التحركات البحرية الإسرائيلية في البحر الأحمر والقرن الأفريقي إلى طريق مسدود.
وتشير المناورات الطارئة التي أجرتها تل أبيب وفق سيناريوهات لحروب متعددة الجبهات، ومساعي الرياض إلى بناء إجماع مع دول مثل باكستان، والتي لم تحقق نجاحاً حتى الآن، بل وحتى رفض ترامب طلب الرياض الانخراط الجاد في المواجهة ضد اليمن، إلى إخفاق الهياكل الأمنية الموالية للغرب في احتواء القوة المنبثقة عن المقاومة المحلية في اليمن. ويقرّ خبراء بأن أنصار الله، بوصفه فاعلاً مستقلاً يستند إلى قدرات دفاعية محلية ويتمتع بإرادة استراتيجية، قد غيّر قواعد اللعبة.
إعادة إنتاج توازن القوى الإقليمي
أعاد هذا الانتصار الميداني الكبير ترتيب توازن القوى في شبه الجزيرة العربية وغرب آسيا بصورة جذرية. فقد التحالف المعتدي والحكومة المتمركزة في عدن، بعد فقدان خطوط الإمداد على الساحل الغربي، قدرتهما الهجومية، وأصبحا حتى على الجبهات الشرقية، مثل مأرب والجوف، في موقع ضعف كامل.
ولم تؤدِ زيادة القدرة التفاوضية لأنصار الله إلى ترسيخ موقع الحركة بوصفها الحاكم الفعلي والمهيمن على اليمن في أي مسار دبلوماسي أو سياسي دولي فحسب، بل مدّت أيضاً عمق النفوذ الجيوسياسي لجبهة المقاومة من الخليج إلى باب المندب والبحر المتوسط. ويظهر هذا الإنجاز أن توازن القوى لم يعد يتحدد بواسطة الأساطيل العابرة للأقاليم أو الدولارات النفطية، بل إن السيطرة على الجغرافيا الميدانية وإرادة الصمود هما اللتان ترسمان حدود الجغرافيا السياسية الجديدة.
إن الانتصارات الأخيرة لأنصار الله في المخا ومضيق باب المندب تتجاوز كونها مجرد تحرك عسكري، إذ أحدثت زلزالاً هائلاً في الجغرافيا السياسية للمنطقة. وقد جعل تثبيت الوجود المادي لليمنيين عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، بالتزامن مع تصاعد الأزمات المتوازية، أي ترتيبات أمنية في المنطقة من دون مشاركة صنعاء وموافقتها محكومة بالفشل. كما أن تزامن هذا التحول مع تنامي قوة محور المقاومة في غرب آسيا أدى إلى خفض هامش الأمان لإسرائيل وداعميها الغربيين والعرب إلى أدنى مستوى تاريخي، وتتمثل رسالته الواضحة، وفقاً لهذا الطرح، في حدوث تغيير لا رجعة فيه في موازين القوى لمصلحة الشعوب المستقلة وجبهة المقاومة عند أهم ممرات العبور العالمية.



