“المنبوذ الاقتصادي” يخنق العراق: ارتدادات واسعة للعقوبات الأميركية على إيران
يواجه الاقتصاد العراقي اختباراً مع تشديد الولايات المتحدة حصارها الاقتصادي على إيران تحت عنوان "المنبوذ الاقتصادي" مع توسيع دائرة العقوبات لتشمل المتعاملين مع طهران.

ميدل ايست نيوز: يواجه الاقتصاد العراقي اختباراً مع تشديد الولايات المتحدة حصارها الاقتصادي على إيران تحت عنوان “المنبوذ الاقتصادي” مع توسيع دائرة العقوبات لتشمل المتعاملين مع طهران، في وقت يرتبط البلدان بحدود برية طويلة وتبادل تجاري يتجاوز 10 مليارات دولار سنوياً، فضلاً عن اعتماد العراق على الغاز الإيراني، بكلفة تقدر بنحو 4 إلى 5 مليارات دولار سنوياً.
ويثير تضييق المنافذ التجارية والمالية أمام طهران مخاوف عراقية من ارتدادات تتجاوز التجارة الرسمية، إذ قد يدفع تراجع قدرة إيران على الوصول إلى أسواق ومصادر توريد خارجية إلى زيادة اعتمادها على دول الجوار، وفي مقدمتها العراق، لتأمين جزء من احتياجاتها من السلع، بما قد يضغط على المعروض والأسعار، ويفتح مجالاً أوسع للتهريب عبر الحدود.
وتتضاعف المخاوف مع احتمال امتداد الضغوط الأميركية إلى صادرات الطاقة الإيرانية للعراق أو آليات تسديد مستحقاتها، في ظل عدم اكتمال البدائل المحلية والخارجية القادرة حتى الآن على تعويض الغاز الإيراني بصورة فورية.
ضغوط جديدة
في السياق، أوضح المستشار المالي لرئيس الوزراء العراقي، مظهر محمد صالح، أن إجراءات تشديد العقوبات ستكون لها انعكاسات على العراق بحكم الجوار الجغرافي وحجم الترابط التجاري والاقتصادي بين البلدين، مشيراً إلى أن السوق العراقية ترتبط بحركة واسعة من المبادلات التجارية مع إيران، ما يجعل أي قيود جديدة عاملاً مؤثراً في حركة التجارة والأسواق.
وأضاف صالح، أن حجم التأثير سيتوقف على طبيعة العقوبات الجديدة ونطاق تطبيقها والقطاعات التي ستشملها، فضلاً عن آليات التعامل المالي والتجاري التي ستسمح بها، مؤكداً أهمية حماية المصالح الاقتصادية العراقية والحفاظ على سلامة تعاملات البلاد المالية والتجارية الخارجية.
وأوضح أن قطاع الطاقة يمثل أحد أكثر الملفات حساسية، في ظل اعتماد جانب من إنتاج الكهرباء العراقي على الغاز المستورد من إيران، وبالتالي فإن أي قيود إضافية تطاول صادرات الطاقة الإيرانية إلى العراق أو آليات تسديد مستحقاتها يمكن أن تفرض ضغوطاً جديدة على منظومة الكهرباء.
وأكد صالح أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب الإسراع في تنويع مصادر إمدادات الغاز، إلى جانب زيادة استثمار الغاز المحلي وتطوير البنية التحتية لاستيراد الغاز من مصادر بديلة، بما يقلل تدريجياً تعرض العراق للصدمات الخارجية ويعزز أمنه في مجال الطاقة.
تحديات مالية وتجارية
من جانبه، قال عضو اللجنة المالية في مجلس النواب العراقي، جمال كوجر، إن العراق قد يواجه عواقب اقتصادية أكبر من تلك التي تواجهها إيران في حال عدم التزام بغداد بالعقوبات الأميركية، محذراً من أن تشديد الحصار الاقتصادي على طهران يضع الاقتصاد العراقي أمام تحديات مالية وتجارية مباشرة، نظراً إلى حجم التشابك الاقتصادي بين البلدين.
وأضاف كوجر، أن المخاطر لا تقتصر على تراجع التجارة المباشرة، بل تشمل احتمال تعرض مصارف وشركات وتجار عراقيين لعقوبات ثانوية إذا دخلوا في تعاملات تعتبرها واشنطن وسيلة للالتفاف على القيود المفروضة على طهران، ما يتطلب رقابة أكبر على التحويلات المالية والتجارة والمنافذ الحدودية.
