الصحافة الإيرانية: هل انتهت صلاحية مضيق هرمز؟

يرى محللون أن ورقة مضيق هرمز كانت لها «صلاحية» محددة، وأنها بدأت تفقد فاعليتها بسبب سوء إدارة المتشددين وعدم استثمارها على طاولة المفاوضات.

ميدل ايست نيوز: توشك الجغرافيا السياسية لمنطقة الخليج على تحول غير مسبوق. فبعد أن ظل مضيق هرمز لعقود يُعرف بأنه «شريان الطاقة الحيوي للعالم» وأبرز أدوات إيران للمساومة في مواجهة الغرب، تشير تقارير ميدانية الآن إلى تغير في موازين القوى في هذا الممر المائي الاستراتيجي. كشف موقع أكسيوس في تقرير له أن الجيش الأمريكي أنشأ سرًا، بالاستعانة بوحدات هندسية قتالية، ممرًا بحريًا جديدًا في الجانب الجنوبي من مضيق هرمز. يقع هذا المسار بمحاذاة السواحل العمانية، وصُمم بطريقة تحد عمليًا من الوظيفة التقليدية لمضيق هرمز، وتخفض ورقة الضغط الإيرانية المتمثلة في إغلاق هذا الممر المائي إلى أدنى مستوياتها التاريخية. لا يمثل هذا التطور تحولًا تكتيكيًا فحسب، بل إعادة ترتيب استراتيجية لخريطة الطاقة العالمية، من شأنها التأثير في المكانة الجيوسياسية لإيران لعقود مقبلة.

كيف نشأ الممر الجنوبي؟

يقول طهمورث كيلاني، الخبير في الشؤون السياسية، في مقال لصحیفة توسعه إيراني، إن تفاصيل العملية تظهر أن الأمريكيين عملوا خلال الأشهر الأخيرة عبر سفن متخصصة على إزالة الصخور والعوائق الطبيعية تحت المياه في المسار الجنوبي لمضيق هرمز. كان هذا الإجراء الفني يبدو مستحيلًا في السابق بسبب انخفاض عمق المياه والطبيعة الصخرية للسواحل العمانية، لكنه أتاح الآن مسارًا واسعًا وآمنًا لمرور ناقلات النفط العملاقة في الوقت نفسه.

وبحسب تقارير نشرتها «يورو نيوز»، يزعم مسؤولون أمريكيون أن هذا الممر الجديد يستقبل حاليًا 15 إلى 20 ناقلة نفط ليلًا، تحت حماية كاملة من الدفاعات الجوية ومنظومات الجيش الأمريكي، لنقل نحو 10 ملايين برميل من النفط يوميًا إلى الأسواق العالمية. يعادل هذا الرقم نصف حجم صادرات المنطقة قبل اندلاع التوترات، ما يمثل، وفق هذه الرواية، نجاحًا استراتيجيًا لواشنطن في تحييد التهديدات البحرية الإيرانية. وبذلك، تعيد الولايات المتحدة رسم جغرافيا المضيق لمصلحتها، وتقلل إلى أدنى حد الاعتماد على أمن الطاقة في الجانب الشمالي من المضيق الخاضع للمراقبة الإيرانية.

وقال مسؤول أمريكي رفيع مطلع بشكل مباشر على العملية لـ«آكسيوس» إن إدارة هذا الممر تقع بالكامل تحت سيطرة القوات الأمريكية. وأشار إلى أن العملية تُدار من مقر الجيش في «فورت براغ» بولاية كارولاينا الشمالية، مؤكدًا أنه رغم احتمال قيام القوات الإيرانية بمضايقات متفرقة، فإن السيطرة الأساسية على المضيق لم تعد في أيديها.

وزعم المسؤول أن حملة القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم» خلال الأسابيع الأخيرة أضعفت بشدة القدرات الرادارية ومنظومات المراقبة البحرية الإيرانية، وأن طهران لا تملك حاليًا سوى قدرة محدودة على مراقبة المسار الذي تعبره ناقلات النفط تحت حماية مقاتلات «إف-35» ومنظومات مضادة للصواريخ، وذلك عبر زوارق سريعة.

يشير هذا التحليل إلى أن التفوق العسكري في مضيق هرمز انتقل من مرحلة «السيطرة المادية على الممر المائي» إلى مرحلة «تأمين ممرات مخصصة».

استراتيجية الخنق التدريجي

سياسيًا، تغيرت لهجة المسؤولين في واشنطن بصورة لافتة. فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، في تصريحات حظيت بتداول واسع على منصة «تروث سوشال»، أنه لا تجري أي مفاوضات مع الجمهورية الإسلامية ولا توجد خطط لإجرائها.

