الصحافة الإيرانية: قمة بريكس وما قاله الرئيس الصيني

تكمن النقطة المهمة في فهم كلمة شي اليوم في أن هذا الموقف ليس حدثاً جديداً أو تحولاً مفاجئاً، بل يمثل نقطة ضمن «عملية تدريجية» في الدبلوماسية الصينية تجاه غرب آسيا.

ميدل ايست نيوز: يوم السبت 12 سبتمبر الجاري، ألقى الرئيس الصيني شي جين بينغ، كلمة بعنوان «تحمل المسؤوليات المشتركة للعصر وتجسيد شجاعة الريادة»، خلال القمة الثامنة عشرة لقادة بريكس في نيودلهي، عرض خلالها أحدث مواقف بلاده. وفي ما يلي نستعرض بعض الأجزاء من كلمته المترجمة عن اللغة الصينية:

تحدث في جانب من كلمته عن أمثلة على وقوف أعضاء بريكس في الجانب الصحيح من التاريخ وأدائهم دور رواد العصر، مؤكداً ضرورة تعاون الأعضاء من أجل تحقيق مجتمع بشري ذي مستقبل مشترك، ومشيراً إلى أهمية اضطلاع الأعضاء بدور ريادي في مجال «التنمية الابتكارية».

وانتقد شي أفكاراً من قبيل «الفناء الصغير والسياج العالي» التي طرحها مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق جاك سوليفان، ثم أكد ضرورة اضطلاع أعضاء بريكس بدور ريادي في الحفاظ على السلام والاستقرار. وكان بذلك، بعد تأكيده أهمية الاقتصاد والتنمية، ينتقل إلى ثاني المجالات التي يرى أن على بريكس أن تكون رائدة فيها.

وبعيداً عن التقديم المحسوب لـ«قضية التنمية»، الذي يعكس استمرار أولوية الجغرافيا الاقتصادية على الجغرافيا السياسية في السياسة الخارجية الصينية، انتقل شي في هذا الجزء من كلمته إلى التطورات الأخيرة في غرب آسيا والتكاليف الباهظة للعدوان العسكري الأمريكي والإسرائيلي على إيران.

وتحدث عن اضطرابات العالم اليوم وتفاقم الفوضى فيه نتيجة تآكل النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب، وعدم الالتزام بأهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، مؤكداً ضرورة وقوف أعضاء بريكس ودعم العدالة والعمل على إنهاء الصراعات والحفاظ على السلام العالمي.

كما تحدث الرئيس الصيني عن ضرورة التزام الجميع بمفهوم أمني مشترك وشامل وتشاركي ومستدام، مؤكداً أن على بريكس معارضة عقلية الحرب الباردة والمواجهة بين الكتل في العالم، والوقوف في وجه انتهاك السيادة الوطنية للدول الأخرى والتدخل في شؤونها الداخلية.

وبعد تأكيد شي جين بينغ أهمية المشاركة البناءة والفاعلة لبريكس في حل القضايا الحساسة، وإسهامها الفريد في إيجاد حلول تتعامل مع الأعراض والأسباب الجذرية للأحداث على حد سواء، أشار إلى الوضع في الخليج والشرق الأوسط، معتبراً أن ظروف هذه المنطقة معقدة.

وأكد أن الحرب الأخيرة التي شنتها الولايات المتحدة على إيران ألحقت أضراراً جسيمة بشعوب المنطقة، ولا تخدم المصلحة المشتركة للمجتمع الدولي، مشيراً إلى مبادرته الرباعية الأخيرة للحفاظ على السلام والاستقرار في الشرق الأوسط وتعزيزهما، ومعلناً أن هدف هذه المبادرة هو خفض التوتر وإنهاء الأعمال العدائية وتعزيز السلام.

ومن دون تسمية أطراف الحرب، قال شي إن على الجميع الالتزام بمسار الوصول إلى حل سياسي والعمل على تحقيق وقف شامل ودائم لإطلاق النار. وأعلن أن معالجة جذور المشكلات، وإعادة بناء الثقة المتبادلة في المنطقة، و«إنشاء هيكل أمني جديد»، أمور ضرورية في هذا الإطار.

كما وصف الرئيس الصيني القضية الفلسطينية بأنها جوهر قضية الشرق الأوسط، واعتبر تنفيذ «حل الدولتين» السبيل الأساسي لتسوية القضية وتحقيق ما وصفه بالتعايش السلمي بين إسرائيل وفلسطين.

أما ما طرحته وسائل الإعلام الناطقة بالفارسية باعتباره إعلاناً عن وساطة صينية، فهو في الواقع قراءة حرة لهذه العبارة التي قالها شي جين بينغ: «الصين مستعدة للتعاون مع أعضاء بريكس لأداء دورها المناسب في تحقيق السلام والهدوء في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج».

