من هرمز إلى تفاهم إسلام آباد.. ماذا تريد الصين من إيران والولايات المتحدة؟
تشير تصريحات وانغ يي إلى أن الصين حددت نقطة انطلاق واضحة للخروج من الوضع الراهن، وهي تفاهم إسلام آباد.

ميدل ايست نيوز: وصل وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بكين في واحدة من أكثر مراحل الأزمة بين إيران والولايات المتحدة حساسية، وهي زيارة تكتسب أهميتها ليس فقط من طبيعة ما جرى خلف الأبواب المغلقة بين وزيري خارجية إيران والصين، وإنما قبل كل شيء من توقيتها.
فقد التقى وزير الخارجية الإيراني وانغ يي في وقت لا يزال فيه المسار الدبلوماسي بين طهران وواشنطن يواجه طريقاً مسدوداً، فيما تحول مضيق هرمز إلى واحدة من أهم عقد الحرب السياسية والاقتصادية، وتتجه الأزمة في اليمن والبحر الأحمر إلى مزيد من التوسع، بالتزامن مع استعداد واشنطن لجولة جديدة من المفاوضات مع الصين بهدف زيادة الضغط على الشبكات المالية والنفطية المرتبطة بإيران.
وما طُرح خلال هذا اللقاء تجاوز بزيارة وزير الخارجية الإيراني إطار المشاورات الثنائية المعتادة. فقد دعا وانغ يي إيران والولايات المتحدة إلى العودة إلى تفاهم إسلام آباد، والدخول في مشاورات «جدية وأساسية» بشأن القضايا المتبقية. كما دعا في الوقت نفسه إلى اتخاذ إجراءات فعالة لإعادة فتح مضيق هرمز، وحذر من أن الصين لا تريد أن ترى التوترات الإقليمية تمتد إلى اليمن والبحر الأحمر.
وبذلك وضع وزير الخارجية الصيني أربع قضايا كانت خلال الأشهر الماضية في قلب الأزمة كل على حدة، ضمن إطار واحد: العودة إلى تفاهم إسلام آباد، واستئناف المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة، وإعادة فتح هرمز، ومنع التوسع الجغرافي للحرب. وربما يكون جمع هذه المحاور الأربعة معاً أهم رسالة حملها لقاء اليوم في بكين، في إشارة إلى أن الصين تريد أن يكون لها حضور أكبر من السابق في المعادلة الدبلوماسية للأزمة، رغم أنه لا يمكن حتى الآن وصف بكين بأنها «وسيط رسمي» بين إيران والولايات المتحدة.
لماذا ذهب عراقجي إلى بكين الآن؟
تتضح أهمية زيارة عراقجي أكثر عند وضعها إلى جانب جدول الأعمال الدبلوماسي للأيام المقبلة. فمن المقرر أن يجري وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، في نهاية هذا الأسبوع، محادثات مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ. وقال بيسنت صراحة إن إيران والعلاقات المالية بين الصين وطهران ستكونان من بين موضوعات هذه المحادثات. وتأتي المفاوضات قبيل اللقاء المقرر بين دونالد ترامب وشي جين بينغ في 24 سبتمبر، رغم أن بكين لم تؤكد رسمياً هذا اللقاء حتى الآن.
وبالتالي، وصل عراقجي إلى بكين في وقت لا تريد فيه طهران وحدها التحدث مع الصينيين بشأن الملف الإيراني، إذ وضعت واشنطن الملف نفسه على طاولة مفاوضاتها مع بكين.
وصفة بكين للخروج من الأزمة
تشير تصريحات وانغ يي إلى أن الصين حددت نقطة انطلاق واضحة للخروج من الوضع الراهن، وهي تفاهم إسلام آباد.
وفي هذه النقطة، يوجد اختلاف دقيق لكنه مهم بين موقفي طهران وبكين. فإيران تربط عودة الوضع في مضيق هرمز إلى حالته الطبيعية بعودة الولايات المتحدة إلى تفاهم إسلام آباد، وتحمل واشنطن مسؤولية انهيار المسار السابق. أما الصين، فتوجه خطابها إلى الطرفين، معتبرة أن على إيران والولايات المتحدة العودة إلى التفاهم، والتفاوض بشأن القضايا المتبقية، والعمل في الوقت نفسه على إعادة فتح هرمز. ويظهر هذا الاختلاف أن بكين، رغم كونها شريكاً استراتيجياً لطهران، لا تنظر بالضرورة إلى الأزمة برمتها من الزاوية الإيرانية.
