الصحافة الإيرانية: حلّ قسد والتحديات التي تواجه تركيا في سوريا

كشفت الهجمات المحددة والرسائل التحذيرية للكيان الصهيوني، إلى جانب هشاشة البيئة الداخلية السورية، أن حل «قسد» ليس نهاية اللعبة، بل بداية مسار استنزافي سيكون اختباراً صعباً للقدرة الاستراتيجية لتركيا على الصمود وللدبلوماسية الإقليمية التي تنتهجها.

ميدل ايست نيوز: رغم أن حلّ «قسد» يمثل مكسباً أمنياً مهماً لتركيا، فإن أنقرة لا تزال تواجه تحديات استراتيجية أخرى، في مقدمتها التوسع والعدوان الإسرائيلي، وأزمة اللاجئين، والهشاشة السياسية والأمنية التي تعاني منها سوريا.

يقول برسام محمدي، خبير في شؤون المنطقة، في مقال لموقع المجلس الاستراتيجي للعلاقات الخارجية: تسود بين الخبراء والمحللين والباحثين في شؤون المنطقة رؤية تقليدية مفادها أن حلّ قوات سوريا الديمقراطية «قسد» ومسار دمجها التدريجي أو الهيكلي في مؤسسات الدولة المركزية السورية، يمثلان انتصاراً استراتيجياً استثنائياً لأنقرة؛ إذ يرون في هذا التحول خطوة أساسية نحو تأمين الحدود الجنوبية لتركيا، واحتواء الروابط التنظيمية لهذا التيار مع حزب العمال الكردستاني «بي كي كي»، وإنهاء تهديد جيوسياسي مباشر استمر عقداً من الزمن.

وعلى الرغم من أهمية هذا التقييم من منظور التوازن العسكري وتحقيق بعض الأهداف التركية قصيرة الأمد، وتصويره في الأوساط السياسية والإعلامية التركية الداخلية على أنه إنجاز كبير في مسار حماية الوحدة الوطنية والعقيدة الأمنية للبلاد، فإن هناك في المقابل رؤية أكثر واقعية ترى أن التطورات الجارية لا تمثل نهاية أزمات أنقرة وتحدياتها الأمنية، بل بداية دخولها مرحلة أكثر تعقيداً واستنزافاً، تحكمها متغيرات يصعب التنبؤ بها في المشهد السوري بعد الحرب.

وتشكل أزمة اللاجئين، والضغوط الاقتصادية المتزايدة، والاعتماد الحتمي على شركاء متذبذبين، والهشاشة الهيكلية وأزمة شرعية الحكومة الجديدة في دمشق، وأخيراً تراجع فاعلية خطاب المحافظية الجديدة إقليمياً، منظومة من العقبات الاستراتيجية أمام تركيا. وقد وضعت هذه التحديات مجتمعة تركيا أمام وضع يمكن أن يؤدي فيه أي خطأ في الحسابات إلى إجهاض جميع مكاسبها الميدانية والدبلوماسية السابقة.

مواجهة إسرائيل وجبهة جديدة

يتمثل أهم وأبرز تحدٍ يواجه أنقرة في الظروف الراهنة في ظهور الكيان الصهيوني بوصفه لاعباً نشطاً ومتدخلاً وقادراً على الردع في المشهدين الميداني والجوي السوريين. فمن خلال مهاجمة قواعد قريبة من أنقرة، وقصف البنى التحتية، وتعميق قنوات الاتصال السرية والعلنية مع جهات كردية محلية، تقف تل أبيب عملياً في وجه الخطة الشاملة لتركيا الرامية إلى إقامة سوريا مركزية ومستقرة ومتوافقة مع محور أنقرة.

وتشير التصريحات الأخيرة لكبار المسؤولين الصهاينة إلى نشوء تعارض استراتيجي وهيكلي في المصالح بين تل أبيب وأنقرة. فقد حذر بنيامين نتنياهو صراحة من تغيير «الوضع القائم في الترتيبات الأمنية» نتيجة الوجود العسكري التركي. ووصف يحيئيل لايتر، سفير اسرائيل لدى الولايات المتحدة، الانتشار التركي الواسع في بلاد الشام بأنه تجاوز للخطوط الحمراء، فيما اعتبر غدعون ساعر، وزير خارجية اسرائيل، أن أي ترسيخ للوجود العسكري التركي وإنشاء قواعد في عمق الأراضي السورية أمر غير مقبول.

ومن وجهة نظر تل أبيب، فإن أي إزالة للقوات الكردية اللامركزية تؤدي إلى قيام سلطة وطنية متماسكة في دمشق تحت النفوذ التركي من شأنها أن تغير توازن القوى بما يتعارض مع مصالح الصهاينة. ومن هنا، أصبحت المواجهة الجوية والأمنية ضد المصالح الإقليمية لأنقرة بنداً أساسياً على أجندة تل أبيب.

