الصحافة الإيرانية: تداعيات الاتفاق النووي بين الولايات المتحدة والسعودية
يمكن النظر إلى التعاون النووي مع السعودية باعتباره جزءًا من جهود الولايات المتحدة للحفاظ على نفوذها في المنطقة وترسيخ علاقاتها الاستراتيجية مع الرياض.

ميدل ايست نيوز: وقّع وزير الطاقة الأمريكي ونظيره السعودي، في 22 يوليو 2026، اتفاقية للتعاون النووي المدني تُعرف باسم «اتفاقية 123»، في خطوة قد تعيد، رغم الغموض القانوني والسياسي المحيط بها، تشكيل المعايير السابقة لعدم الانتشار النووي في غرب آسيا، وتزيد حدة المنافسة النووية وتدفعها إلى مرحلة جديدة.
الإطار القانوني والشروط السياسية للاتفاق
يقول كيانوش شاهرودي، وهو خبير في الشؤون النووية، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إن هذا الاتفاق، الذي يمتد لـ30 عامًا، يوفر إطارًا قانونيًا لمشاركة الشركات الأمريكية في تطوير الصناعة النووية السعودية. إلا أن دونالد ترامب أعلن بعد يوم واحد أن تنفيذ الاتفاق سيكون مشروطًا بانضمام الرياض إلى «اتفاقيات إبراهيم» وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، وهو شرط لم يرد في النص المعلن للاتفاق، فيما ربطت السعودية تحقيقه بإحراز تقدم على طريق إقامة دولة فلسطينية.
يثير هذا الوضع غموضًا مهمًا بشأن العلاقة بين الالتزامات القانونية الواردة في الاتفاق والشروط السياسية اللاحقة. فالأمن والتعاون النوويان في النهج الحالي لواشنطن أصبحا مرتبطين، أكثر من أي وقت مضى، بالأولويات الجيوسياسية للولايات المتحدة، فيما لا تزال التساؤلات قائمة بشأن الآثار القانونية لموقف يُعلن عبر وسائل الإعلام على وثيقة سبق توقيعها.
التخصيب؛ مختلف عن النموذج الإماراتي
لم يُنشر النص الكامل للاتفاق بعد بشكل علني، كما توجد تقارير متباينة بشأن تفاصيل تخصيب اليورانيوم. ومع ذلك، تشير التقارير المنشورة إلى أن قضية التخصيب أصبحت إحدى أبرز نقاط الخلاف، وأن إمكانية حصول السعودية على قدرات لتخصيب اليورانيوم ضمن إطار الاتفاق كانت موضع نقاش.
وفي حال حصول السعودية على هذه القدرة، تكتسب أوجه الاختلاف بين هذا الاتفاق ونموذج الاتفاق النووي الأمريكي الإماراتي لعام 2009 أهمية خاصة، إذ تخلت الإمارات بموجب ذلك الاتفاق عن تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي. في المقابل، يرسم الإطار الجديد بين واشنطن والرياض، حتى في حال إخضاع الأنشطة النووية الحساسة لترتيبات رقابية، حدودًا مختلفة للتعاون. كما أفادت بعض التقارير بغياب بعض آليات الرقابة المعززة في الاتفاق الجديد.
وعليه، لا تتمثل القضية الرئيسية في حصول السعودية على الطاقة النووية فحسب، بل في إنشاء سابقة جديدة لطريقة تعامل الولايات المتحدة مع البرامج النووية لدول المنطقة. فالانتقال من معيار واضح نسبيًا في حالة الإمارات إلى إطار مختلف بالنسبة إلى السعودية قد يزيد الغموض الذي يكتنف معايير عدم الانتشار، ويدفع دولًا أخرى إلى التحرك في الاتجاه نفسه.
الدوافع الجيوسياسية؛ ما يتجاوز تأمين الطاقة
لا يمكن تفسير التعاون النووي بين الولايات المتحدة والسعودية بالاحتياجات الطاقية للرياض وحدها. فقد كشفت الحرب الأخيرة على إيران وتصاعد حالة عدم الاستقرار الإقليمي عن مدى تعرض حلفاء الولايات المتحدة لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وأثارت تساؤلات بشأن مصداقية المظلة الأمنية الأمريكية.
وفي ظل هذه الظروف، يمكن النظر إلى التعاون النووي مع السعودية باعتباره جزءًا من جهود الولايات المتحدة للحفاظ على نفوذها في المنطقة وترسيخ علاقاتها الاستراتيجية مع الرياض.
في المقابل، تسعى السعودية، من خلال تطوير برنامجها النووي، إلى تنويع قدراتها الاستراتيجية وتقليل اعتمادها على ضامن أمني واحد. وكان مسؤولون سعوديون قد أكدوا في وقت سابق اهتمام الرياض بتخصيب اليورانيوم، ولذلك يمكن النظر إلى اتفاق 2026 باعتباره محاولة للاستجابة لهذا المطلب ضمن إطار يخضع للإشراف الأمريكي.
