أزمة زواج في إيران… أكثر من 17 مليون عازب وارتفاع قياسي في العزوبية النهائية

تشير أحدث البيانات المنشورة بشأن وضع الزواج في إيران إلى تغير ملحوظ في نمط تكوين الأسرة، وهو تغير لم يعد من الممكن تفسيره بمجرد ارتفاع سن الزواج خلال السنوات الأخيرة أو تأجيل تكوين الأسرة بصورة مؤقتة.

ميدل ايست نيوز: تشير أحدث البيانات المنشورة بشأن وضع الزواج في إيران إلى تغير ملحوظ في نمط تكوين الأسرة، وهو تغير لم يعد من الممكن تفسيره بمجرد ارتفاع سن الزواج خلال السنوات الأخيرة أو تأجيل تكوين الأسرة بصورة مؤقتة. فارتفاع أعداد الأشخاص في منتصف العمر الذين لم يتزوجوا، وتزايد ظاهرة العزوبية النهائية، بالتزامن مع الانخفاض المستمر في أعداد المواليد، ترسم صورة لتحول اجتماعي وديموغرافي أعمق.

وتظهر دراسة الإحصاءات المنشورة خلال النصف الأول من عام 2026 أن عدد العازبين في سن الزواج في إيران تجاوز 17 مليونًا و200 ألف شخص، من بينهم نحو 12 مليونًا و800 ألف شخص لا يزالون ضمن الفئة العمرية المعتادة للزواج والإنجاب، أي دون سن 45 عامًا. وفي الوقت نفسه، بلغ معدل العزوبية النهائية، التي تُعرّف بأنها تجاوز سن الخمسين من دون الزواج ولو مرة واحدة، نحو 14% بين النساء ونحو 4.5% بين الرجال. وبمقارنة هذه الأرقام بمعدل بلغ نحو 1.1% في التعداد السكاني لعام 1986، يتضح حجم الارتفاع غير المسبوق تقريبًا الذي شهدته الظاهرة خلال العقود الأخيرة.

وتحمل هذه الأرقام مجتمعة دلالة تتجاوز مجرد ارتفاع سن الزواج. فجزء من السكان الذين كانوا في العقود الماضية يؤجلون الزواج فحسب، قد يخرج الآن بصورة نهائية من دائرة الزواج. وبعبارة أخرى، فإن «التأخر في الزواج» يتحول لدى شريحة من المجتمع إلى «عدم الزواج».

وتحمل مجمل هذه البيانات رسالة مشتركة، مفادها أن الأسرة في إيران تواجه تغيرًا هيكليًا، وأن الزواج لم يعد بالنسبة إلى فئة من المجتمع تلك المرحلة شبه الحتمية من حياة البالغين التي كانت الأجيال السابقة تنظر إليها على هذا النحو.

ولا تقتصر ظاهرة العزوبية في إيران على طهران أو المدن الكبرى، إذ تظهر البيانات الجغرافية اختلاف شكل الظاهرة وحدتها من محافظة إلى أخرى. وأظهرت دراسة استندت إلى بيانات السجل المدني والتعداد السكاني أن طهران وإيلام وفارس والبرز وكهكيلويه وبوير أحمد تأتي ضمن المحافظات التي تسجل أعلى متوسطات لسن الزواج، في حين تقع سيستان وبلوشستان ومحافظات خراسان الجنوبية والشمالية والرضوية في الطرف الآخر من القائمة.

ويكشف هذا التباين الجغرافي عن نقطة مهمة، وهي أن ارتفاع سن الزواج ليس بالضرورة نتيجة للتنمية الاقتصادية. فطهران والبرز من جهة، وإيلام وكهكيلويه وبوير أحمد من جهة أخرى، وعلى الرغم من الاختلافات الكبيرة في مؤشرات التنمية بينها، تقع جميعها ضمن مجموعة المحافظات ذات سن الزواج المرتفع. وبالتالي، تؤثر في معدلات الزواج في المناطق المختلفة تركيبات متفاوتة من البطالة والهجرة والبنية الثقافية والتعليم والدخل والتوزيع السكاني بين النساء والرجال.

اقتصاد الزواج.. حلم تأمين الحد الأدنى من مقومات الحياة

إلى جانب التحولات الثقافية والجيلية، ربما ينبغي البحث عن أهم المتغيرات المفسرة لتراجع الزواج في الاقتصاد. فما زال الزواج في إيران مرتبطًا على نطاق واسع بتكوين أسرة مستقلة وتأمين السكن وتوفير حد أدنى من الدخل المستقر. وفي هذه المجالات الثلاثة تحديدًا، واجه جيل الشباب خلال السنوات الأخيرة واحدة من أصعب الفترات الاقتصادية التي شهدتها البلاد منذ عقود.

وتشير بعض التقارير إلى أن الحد الأدنى من رأس المال المالي اللازم لبدء حياة مشتركة يقترب من نصف مليار تومان، ويشمل تكاليف مراسم الزواج، وشراء المستلزمات الأساسية لبدء الحياة، وتأمين تكاليف استئجار المسكن.

ويقدم سوق العمل نموذجًا واضحًا على ذلك. فقد يكون معدل البطالة الإجمالي في خانة الأرقام الأحادية وفق الإحصاءات الرسمية، لكن وضع الشباب مختلف. وبحسب بيانات مركز الإحصاء الإيراني، بلغ معدل البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عامًا 23.4% في ربيع 2026، أي أن 23.4% من القوى العاملة ضمن هذه الفئة العمرية كانوا عاطلين عن العمل، بزيادة قدرها 3.7% مقارنة بالفصل نفسه من العام السابق، أي ربيع 2025.

كما تُظهر إحصاءات البطالة للفئة العمرية بين 18 و35 عامًا أن 17.5% من السكان النشطين اقتصاديًا ضمن هذه الفئة كانوا عاطلين عن العمل في ربيع 2025. وفي الوقت نفسه، تُظهر التغيرات الفصلية في معدل بطالة هذه الفئة أن المعدل ارتفع بنسبة 3% مقارنة بربيع 2025.

وحتى الحصول على وظيفة لا يعني بالضرورة توافر الأمن الاقتصادي اللازم للزواج. فقد أدت الوظائف المؤقتة والعقود قصيرة الأجل والأجور التي لم تواكب التضخم، إلى جانب ارتفاع تكاليف الغذاء والنقل والخدمات، إلى جعل شريحة كبيرة من الشباب العاملين غير قادرة أيضًا على التخطيط على المدى الطويل.

ومن هنا، لا يمكن اعتبار عزوبية جزء من المجتمع مجرد نتيجة لـ«تغير نمط الحياة». فنمط الحياة لا يتشكل في فراغ. فإذا ظل السكن والعمل المستقر والحد الأدنى من الأمان المالي خارج متناول الأفراد لسنوات طويلة، فإن المجتمع يبدأ تدريجيًا في تكييف سلوكه مع هذا الواقع. في البداية يقول الشاب: «لا أملك حاليًا الظروف المناسبة للزواج»، وبعد سنوات قد يقول: «الزواج ليس أولوية بالنسبة لي»، وفي النهاية يتحول البقاء عازبًا إلى نمط حياة اعتيادي بالنسبة إليه.

ولهذا السبب، يمكن اعتبار ارتفاع معدل العزوبية النهائية أحد المؤشرات الاجتماعية على أزمة طويلة الأمد في القدرة الشرائية أيضًا.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

15 − سبعة =

زر الذهاب إلى الأعلى