الصحافة الإيرانية: هل يتجه الحوثيون نحو تغيير موازين القوى في باب المندب؟
اليمن ليس مجرد ملف فرعي في السياسة الإقليمية الإيرانية، بل يمكن أن يتحول إلى أداة جيوسياسية مستقلة تتجاوز قيمتها بكثير حجم اليمن الاقتصادي أو العسكري.
ميدل ايست نيوز: تمثل التحولات التي شهدها الساحل الغربي لليمن خلال الأسبوع الماضي نقطة تحول في المعادلات الداخلية للبلاد ودول الخليج، والأهم في جغرافيا الشرق الأوسط، مع دخول مضيقي هرمز وباب المندب في تفاعل استراتيجي يجعلهما حلقتين حاسمتين في سلسلة الضغط على التجارة العالمية وأسواق الطاقة والاستراتيجية الحربية لواشنطن.
يقول كامران كرمي، الخبير في شؤون الخليج، في مقال لصحيفة دنياي اقتصاد، إن أهمية هذا التحول تكمن في الجغرافيا الممتدة من البحر المتوسط وقناة السويس والبحر الأحمر وخليج عدن، وصولاً إلى الخليج ومضيق هرمز؛ حيث يرتبط ميناء الحديدة الاستراتيجي بجزيرة بريم (ميون) الصغيرة، لكنها بالغة الأهمية، عند مدخل باب المندب، بما يعزز سيطرة أنصار الله على الساحل الغربي لليمن.
بصرف النظر عن سرعة التطورات والديناميكيات الداخلية في اليمن، التي بدأت في الأول من سبتمبر/أيلول على خمس جبهات هي الجوف والبيضاء ومأرب وتعز والحديدة، واكتملت في 11 سبتمبر/أيلول بسقوط آخر معاقل الحكومة المتمركزة في عدن في ذباب وشاطئ المراد، وقبل ذلك في حيس والخوخة وميناء المخا في تعز، فإن الأهم هو دور الصراع الداخلي اليمني وأثره في المعادلات الإقليمية والدولية، خصوصاً أن جزءاً كبيراً من الطاقة والتجارة العالمية يمر عبر هذه المناطق.
وبات بإمكان طهران وصنعاء التأثير بفاعلية في طرفي هذه المعادلة، واعتماد استراتيجية «الإغلاق المزدوج» عبر مضيقين رئيسيين، بما قد يمدد الميزة الجغرافية لإيران من الخليج إلى البحر الأحمر.
وتزداد أهمية هذا الأمر عند النظر إلى التحول الراهن من زاوية مثلث الطاقة والتجارة والترانزيت، إذ لم يكن باب المندب، قبل الأزمة الأخيرة، مساراً هامشياً في الاقتصاد العالمي، بل ممراً حاسماً في معادلة المضائق. ووفق بيانات الأمم المتحدة، كان نحو 8.7% من إجمالي حجم التجارة البحرية العالمية يمر عبر باب المندب في عام 2023، قبل عملية السابع من أكتوبر. وبلغت حصة السلع مثل السيارات والحاويات نحو 20%، والمنتجات النفطية 15%، والنفط الخام 13% من التجارة البحرية العالمية.
وفي قطاع الطاقة، تبدو أهمية باب المندب أكثر وضوحاً. فوفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، كان نحو 9.3 ملايين برميل يومياً من النفط الخام والمنتجات النفطية يمر عبر باب المندب في عام 2023. لكن هذا الرقم انخفض في 2024، بفعل الهجمات اليمنية وتحويل مسارات السفن، إلى نحو 4.1 ملايين برميل يومياً، وبلغ نحو 4.2 ملايين برميل يومياً خلال النصف الأول من 2025.
وبالتالي، لا يتعلق الأمر بمجرد السيطرة على مضيق، بل بالسيطرة على شريان حيوي للاقتصاد العالمي أو تهديده. وتنبع أهمية تقدم قوات أنصار الله، ولا سيما سيطرتها على جزيرة ميون أو بريم، من كون الجزيرة تقع في أضيق أجزاء باب المندب، ما يمكن أن يجعلها نقطة ارتكاز عملياتية للسيطرة على حركة الملاحة البحرية أو مراقبتها أو تهديدها.
ومن ثم، فإن استكمال التقدم، والأهم تثبيت المكاسب على الأرض، سيؤدي إلى تغيير نوعي في المعادلة القائمة في البحر الأحمر.
بين السيطرة على المضيق وتهديد الملاحة
في الوقت نفسه، يجب التمييز بين السيطرة الكاملة على المضيق والقدرة على زعزعة أمن الملاحة فيه. فبالنسبة إلى جهة غير حكومية، لا يشترط بالضرورة الاستيلاء الفعلي على باب المندب بأكمله؛ إذ يكفي رفع تكلفة العبور إلى مستوى يدفع شركات الشحن وشركات التأمين وأصحاب الشحنات إلى تغيير مساراتهم.
وهذا ما حدث بالفعل في السابق. فمع تصاعد هجمات الحوثيين، اختار جزء من حركة التجارة والطاقة، بدلاً من المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس، سلوك الطريق الأطول حول رأس الرجاء الصالح.
وفي عام 2024، ارتفع حجم النفط الذي يمر عبر رأس الرجاء الصالح إلى نحو 9.3 ملايين برميل يومياً، مقابل نحو 6.2 ملايين برميل يومياً في 2023.
