الصحافة الإيرانية: هل رفض الصين للعقوبات الأمريكية يعزز النفوذ الجيوسياسي لإيران؟
إن تأكيد بكين الجديد على حماية مصالحها في إيران ورفضها الحازم للعقوبات الأميركية يظهر أن الصين تدرك جيداً الأبعاد الجيوسياسية لصمود إيران في مواجهة الولايات المتحدة.

ميدل ايست نيوز: بالتزامن مع بدء الحرب الاقتصادية الرسمية للولايات المتحدة ضد إيران، مع التركيز على أدوات العقوبات والعزل والضغط الاقتصادي، بات ما يكتسب أهمية متزايدة هو عدم انضمام القوى الكبرى الأخرى، ولا سيما الصين، إلى هذه السياسة.
يقول محمد مهدي مظاهري، وهو أستاذ جامعي، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية، إن الصين تحولت الآن إلى قوة اقتصادية عظمى في العالم، وهي الشريك الاقتصادي الأول لإيران وعضو مؤثر في منظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة بريكس، كما أنها عضو دائم في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. وقد اتخذت، على الأقل خلال الحرب العدوانية الأخيرة ضد إيران، موقفاً بنّاءً ومتوازناً ومسؤولاً تجاه طهران.
ومنذ يونيو/حزيران 2025 وحتى الآن، عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومين غير قانونيين على إيران وألحقتا أضراراً جسيمة بالبلاد، دعمت الصين موقف إيران في الدفاع عن أمنها وسيادتها الوطنية. واعتبرت وزارة الخارجية الصينية ومندوبها الدائم لدى الأمم المتحدة الهجمات على إيران انتهاكاً للقانون الدولي، وأدانت اغتيال المرشد الإيراني، ودعت إلى الوقف الفوري للعمليات العسكرية واستئناف الحوار.
وفي أحدث موقف رسمي لها، رفضت بكين صراحة وبحزم العقوبات الأميركية الأحادية والعابرة للحدود، وأعلنت أن علاقاتها مع إيران محددة بالكامل في إطار القانون الدولي، وأن الصين ستدافع بكل إمكاناتها عن مصالحها المشروعة في علاقاتها مع إيران.
وعلى الرغم من هذه المواقف الداعمة والموقف القانوني الصيني وأهمية هذه القوة الآسيوية بالنسبة إلى إيران، ولا سيما في ظل الحرب والعقوبات الاقتصادية، فمن الضروري إلقاء نظرة واقعية ودقيقة على مختلف أبعاد العلاقات بين البلدين، بما يسمح بتعزيز فاعلية هذه العلاقات خلال فترة الضغط والعقوبات، من خلال فهم الظروف الفعلية والملموسة بين طهران وبكين.
وترتبط الصين بإيران باتفاقية شراكة استراتيجية شاملة منذ مارس/آذار 2021. وبحسب الوثيقة التي نشرتها وزارة الخارجية الإيرانية، جرى إعداد وإقرار برنامج التعاون الشامل لمدة 25 عاماً في ثلاثة أبعاد، هي السياسي ـ الاستراتيجي والاقتصادي والثقافي:
- السياسي والاستراتيجي: تعزيز التعاون الثنائي في المنظمات الإقليمية والدولية والتفاعلات الدفاعية.
- الاقتصادي: مشاركة إيران في مشروع «حزام واحد، طريق واحد»، واستثمارات الصين في مجالات النفط والغاز والبتروكيماويات والطاقة المتجددة، وتطوير البنية التحتية للنقل والمواصلات.
- الثقافي والاجتماعي: توسيع التبادلات الجامعية والسياحية والرياضية والتعاون الإعلامي.
وإذا تجاوزنا في المرحلة الحالية، بسبب ظروف الحرب، البعد الثالث، فإنه في ما يتعلق بالبعدَين الآخرين، يمكن القول إن الصين، بوصفها عضواً دائماً في مجلس الأمن وشريكاً اقتصادياً لإيران، تقدم دعماً سياسياً لمواقف طهران في المحافل الدولية.
ومن شأن الموقف الصيني الأخير الذي يؤكد الشرعية القانونية للعلاقات مع إيران أن يشكل مظلة قانونية ـ دبلوماسية مهمة في مواجهة العقوبات الأميركية الجديدة. ومع ذلك، لا تزال بكين تتبنى حسابات حذرة في الجوانب العملية، مثل استخدام حق النقض أو التعاون الدفاعي والعسكري، كما ينفي المسؤولون الصينيون التقارير المتعلقة ببيع أسلحة ومعدات دفاعية ثقيلة إلى إيران.
وفي البعد الاقتصادي أيضاً، يشير تقرير حديث لمركز أبحاث غرفة التجارة الإيرانية إلى وجود فجوة بين الإمكانات الكامنة والواقع العملي في العلاقات بين طهران وبكين. ويُظهر تحليل البيانات الرسمية المتعلقة بحجم الاستثمارات الصينية في إيران خلال الفترة بين عامي 2005 و2025، والتي شهدت أربعة أعوام منها مرحلة ما بعد توقيع وثيقة التعاون الاستراتيجي الشامل، أن إجمالي الاستثمارات الصينية المباشرة في إيران خلال هذه الفترة الممتدة 20 عاماً لم يتجاوز سقف 4.7 مليارات دولار.
