ساعة الصفر المالية: معركة العراق الجديدة لإنقاذ الخزينة المفلسة

بعد سنوات من بقاء الإيرادات النفطية المصدر شبه الوحيد لتمويل الدولة العراقية، تبدو الحكومة أمام محاولة جديدة لإعادة ترتيب مصادر الدخل.

ميدل ايست نيوز: بعد سنوات من بقاء الإيرادات النفطية المصدر شبه الوحيد لتمويل الدولة العراقية، تبدو الحكومة أمام محاولة جديدة لإعادة ترتيب مصادر الدخل، عبر البحث عن موارد ظلت خارج الحسابات أو لم تستثمر بالشكل الكافي، من المنافذ الحدودية والكمارك إلى الضرائب والرسوم وقطاعات الكهرباء والطاقة، خصوصاً مع اشتداد الأزمة المالية خلال الفترة الأخيرة والتلكؤ الذي رافق توزيع رواتب الموظفين، وما أثاره ذلك من مخاوف بشأن قدرة الدولة على تأمين التزاماتها المالية في ظل تراجع الإيرادات النفطية، لتدفع هذه الضغوط بغداد إلى البحث عن بدائل قادرة على توفير إيرادات أكثر استقراراً، مع تجنب تحميل الفئات محدودة الدخل أعباء إضافية.

تحسين الإيرادات

ويقول مصدر نيابي مطلع لـ”العالم الجديد” إن “الاجتماع الأخير للجنة المالية مع رئيس الوزراء علي الزيدي شهد نقاشات موسعة بشأن خطة الحكومة لتنويع الإيرادات العامة وتقليل الاعتماد على النفط”، مبيناً أن “النقاش لم يقتصر على ملف المنافذ الحدودية والكمارك، وإنما امتد إلى مراجعة مجمل الموارد التي يمكن للدولة تفعيلها خلال المرحلة المقبلة”.

ويوضح المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن اسمه، أن “الاجتماع تطرق إلى إعادة النظر في عدد من الرسوم والإيرادات المعطلة أو ضعيفة التحصيل، إلى جانب بحث إمكانية فرض رسوم جديدة على بعض الخدمات والقطاعات، بينها الكهرباء والطاقة، مع وضع ضوابط تضمن عدم انعكاسها بشكل مباشر على الطبقات الفقيرة وذوي الدخل المحدود”، مضيفاً أن “الزيدي ناقش كذلك أهمية توسيع الوعاء الضريبي، وملاحقة التهرب الضريبي، وتحسين جباية الضرائب والرسوم، وربط المؤسسات إلكترونياً لتقليل التسرب المالي”.

توسيع الضرائب

ويؤكد المصدر النيابي، أن “اللجنة المالية شددت خلال الاجتماع على ضرورة أن تكون أي زيادة في الرسوم أو الضرائب مدروسة ومتصلة بمستوى دخل المواطن وقدرته على تحملها، مع إعطاء الأولوية لتحصيل الأموال المهدرة ومكافحة التهرب والفساد قبل الذهاب إلى فرض أعباء مالية جديدة على المواطنين”.

وتشير البيانات الحكومية إلى أن إيرادات المنافذ والكمارك شهدت ارتفاعاً خلال العام الحالي، إذ بلغت إيرادات الهيئة العامة للكمارك نحو 1.462 تريليون دينار خلال الأشهر الخمسة الأولى من 2026، فيما أعلنت هيئة المنافذ الحدودية تسجيل نحو 1.290 تريليون دينار خلال المدة نفسها، في مؤشر على ارتفاع التدفقات المالية المتحققة من حركة التجارة عبر المنافذ العراقية، إلا أن هذه الأرقام لا تزال تمثل جزءاً محدوداً من إجمالي الإيرادات العامة للدولة، مقارنة بحجم النشاط التجاري والاستيرادي الذي يمر عبر البلاد.

ولا يقتصر مسار الأتمتة على المنافذ الخاضعة للحكومة الاتحادية، إذ تتجه بغداد إلى توحيد الإجراءات الكمركية مع منافذ إقليم كردستان، في محاولة لإنهاء الفوارق في آليات احتساب الرسوم والضرائب بين المنافذ، وسط تأكيد حكومي بأن توحيد النظام الكمركي يمكن أن يرفع الإيرادات ويغلق إحدى الثغرات التي تسمح بوجود تفاوت في التعامل مع البضائع الداخلة إلى السوق العراقية.

إصلاح كمركي

من جانبه، يقول الخبير الاقتصادي علي دعدوش إن “العراق يستطيع خلال سنة مالية واحدة رفع الإيرادات غير النفطية والإيرادات الإنتاجية بشكل ملموس، لكن السقف الواقعي في الأجل القصير يتمثل بزيادة تتراوح بين 15 و25 بالمئة، بما يرفعها إلى مستويات تتراوح بين 12.5 و13 تريليون دينار وصولاً إلى نحو 16 تريليون دينار، وذلك في حال تحسين تحصيل الضرائب والكمارك والرسوم وتوسيع قاعدة المكلفين”.