وقال ترامب إن «المضيق في أيدينا ونحن نسيطر عليه بالكامل»، زاعمًا أن الحصار البحري على إيران مستمر بكل قوته، وأن الألغام البحرية أزيلت بالكامل. وأكد في حديثه إلى «آكسيوس» أنه أصدر أمرًا بوقف المفاوضات، وأنه يتجه نحو استراتيجية «الخنق التدريجي».

وبحسب ترامب، فإن الاستقرار الحالي في أسواق الطاقة وتسجيل مؤشرات الأسهم الأمريكية مستويات قياسية ألغيا حاجة واشنطن إلى التوصل إلى اتفاق عاجل مع إيران. ويشير هذا التحول في النهج إلى أن البيت الأبيض خلص إلى أن الوقت يعمل لمصلحته وعلى حساب الاقتصاد الإيراني.

وفي الوقت نفسه، زعم نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس، بلهجة حادة، أن الضغوط الاقتصادية الناجمة عن هذا الحصار ستغير حسابات طهران. واعتبر فانس أن إيران عالقة الآن بين خيارين، هما «الانهيار الدائم للاقتصاد» أو «الاستسلام للمطالب الغربية».

وزعم أن الأسابيع الأخيرة أثبتت أن الإيرانيين شعروا بالضغط بدرجة أكبر بكثير من الغرب، وأن قدراتهم العسكرية التقليدية تعرضت لأضرار جسيمة جراء الهجمات الدقيقة.

وتأتي هذه التصريحات في إطار القول إن واشنطن لم تعد بحاجة إلى خوض مواجهة عسكرية مباشرة، وأنها تمضي في تحقيق أهدافها باستخدام أداتي «الحرب الاقتصادية» و«تجاوز الجغرافيا». في المقابل، يحذر محللون من أن الإصرار على المواقف المتشددة في الداخل الإيراني لن يؤدي إلا إلى تسريع مسار «الخنق» هذا، وإهدار الفرص الدبلوماسية واحدة تلو الأخرى.

عقدة لا تُحل بالأسنان

في الداخل الإيراني، قوبلت هذه التطورات بردود فعل متباينة. من بين الأخبار المتداولة هذه الأيام برز احتمال إنشاء دول عربية خطوط أنابيب بديلة لنقل النفط.

وفي هذا السياق، قال نائب رئيس البرلمان الإيراني حميد رضا حاجي بابائي: «لا يحق لدول الخليج إنشاء خطوط أنابيب داخل أراضيها. وأي دولة تمد خط أنابيب في أراضيها تعلن الحرب علينا!».

لكن محللين دوليين بارزين يحذرون من تداعيات هذا النوع من التفكير. إذ يرى خبير الشؤون الدولية رحمن قهرمان بور أن الولايات المتحدة غيرت قواعد اللعبة عمليًا باستخدام سفن صغيرة ونقل النفط في المياه الإقليمية لعُمان والإمارات.

وقال: «في عالم اليوم، الدبلوماسية تعني الأخذ والعطاء، لكن الدبلوماسية في هذا البلد أصبحت أمرًا مرفوضًا». ويعتبر أن النظرة التي تتعامل مع أي نشاط للبنية التحتية لدى دول الجوار باعتباره تهديدًا ليست واقعية فحسب، بل تضع إيران في مواجهة مع المنطقة بأسرها.

كما حذر الناشط الإعلامي علي قلهكي، في مقال، من مسألة «فقدان ورقة مضيق هرمز لقيمتها». وكتب: «كتبت سابقًا أن الأمريكيين استخدموا سفنًا خاصة لإزالة الصخور الحادة والمزعجة في المسار الجنوبي لمضيق هرمز، أي في عُمان، لتمهيد طريق مرور السفن في ذلك الممر. إن نقل النفط بهدوء عبر المسار الجنوبي لمضيق هرمز من جانب الولايات المتحدة سيؤدي إلى فقدان المضيق قيمته كورقة ضغط؛ وإذا استمر هذا الأمر، فلن ترفع أمريكا الحصار، ولن تلغي أي عقوبات، ولن تُفرج عن أي أموال!».

ويرى محللون أن ورقة مضيق هرمز كانت لها «صلاحية» محددة، وأنها بدأت تفقد فاعليتها بسبب سوء إدارة المتشددين وعدم استثمارها على طاولة المفاوضات. يعتقد هؤلاء أن أفكار فرض رسوم على السفن أو الإغلاق المادي للمضيق تحولت الآن إلى أفكار مهملة لم يعد لها مشترٍ في سوق القوة العالمية.