وبعبارة أخرى، يستطيع لاعب إقليمي، من دون إغلاق ممر مائي رسمياً، أن يجعل استخدامه أكثر كلفة اقتصادياً. فزيادة المسافة واستهلاك الوقود ومدة الرحلة وتكاليف استئجار السفن والتأمين تؤدي في نهاية المطاف إلى ارتفاع التكلفة النهائية للسلع والطاقة.
وأكدت الأونكتاد أيضاً أن تحويل السفن مساراتها نحو طرق أطول أدى إلى زيادة مدة النقل وتكاليفه وأسعار الشحن.
قوة إيران تتجاوز الصواريخ والطائرات المسيّرة
من هذا المنظور، تتمثل إحدى نقاط الضعف الشائعة في التحليلات الأمنية المتعلقة بإيران في التركيز المفرط على عدد الصواريخ والطائرات المسيّرة أو القدرات العسكرية المباشرة لطهران. ويؤدي هذا التصور إلى التقليل من ديناميكيات البيئة المحيطة بإيران.
فقوة إيران لا تقتصر بالضرورة على قدرتها على إطلاق صاروخ بشكل مباشر، بل يظهر جزء منها في قدرتها على إنشاء شبكة من نقاط الضغط في محيطها. فمضيق هرمز جنوباً، والعراق غرباً، ولبنان شمال غرب، واليمن وباب المندب جنوب غرب، يمكن لكل منها، في ظروف مختلفة، أن يشكل جزءاً من منظومة ضغط متكاملة.
الحوثيون ليسوا مجرد وكلاء لإيران
وفي ما يتعلق بأنصار الله، ينبغي أيضاً تجنب التبسيطات الشائعة. فالحوثيون ليسوا قوة بالوكالة تتلقى أوامر خطية من طهران، بل هم لاعب يمتلك حساباته الداخلية ومصالحه السياسية وخبرته العسكرية المستقلة.
لذلك، فإن اختزال سلوكهم في أوامر صادرة من طهران مضلل بقدر تجاهل ارتباطهم الاستراتيجي بإيران. وبناءً عليه، فإن تقدير قوة إيران من دون أخذ ديناميكيات الأزمة اليمنية في الاعتبار سيبقى ناقصاً.
فاليمن ليس مجرد ملف فرعي في السياسة الإقليمية الإيرانية، بل يمكن أن يتحول إلى أداة جيوسياسية مستقلة تتجاوز قيمتها بكثير حجم اليمن الاقتصادي أو العسكري.
من حرب على إيران إلى صراع على التجارة العالمية
ومن هذه الزاوية تكتسب التطورات في اليمن أهمية مضاعفة في جغرافيا الحرب الأميركية على إيران. ففي المسار الذي أفضى إلى الوضع الراهن، تمحورت منطق الحرب أساساً حول الأهداف العسكرية والبنية التحتية للطاقة والقدرات الصاروخية الإيرانية.
لكن في ظل الوضع المتغير، تجد واشنطن نفسها أمام حرب متعددة المضائق: هرمز في الشرق وباب المندب في الجنوب الغربي، على الرغم من تفصلهما آلاف الكيلومترات، فإنهما جزء من سلسلة استراتيجية واحدة.
وإذا تمكن الحوثيون من الانطلاق من موقعهم الحالي في بريم نحو تثبيت وجودهم في باب المندب، فإن نمط الحرب الواسعة التي يخوضها ترامب مع إيران سيتغير أيضاً.
وقد يدفع هذا الوضع الولايات المتحدة إلى تخصيص جزء من مواردها البحرية والجوية لحماية الممرات التجارية بشكل دائم في البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي.
وبالتالي، لن تقتصر كلفة الحرب بالنسبة إلى الولايات المتحدة على تكلفة مهاجمة إيران، بل ستضاف إليها تكلفة حماية النظام التجاري العالمي على نطاق أوسع.
ومن جهة أخرى، ستجد السعودية نفسها في الخطوط الأمامية أكثر من أي وقت مضى في مثل هذا السيناريو، لأن أمن صادراتها النفطية وسواحلها الغربية يرتبط مباشرة بأمن باب المندب.
كما ستواجه أوروبا، التي يمر جزء مهم من تجارتها مع آسيا عبر قناة السويس، ارتفاعاً في مدة وتكلفة الواردات.
لذلك، فإن قضية جزيرة بريم ليست في الواقع قضية بريم وحدها؛ فالجزيرة تمثل عودة مفهوم قديم إلى السياسة الدولية: قوة الجغرافيا.
وإذا تمكنت إيران وحلفاؤها من إنشاء سلسلة ضغط بحرية تمتد من هرمز إلى باب المندب، فسيكون بإمكانهم نقل كلفة الحرب من ساحة المعركة إلى السوق العالمية.
وفي هذه المعادلة الناشئة، لن تتحمل طهران وحلفاؤها وحدهم كلفة الحرب، بل سيتوزع جزء منها على شكل ارتفاع في تكاليف التأمين والطاقة والنقل وأسعار السلع بين الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا والاقتصاد العالمي.
وهنا تحديداً تتحول الحرب بين إيران والولايات المتحدة من صراع عسكري إقليمي إلى معركة على بنية التجارة العالمية.