وأشار إلى أن تضييق منافذ إيران التجارية والمالية قد يدفعها إلى زيادة الاعتماد على الدول المجاورة، ومنها العراق، لتأمين جانب من احتياجات أسواقها، ما قد يزيد حركة السلع باتجاه إيران ويرفع مخاطر إعادة التصدير والتجارة غير الرسمية والتهريب عبر الحدود.
وحذر كوجر من انعكاس اتساع هذه الأنشطة على المعروض والأسعار في السوق العراقية، مؤكداً أنّ ملف الطاقة يمثل تحدياً إضافياً، إذ إن أي تشديد يطاول استيراد الغاز الإيراني أو تسديد مستحقاته سيزيد الضغوط على قطاع الكهرباء، ما يستدعي الإسراع في تأمين البدائل وتقليل الاعتماد على إيران.
توسع التهريب والضغط على الطاقة
من جانب آخر، رأى الباحث الاقتصادي علي العامري، أن أخطر ما قد يواجهه العراق خلال المرحلة المقبلة هو تحوله إلى إحدى المنافذ التي يلجأ إليها الاقتصاد الإيراني لامتصاص جانب من الضغوط المفروضة عليه، سواء عبر زيادة الطلب على السلع أو توسع التجارة غير الرسمية والتهريب.
وأوضح العامري، أن تضييق منافذ إيران التجارية والمالية قد يدفع السوق الإيرانية إلى الاعتماد بصورة أكبر على الدول المجاورة، وفي مقدمتها العراق، لتأمين جزء من احتياجاتها، ما قد يرفع حركة إعادة تصدير السلع ويؤثر في حجم المعروض داخل السوق العراقية إذا اتسعت هذه العمليات.
ولفت إلى أن الحدود البرية الطويلة بين البلدين تجعل احتمال تنامي التهريب وارداً، خصوصاً إذا اتسعت فروقات الأسعار وتزايدت القيود على التحويلات والتجارة الرسمية، في ظل وجود شبكات وأدوات اقتصادية مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني تعمل خارج القنوات التجارية والمالية الرسمية.
وأضاف العامري، أن مصدر الخطر الأكبر يبقى في قطاع الطاقة، إذ يدفع العراق نحو 4 إلى 5 مليارات دولار سنوياً مقابل الغاز الإيراني، بينما تصل إمدادات الغاز الإيراني التي يحتاجها العراق في بعض الفترات إلى قرابة 50 مليون متر مكعب يومياً.
وأكد أن امتداد العقوبات إلى هذه الإمدادات سيخلق فجوة يصعب تعويضها سريعاً، خصوصاً أن العراق ما زال عاجزاً عن توفير بدائل كافية، على الرغم من الاتفاقيات والمشاريع المعلنة، في وقت بقيت فيه مشاريع الغاز المحلي والغاز المسال والربط الإقليمي دون المستوى الذي يسمح بالاستغناء الكامل عن الغاز الإيراني.
وشدد العامري، على أن تقليل هذه المخاطر يتطلب تشديد الرقابة على المنافذ الحدودية وحركة إعادة تصدير السلع، بالتوازي مع ضبط التحويلات المالية وتسريع مشاريع استثمار الغاز المحلي، بما يحد من التهريب ويقلل اعتماد العراق على الطاقة الإيرانية.
وتأتي جولة تشديد العقوبات بعد زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي طهران نهاية يوليو/ تموز الماضي، حيث أجرى مباحثات مع الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان بحضور وفدين رفيعي المستوى ركزت في غالبيتها على الشراكة الاقتصادية بين البلدين.
وشهد اللقاء التوقيع على أربع وثائق ومذكرات تفاهم للتعاون المشترك، شملت اتفاقية للنقل البري للبضائع، ومذكرة تفاهم لإنشاء خط سكة حديد “خسروي – خانقين – بغداد” وأخرى للتوأمة بين العاصمتين طهران وبغداد، بالإضافة إلى مذكرة تفاهم في مجالات الإدارة الحكومية والتدريب والموارد البشرية.
وأعلن أمين مقر تنمية العلاقات الاقتصادية الإيرانية العراقية، حسن دانائي فر، الرقم القياسي للصادرات الايرانية إلى العراق والبالغ 12 مليار دولار ارتفاعاً من 790 مليون دولار خلال السنوات الماضية، وأكد على بدء فصل جديد في العلاقات الاقتصادية بين البلدين.