ويضيف، أن “الإيرادات غير النفطية في العراق ما تزال منخفضة جداً، إذ تشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أنها تعادل نحو 3.6 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2025، وبالتالي فإن الوصول إلى زيادة أكبر تتراوح بين 30 و50 بالمئة وتحويل الإيرادات غير النفطية إلى مصدر مالي مستقر ومستدام، يحتاج إلى إصلاح ضريبي وكمركي ورقمنة الإدارة المالية ومكافحة التهرب الضريبي، فضلاً عن توسيع الوعاء الضريبي على مدى 3 إلى 5 سنوات”.

ويرى دعدوش، أن “المطلوب حالياً ليس الانتظار لسنوات من أجل زيادة الإيرادات غير النفطية، وإنما المضي نحو قفزة تحصيلية خلال السنة الأولى، على أن يتبعها إصلاح هيكلي تدريجي خلال السنوات المقبلة، بما يسمح للدولة بزيادة مواردها الداخلية بصورة مستدامة”.

ومع تعطل تصدير النفط عبر مضيق هرمز، دخل العراق في مرحلة انكشاف مالي واضحة، بعدما كشفت الأزمة حجم الاعتماد الكبير للموازنة على الإيرادات النفطية، بالتزامن مع تأخر صرف رواتب الموظفين خلال الفترة الماضية بنحو 10 إلى 15 يوماً، الأمر الذي عزز المخاوف بشأن قدرة الحكومة على تأمين نفقاتها الأساسية في حال استمرار اضطراب الصادرات النفطية، ودفع باتجاه تسريع البحث عن موارد بديلة يمكن تحصيلها من داخل الاقتصاد، ولا سيما المنافذ والكمارك والضرائب والرسوم وقطاعات الطاقة.

الهروب نحو القروض

لكن رغم حديث خبراء الاقتصاد عن فرص مواتية أمام الحكومة لتفعيل الإيرادات غير النفطية وتعزيز موارد الدولة من المنافذ والكمارك والضرائب والرسوم، تترقب الأوساط السياسية والاقتصادية إقرار قانون الاقتراض الذي تعتزم الحكومة اللجوء إليه لتأمين احتياجاتها المالية، وسط تقديرات بأن يتيح القانون الاقتراض من الخارج بنحو 10 إلى 15 مليار دولار، ما من شأنه رفع حجم الدين الخارجي للعراق إلى مستويات تقارب 30 مليار دولار، ويعيد في الوقت ذاته الجدل بشأن قدرة الدولة على معالجة أزمتها المالية عبر تنمية مواردها الداخلية بدلاً من زيادة الاعتماد على الاقتراض.

إدارة الموارد

من جهته، يقول الخبير الاقتصادي عبدالسلام حسن، إن “مشكلة العراق لا تتعلق بعدم وجود الموارد، وإنما بطريقة إدارة هذه الموارد، فالدولة تمتلك منافذ حدودية وقطاعات اقتصادية قادرة على توفير إيرادات كبيرة، لكن غياب الرقابة الاقتصادية والتخصص وضعف المحاسبة أدى إلى استمرار الهدر وعدم الاستفادة من الإمكانات الموجودة”.

ويضيف، أن “اللجوء إلى الاقتراض الخارجي لتغطية العجز المالي قد يوفر للحكومة مساحة مؤقتة لمعالجة بعض الالتزامات، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن إصلاح منظومة الإيرادات الداخلية، لأن زيادة الديون من دون زيادة موارد الدولة ستبقي المشكلة قائمة وتضيف أعباء مالية جديدة على الموازنات المقبلة”.

رقابة حقيقية

وينبه حسن إلى أن “العراق بحاجة إلى جهة رقابية اقتصادية حقيقية تعمل بصورة مستقلة عن المؤسسات التي تقوم بالتحصيل والإنفاق، مع تفعيل دور القضاء والأجهزة الرقابية والأمن الاقتصادي، لأن مكافحة الفساد والهدر في الموارد يمكن أن توفر للدولة أموالاً كبيرة قبل التفكير بزيادة الضرائب أو فرض رسوم جديدة على المواطنين”.

ويبين، أن “الحكومة إذا أرادت بناء إيرادات مستقرة فعليها أن تبدأ من الداخل، عبر معرفة حجم الموارد الموجودة فعلياً في المنافذ والوزارات والقطاعات المختلفة، وتحديد الأموال التي تضيع بسبب الفساد أو ضعف التحصيل، وبعدها يمكن الحديث عن الاقتراض باعتباره أداة مساندة وليس مصدراً دائماً لتمويل الدولة”.

وقد أثار وزير الصحة عبد الحسين الموسوي، جدلاً واسعاً في أواخر تموز يوليو الماضي، عندما أكد أن البلاد تواجه أزمة سيولة خانقة، وأن الحكومة تحتاج إلى نحو 10.8 تريليونات دينار شهرياً لتأمين الرواتب، فيما أقرت الحكومة لاحقاً، على لسان متحدثها الرسمي، بوجود ضغط مالي وسيولة محدودة تؤثر في انتظام تمويل الالتزامات.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
العالم الجديد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تسعة + سبعة عشر =

زر الذهاب إلى الأعلى