تكمن النقطة المهمة في فهم كلمة شي اليوم في أن هذا الموقف ليس حدثاً جديداً أو تحولاً مفاجئاً، بل يمثل نقطة ضمن «عملية تدريجية» في الدبلوماسية الصينية تجاه غرب آسيا، بدأت منذ اليوم الأول للحرب التي استمرت 12 يوماً، واستمرت حتى الساعات الماضية ولا تزال متواصلة.

وفي الواقع، فإن مواقف شي جين بينغ اليوم، بالنسبة إلى الخبراء الذين تابعوا مواقف بكين وحللوها بدقة خلال الأشهر الأخيرة، لا تحمل سوى إشارة مهمة، وعدة تأكيدات، وما وصفه هو نفسه بأنه نوع من الإعلان الريادي عن تحمل مسؤوليات العصر، وليست موقفاً جديداً لإعلان الوساطة بين إيران والولايات المتحدة.

وقد أكد عدد من الخبراء، رغم الشكوك القائمة داخل إيران، مراراً عزم الصين على الانخراط في المعادلات الإقليمية وأداء دور فاعل فيها، وشدد على ضرورة الاستفادة سريعاً من القدرات الاستثنائية لبكين لتحقيق التوازن في الظروف الإقليمية غير المتكافئة وغير المواتية.

وتبرز أهمية تعريف «معادلة ثلاثية بين طهران وعرب الخليج والصين» في هذا الإطار، إلى جانب تحديد واضح لطرح الجمهورية الإسلامية بشأن النظام الجديد في غرب آسيا خلال مرحلة القيادة الجديدة، وتحديد موقع لاعب مهم مثل الصين فيه. وهي قضية عاجلة وحساسة وضرورية، وكان من الأفضل أن تبادر الجهات المعنية الآن إلى التحرك بشأنها.

لكن النقطة المهمة التي طرحها شي قبل أيام في القاهرة خلال لقائه الرئيس عبد الفتاح السيسي، وأشار إليها أيضاً ممثل الصين في مجلس الأمن أمس، والتي لم تحظَ في إيران بالقدر الكافي من الاهتمام والتأمل، هي «المبادرة الرباعية الثانية» للرئيس الصيني بشأن منطقة الخليج والشرق الأوسط.

هذه المبادرة الرباعية الثانية لشي لا تقتصر هذه المرة، كما كانت المبادرة الرباعية الأولى، على حماية السلام والاستقرار في المنطقة وتحقيقهما، بل تتقدم بحذر خطوة إضافية نحو صياغة «هيكل أمني جديد في الشرق الأوسط» في ظل مفهوم للأمن المشترك والشامل والتشاركي والمستدام.

وبعبارة أخرى، يمكن وصف هذه المبادرة بأنها «تحول هادئ في النموذج» لدور الدبلوماسية الصينية في صياغة النظام الجديد لغرب آسيا، بعد وصول مؤامرة الولايات المتحدة والنظام الإسرائيلي لإلحاق الهزيمة بإيران وتدميرها إلى طريق مسدود.

يقول حامد وفائي، أستاذ مساعد في الدراسات الصينية في جامعة طهران، إنه هنا يُتوقع منا، بدلاً من الأخبار غير المجدية والتوقعات المتسرعة التي لا تستند إلى أساس، مثل الحديث عن الوساطة وما شابهها، أن نعمل، ولو بعد تأخير، على تحديد نقاط مشتركة عاجلة قادرة على تشكيل معادلة مع قوة بحجم بكين، وأن نطرح، بمشاركة بقية اللاعبين الإقليميين، تصوراً جديداً في هذا الفضاء المضطرب.

لكن ينبغي الانتباه مجدداً إلى أن شي لم يذهب إلى نيودلهي من أجل إيران وقضاياها، وأن النقاط المذكورة ليست سوى جزء صغير من مواقفه، وبالطبع من أهدافه في نيودلهي. والصين، باعتبارها قوة عالمية، تحمل أهدافاً أكبر من وراء هذه الزيارة، وسيكون تحليلها ودراستها متروكاً لوقت ومناسبة أخرى.

خلاصة القول، إن زيارة شي إلى الهند، التي جاءت بعد سبع سنوات، تمثل خطوة مهمة في إطار «سياسة خفض التوتر التي تنتهجها بكين» في البيئة العالمية المضطربة، ومحاولة عملية لتجنب الوقوع في «فخ أمني جديد» بعد احتواء «فخ ثوسيديدس مع أمريكا في عهد ترامب» بصورة مؤقتة، وهي زيارة استهدفت في الواقع تحقيق عدة أهداف بضربة واحدة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

11 + عشرين =

زر الذهاب إلى الأعلى