وفي المقابل، ضخت بكين خلال الفترة نفسها مئات المليارات من الدولارات في أسواق واقتصادات عدد من دول المنطقة، مثل باكستان والعراق والإمارات والسعودية. وبحسب تقرير مركز أبحاث غرفة التجارة الإيرانية، تتمثل أبرز العوامل التي حالت دون جذب الحد الأقصى من الاستثمارات الصينية في عقبات من بينها «العقوبات الدولية»، و«التحديات المصرفية والمالية الداخلية»، و«غياب المؤسسات المستقرة وضمانات الاستثمار».
وخلال فترة الحرب أيضاً، تمثلت إحدى أولويات السياسة الاقتصادية لبكين في دعم اقتصادها المحلي وحماية سوق الطاقة العالمي من الصدمات الشديدة. وبعبارة أخرى، فإن الصين، التي تأتي بعد الولايات المتحدة، التي تستهلك 19 مليون برميل يومياً، في صدارة مستهلكي النفط الخام في العالم باستهلاك يومي يبلغ 37.16 مليون برميل، تمكنت في بعض المراحل التي أعقبت الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران وإغلاق مضيق هرمز، من إدارة تأثير الصدمة على سوق النفط من خلال خفض الواردات المباشرة والسحب من مخزوناتها الاستراتيجية.
وعلى الرغم من أن بعض المحللين يرون أن هذه الإجراءات اتخذت أساساً لحماية الاقتصاد الصيني الداخلي، فإن نتيجتها الجانبية تمثلت في منع حدوث قفزة هائلة في أسعار النفط، الأمر الذي ساعد واشنطن على إدارة التداعيات الاقتصادية للحرب.
كما تسعى هذه القوة الشرقية العظمى، من خلال إطلاق طريق ملاحي جديد عبر المحيط المتجمد الشمالي، يعرف باسم «طريق الحرير الجليدي»، إلى إنشاء طرق بديلة وتجنب نقاط الضعف المرتبطة بالممرات المائية الجنوبية. وعلى الرغم من أن هذا الطريق يواجه قيوداً موسمية وبيئية، فإنه يعكس جهود بكين لتنويع طرقها التجارية.
ومع ذلك، فإن تأكيد بكين الجديد على حماية مصالحها في إيران ورفضها الحازم للعقوبات الأميركية يظهر أن الصين تدرك جيداً الأبعاد الجيوسياسية لصمود إيران في مواجهة الولايات المتحدة.
ومن جهة أخرى، لعبت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، من خلال صمودها في الدفاع عن نفسها ومنع الولايات المتحدة من تحقيق نصر سهل وسريع، دوراً محورياً في إضعاف مصداقية الولايات المتحدة ومكانتها المهيمنة، وإلحاق الضرر باحتياطاتها الاستراتيجية العسكرية والاقتصادية، باعتبارها القوة العظمى المنافسة الرئيسية للصين.
وعليه، فإن هناك حقيقة جيوسياسية لا يمكن إنكارها، وهي أنه ما دامت إيران تشكل قوة وازنة في غرب آسيا وتشغل جزءاً كبيراً من التركيز العسكري والتسليحي والمالي والدبلوماسي للولايات المتحدة، فإن واشنطن لن تكون قادرة على «التركيز الكامل على احتواء الصين في شرق آسيا» ومتابعة قضية تايوان بجدية.
وبناءً على ذلك، واستناداً إلى الموقف الصيني الحازم الأخير الرافض للعقوبات، يتعين على الجهاز الدبلوماسي الإيراني الدخول بشكل فاعل في مفاوضات مع بكين. ويظهر الموقف الصيني الجديد أن هامش المناورة التفاوضية لإيران قد اتسع؛ ولذلك ينبغي لطهران أن تدخل المفاوضات ليس بوصفها «طرفاً واقعاً تحت الضغط»، بل باعتبارها «عاملاً مؤثراً في التوازن الإقليمي».
ولا تتمثل أوراق القوة الإيرانية في هذه المفاوضات في «النفط الرخيص» و«الموقع الترانزيتي» فحسب، بل أيضاً في «قدرتها على الحفاظ على توازن القوى في الشرق الأوسط» والتحول إلى «ورقة قوية في المنافسة على الهيمنة بين الصين والولايات المتحدة».
ويمكن لإيران أن تنقل إلى بكين خلال المفاوضات رسالة مفادها أنه بعد أن رفضت الصين رسمياً العقوبات وأكدت الحفاظ على مصالحها في إيران، فمن المتوقع أن تتحول هذه المواقف السياسية إلى فرص مالية مستدامة، واستثمارات في البنية التحتية، ومشتريات مضمونة للطاقة.
ينبغي لفت انتباه بكين إلى أن تكلفة الحفاظ على إيران مستقرة وقوية بالنسبة إلى الصين ستكون أقل بكثير من التكلفة التي ستتكبدها بكين في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، بعد تحررها من الانشغال بإيران والشرق الأوسط، في منطقة المحيط الهادئ.
بالطبع، إلى جانب الاستفادة من هذه الورقة، يتمثل الحل طويل الأمد لجذب أكبر قدر ممكن من الدعم الصيني الفاعل في إطار اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الشاملة، في العمل على إعادة الاستقرار والأمن المستدام إلى البلاد، وإصلاح الهياكل المصرفية وتسهيل قوانين الاستثمار، وتطوير العلاقات التجارية والاقتصادية المتوازنة مع الشرق والغرب، وتهيئة الظروف التي تجعل وجود بكين في السوق والجغرافيا الإيرانية «ضرورة استراتيجية منخفضة المخاطر»، وليس «خياراً مرتفع التكلفة في مواجهة الولايات المتحدة».