هرمز؛ حيث لا تتطابق مصالح الشريكين
وربما يكون مضيق هرمز المثال الأبرز على ذلك. فمن جهة، تربط الصين بإيران علاقات سياسية واقتصادية واسعة، وقد عارضت مراراً استخدام القوة العسكرية ضد طهران والعقوبات الأمريكية الأحادية. ومن جهة أخرى، تعتمد ثاني أكبر اقتصادات العالم على تدفق الطاقة وأمن طرق التجارة البحرية، وأي اضطراب طويل الأمد في هرمز يؤثر مباشرة في مصالحها الاقتصادية.
وقد تفاوضت طهران مع بكين في وقت تستعد فيه واشنطن أيضاً للحوار مع بكين نفسها بشأن إيران. وربما لم يتشكل حتى الآن أي «خط ساخن» أو خطة سلام جديدة، لكن مركز ثقل جانب من دبلوماسية الحرب انتقل بوضوح إلى الشرق.
ولهذا السبب، تبنت بكين منذ أشهر موقفين في آن واحد: ضرورة احترام حقوق إيران وأمنها باعتبارها دولة ساحلية على مضيق هرمز، وفي الوقت نفسه ضرورة ضمان حرية وأمن الملاحة. ويمكن لبكين أن تعارض الضغط العسكري الأمريكي على إيران، وفي الوقت نفسه تطالب طهران بإعادة فتح هرمز.
أمريكا أيضاً في طريقها إلى بكين
لكن جانباً آخر من زيارة عراقجي إلى الصين يتشكل في واشنطن. فقد كثفت إدارة ترامب خلال الأسابيع الماضية الضغوط الاقتصادية على إيران، وتركز جزء من هذه الضغوط مباشرة على الروابط المالية والتجارية بين إيران والصين. ومن المقرر أن يناقش بيسنت هذه العلاقات خلال محادثاته مع خه ليفنغ في نهاية هذا الأسبوع.
وأفادت رويترز بأن واشنطن استهدفت، في إطار حملتها الاقتصادية ضد طهران، شركات وشبكات تساعد التجارة مع إيران، كما فرضت عقوبات على بعض المصافي الصينية في هذا السياق، رغم أن الإجراءات الأمريكية ركزت حتى الآن بدرجة أكبر على الشركات الأصغر. ويضع هذا الوضع بكين في موقع يكاد يكون فريداً من نوعه.
والآن تتجه الأنظار إلى 24 سبتمبر. فإذا عُقد اللقاء المرتقب بين شي جين بينغ ودونالد ترامب، فسيكون جدول أعماله أوسع بكثير من الملف الإيراني، بدءاً من التجارة والرسوم الجمركية وصولاً إلى التكنولوجيا والتنافس الاستراتيجي بين البلدين. لكن تصريحات بيسنت تظهر أن الملف الإيراني والعلاقات المالية بين الصين وطهران سيكونان أيضاً حاضرين في محادثات الطرفين.
بكين؛ شريك أم وسيط؟
مع ذلك، لا يزال من المبكر تقديم الصين باعتبارها «وسيطاً جديداً» بين إيران والولايات المتحدة. فقد أدت بكين حتى الآن دوراً أقرب إلى تسهيل الحوار ودعم المفاوضات، فضلاً عن كونها طرفاً يمكنه التواصل مع الجانبين.
وهنا، ربما لا تكمن أهم نقطة في زيارة عراقجي في اتفاق لم يُعلن عنه اليوم في بكين، وإنما في توقيت الزيارة نفسها: فقد وصل وزير الخارجية الإيراني إلى الصين قبل دخول ملف طهران جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وبكين.
والآن يبقى السؤال: إلى أي مدى ستكون الصين مستعدة لاستخدام ثقلها الاقتصادي والسياسي لتقريب الطرفين من تفاهم إسلام آباد؟ والأهم، هل ستكون طهران وواشنطن مستعدتين لاستئناف مسار التفاوض من النقطة التي يحمل كل منهما الطرف الآخر مسؤولية انهيارها؟