منافسة إقليمية لإزالة مضيق هرمز من خريطة الطاقة العالمية

وتظهر تقارير اقتصادية أن دول الخليج تعمل بسرعة لافتة على تنفيذ مشاريع بديلة لمضيق هرمز. فالسعودية تعمل على تفعيل خط أنابيب الشرق والغرب، بينما تعمل الإمارات على تطوير ميناء الفجيرة، بهدف تقليل اعتمادها على المضيق. كما أطلقت العراق والكويت والأردن مشاريع مشتركة لنقل النفط إلى البحر الأحمر.

ورغم أن خبراء مثل توم سونغ ورامانان كريشنامورتي يرون أن استبدال الطاقة الاستيعابية الكاملة لمضيق هرمز، البالغة 21 مليون برميل يوميًا، غير ممكن على المدى القصير، فإن إنشاء الولايات المتحدة للممر الجنوبي باعتباره «مسارًا طارئًا مستدامًا» نجح في تحييد الصدمة الناجمة عن احتمال إغلاق المضيق.

وتعني هذه المشاريع أن توافقًا إقليميًا وعالميًا على «تحييد مضيق هرمز أمنيًا» ونقل الاهتمام إلى المسارات البديلة بدأ يتشكل.

وتكمن أهمية أخرى في أن بيانات شركة «كبلر» لتتبع السفن تظهر انخفاض حركة المرور الرسمية عبر المضيق بصورة حادة. وبينما ترى بعض الأوساط الداخلية أن هذا الأمر يعكس قوة إيران في إغلاق المضيق، يحذر محللون من أن ذلك يمثل «تبسيطًا خطيرًا».

في الحقيقة، بحسب هذه التحليلات، أن ناقلات النفط تعبر الممر الجنوبي تحت حماية الجيش الأمريكي بعد إيقاف أنظمة التعريف الخاصة بها. ويؤكد استقرار أسعار النفط دون 100 دولار وانخفاض أسعار البنزين في الولايات المتحدة أن تدفق الطاقة، خلافًا لما تروجه بعض الأوساط الداخلية، لم يتوقف، وإنما «غيّر مساره» فقط.

ويكشف هذا التباين بين واقع السوق والتصريحات الإعلامية عن أزمة في الفهم الصحيح لمعادلات القوة العالمية، قد تفرض تكاليف باهظة على الاقتصاد الوطني.

ضرورة العودة إلى طاولة التدبير والواقعية

الوضع الحالي هو نتيجة حسابات استراتيجية خاطئة من جانب من اعتقدوا أن التهديد بإغلاق مضيق هرمز يمكن أن يركع العالم. واليوم، لا يقتصر الأمر على أن المضيق لم يُغلق بالكامل، بل جرى إنشاء مسار بديل تحت إدارة الطرف المنافس.

ويشير الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، وقطع العلاقات التجارية مع الإمارات، وتراجع مشتريات الصين من النفط، إلى أن «المرونة الاقتصادية» للبلاد في مواجهة «استراتيجية الخنق» الأمريكية تتعرض لضغوط شديدة.

كما أن الغرور غير المبرر في عدم استثمار الإمكانات الدبلوماسية مع قوى مثل الصين وروسيا لتحييد الحصار وضع البلاد الآن أمام واقع بدأت فيه حتى الدول الصديقة تقليديًا إعادة النظر في علاقاتها معها.

وعلى من زعموا أن إغلاق المضيق سيؤدي إلى انهيار الاقتصاد الأمريكي أن يفسروا الآن المستويات القياسية التاريخية التي سجلتها بورصة نيويورك وانخفاض التضخم في واشنطن.

الحقيقة المريرة هي أن إيران لم تتمكن من استخدام ورقتها الرابحة في الوقت المناسب، وتواجه الآن خطر التحول إلى لاعب هامشي في جغرافيا الطاقة. وإذا استمر هذا المسار، فلن تفقد إيران أداة الضغط العسكرية فحسب، بل سيتحول موقفها في أي مفاوضات مستقبلية محتملة من «موقف قوة» إلى «موقف أضعف».

لا سبيل للخروج من هذا الوضع سوى تجاوز الشعارات الانفعالية، والتخلي عن الاستشارات الخاطئة للمتشددين، والعودة إلى مسار دبلوماسي نشط وذكي، قبل أن يحول الممر الجنوبي العماني مضيق هرمز إلى مجرد ذكرى في تاريخ الطاقة إلى الأبد.

على المستفيدين من العقوبات ودعاة الحرب أن يدركوا أن عقدة لا يمكن فتحها بالأسنان لا تُحل إلا بأطراف أصابع الحكمة والدبلوماسية.

اقرأ ايضا

صحيفة كيهان الإيرانية تدعو للتخلي عن الدبلوماسية وتطالب بكسر الحصار البحري بالقوة

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

1 × 3 =

زر الذهاب إلى الأعلى