ويمثل هذا النهج أيضًا ميزة لواشنطن، إذ إن تحرك السعودية نحو تخصيب اليورانيوم قد يتيح للولايات المتحدة، من خلال الحفاظ على دورها في تصميم البرنامج ونقل التكنولوجيا والرقابة عليه، قدرًا أكبر من التأثير في مسار البرنامج النووي السعودي.
المنافسة النووية؛ من غرب آسيا إلى الشرق
لا تقتصر المنافسة النووية الحالية على غرب آسيا، بل تظهر على المستوى العالمي أيضًا مؤشرات على تراجع المعايير السابقة. وأشار المعهد الألماني «SWP» في تقييم له إلى ادعاءات أمريكية بشأن احتمال إجراء الصين وروسيا تجارب نووية سرية. وقد طرحت واشنطن خلال السنوات الماضية احتمال انتهاك المعايير الدولية من خلال إجراء تجارب نووية تحت الأرض، رغم أن الأدلة المتاحة بشأن بعض هذه الحالات ليست حاسمة.
وفي الوقت نفسه، بحثت الولايات المتحدة نفسها خلال ولايتي ترامب في مناسبات عدة مسألة استئناف التجارب النووية. ومن شأن مثل هذه الخطوة، بدلًا من تعزيز موقع واشنطن، أن تزيد حوافز الصين وروسيا لتطوير قدراتهما النووية.
وفي ظل هذه الظروف، ينطوي التعاون النووي الأمريكي مع السعودية على تناقض استراتيجي؛ إذ تعرب واشنطن عن قلقها من إضعاف معايير عدم الانتشار في شرق آسيا، لكنها تواجه في غرب آسيا هذه المعايير باختبار جديد من خلال تقديم إطار مختلف للتعاون النووي مع الرياض.
شبكة كهرباء آسيان؛ توسع المنافسة إلى البنية التحتية للطاقة
امتدت المنافسة على التكنولوجيا النووية والنفوذ الجيوسياسي إلى البنية التحتية للطاقة أيضًا. فقد سلطت أزمة الطاقة الناجمة عن الاضطرابات التي طالت طرق الملاحة البحرية الضوء على مدى تعرض دول جنوب شرق آسيا للصدمات الخارجية، وزادت أهمية «شبكة كهرباء آسيان».
كما يسعى برنامج التعاون في مجال الطاقة لرابطة دول جنوب شرق آسيا «آسيان» للفترة 2026-2030 إلى تطوير التعاون الإقليمي في مجال الطاقة، والتحرك نحو مزيد من التكامل بين شبكات الكهرباء.
يمكن للطاقة النووية، إلى جانب مصادر الطاقة المتجددة، أن تؤدي دورًا في توفير إمدادات كهرباء مستقرة للمنطقة. وتمتلك كل من الصين والولايات المتحدة قدرات تكنولوجية واقتصادية كبيرة للتعاون مع دول آسيان، ولذلك يمكن أن تتحول شبكة الكهرباء الإقليمية والتعاون النووي إلى ساحة جديدة للتنافس على النفوذ.
يشير هذا الاتجاه إلى أن المنافسة النووية لم تعد مقتصرة على الأسلحة، بل امتدت أيضًا إلى التكنولوجيا والبنية التحتية للطاقة ومسارات التنمية الاقتصادية.
من جهة أخرى، يمكن أن يؤدي إنشاء قدرات نووية جديدة في منطقة غرب آسيا إلى تعقيد الحسابات الأمنية الإقليمية، ولا سيما إذا حصلت السعودية مستقبلًا على قدرة لتخصيب اليورانيوم. كما أن شرط تطبيع العلاقات بين الرياض وإسرائيل، في حال تحقيقه، قد يؤدي إلى توسيع التعاون الأمني والاستراتيجي بين الطرفين، ويؤثر في موازين القوى الإقليمية.
في المقابل، فإن إضعاف المعايير الموحدة في مجال عدم الانتشار قد يزيد تعقيد البيئة الدبلوماسية المحيطة بالبرنامج النووي الإيراني، إذ إن اختلاف طريقة تعامل الولايات المتحدة مع البرامج النووية لدول المنطقة يثير تساؤلات بشأن ازدواجية المعايير التي تتبعها واشنطن.
مع ذلك، فإن التقييم النهائي لهذه التداعيات يظل مرتبطًا بنشر النص الكامل للاتفاق، وتوضيح حدود تخصيب اليورانيوم وآليات الرقابة، وكذلك بمصير شرط انضمام السعودية إلى «اتفاقيات إبراهيم».
والأوضح في الظروف الراهنة هو أن غرب آسيا تدخل مرحلة جديدة من المنافسة على التكنولوجيا النووية، تتداخل فيها الأهداف السلمية والحسابات الأمنية وتنافس القوى بصورة أكبر من أي وقت مضى، بما قد يؤثر في التوازن الاستراتيجي للمنطقة.