الغموض التنفيذي والتحول الهيكلي وأزمة الشرعية

يتمثل التحدي الثاني أمام الجهازين الدبلوماسي والعسكري التركيين في الجانب العملي وإمكانية التحقق من مسار حل «قسد». فعلى الرغم من أن المؤسسة العسكرية التركية تنظر إلى تفكيك الهيكل الرسمي لـ«قسد» باعتباره تحولاً إيجابياً، فإن هناك شكوكاً عميقة بشأن احتمال إعادة تشكيلها هيكلياً والإبقاء على نوى قتالية مستقلة تحت مسميات أو تشكيلات شبه عسكرية جديدة أو وحدات محلية مستقلة.

ولا يمكن ضمان الأمن المستدام لتركيا بمجرد تغيير اللافتات التنظيمية، بل يتطلب ذلك القضاء الكامل على هرم القيادة المستقل، ونزع السلاح فعلياً، ودمج هذه القوات دون شروط في جيش وطني موحد؛ وهو أمر يواجه عقبات عديدة بسبب التعقيدات الجيوسياسية على الأرض.

إضافة إلى ذلك، تواجه بنية الحكم الجديدة في دمشق، التي تشكلت بدعم مباشر من أنقرة، انقسامات هوياتية وأزمة شرعية واسعة في إدارة التوترات. وقد كشفت عدم القدرة على إدارة مطالب الأقليات والطوائف الدينية والإثنية، ولا سيما في مناطق مثل السويداء وأجزاء من جنوب وغرب سوريا، مدى هشاشة البنية السياسية الناشئة. ولا يؤدي استمرار التوترات الطائفية والإثنية إلى تقويض آفاق إعادة إنتاج الاستقرار السياسي فحسب، بل يهدد أيضاً بظهور موجات جديدة من انعدام الأمن وعدم الاستقرار الاجتماعي وتدفق اللاجئين نحو الحدود التركية.

تفاقم أزمة اللاجئين واستنزاف الأسس الاقتصادية

وبعيداً عن الاعتبارات الجيوستراتيجية، تتمثل نقطة الضعف الرئيسية في السياسة الداخلية التركية في وجود أكثر من 2.24 مليون لاجئ سوري في مختلف مدن البلاد. وعلى الرغم من توجهات الحكومة في أنقرة ووعودها بتسريع عودتهم الطوعية بعد التغييرات التي شهدتها دمشق، فإن الأرقام الفعلية تشير إلى وتيرة بطيئة وغير كافية للغاية، إذ لم تعد إلى بلادها حتى الآن سوى نسبة محدودة من هذه الأعداد. ويؤدي استمرار وجودهم إلى فرض ضغوط اجتماعية وتوترات عرقية وتكاليف رفاهية كبيرة على الحكومة التركية.

وعلى الصعيد الاقتصادي، فإن إعادة إعمار الدمار الذي خلفته الحرب في سوريا، والتي تُقدّر تكلفتها وفق تقديرات دولية بما بين 216 و400 مليار دولار، تتجاوز القدرات المالية والبنية التحتية لتركيا. وفي الوقت الذي كانت أنقرة تأمل فيه أن يتيح لها أداء دور محوري في سوريا فتح الطريق أمام الوصول إلى أسواق الخليج المالية، فإن غياب الرغبة والحذر الشديد لدى العواصم العربية في ضخ استثمارات ضخمة أدى إلى تعطيل الخطط التركية، ووضع شركات المقاولات والبنية التحتية التركية أمام ضغوط مالية شديدة.

ويتمثل تحدٍ آخر أمام أنقرة في ضرورة تحقيق التوازن بين شركاء متباينين ذوي مصالح متعارضة. فتركيا مضطرة إلى التنسيق مع الآليات الإقليمية والقوى الكبرى، مثل روسيا وإيران، لإدارة الهشاشة الأمنية في سوريا، في حين تعوّل على الدول العربية لتأمين تمويل إعادة الإعمار، وتعتمد على مرونة حلف الناتو والغرب لاحتواء التوترات الجوية. وفي المقابل، تحاول النخب الحاكمة في دمشق، بالتزامن مع الاستفادة من الدعم التركي، تجنب التحول إلى ورقة تابعة لأنقرة، والعمل على ترسيخ استقلالها الدبلوماسي من خلال تحقيق التوازن مع بقية الأطراف الفاعلة في الشرق الأوسط.

ويضع هذا التداخل في المصالح تركيا أمام خطر دائم يتمثل في سوء تقدير الحسابات. فمحاولة أنقرة أداء دور يتجاوز قدراتها الهيكلية أوقعتها في وضع بالغ الخطورة. وقد كشفت الهجمات المحددة والرسائل التحذيرية للكيان الصهيوني، إلى جانب هشاشة البيئة الداخلية السورية، أن حل «قسد» ليس نهاية اللعبة، بل بداية مسار استنزافي سيكون اختباراً صعباً للقدرة الاستراتيجية لتركيا على الصمود وللدبلوماسية الإقليمية التي تنتهجها.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثمانية − 5 =

زر الذهاب إلى الأعلى