الصحافي في صحيفة ذا غارديان يعترف: المقابلة مع “سكينة محمدي آشتياني” كانت وهمية
بعد 16 عاماً من تضليل إعلامي هزّ الضمير العالمي حينها، كُشف النقاب أخيراً عن واحدة من أكبر عمليات الزيف الصحافي في التاريخ الحديث، في صحيفة عالمية شهيرة.

ميدل ايست نيوز: بعد 16 عاماً من تضليل إعلامي هزّ الضمير العالمي حينها، كُشف النقاب أخيراً عن واحدة من أكبر عمليات الزيف الصحافي في التاريخ الحديث، في صحيفة عالمية شهيرة. الصحافي الإيراني السابق في صحيفة ذا غارديان البريطانية، سعيد كمالي دهقان، أقر أخيراً بأن المقابلة الشهيرة التي نشرتها الصحيفة مع السجينة الإيرانية آنذاك، سكينة محمدي آشتياني في أغسطس/آب 2010، لم تكن سوى محض خيال واختلاق من قلمه، ولم تحدث في أرض الواقع قط.
هذا الاعتراف، رغم أنه يحسب لصاحبه ولو جاء متأخراً؛ يفتح باب التساؤل حول مهنية صحيفة عريقة مثل “ذا غارديان”، ويكشف عن جانب آخر لدور الإعلام في معاكسة الحقيقة، وبناء ما يمكن وصفه بـ”الحقيقة الزائفة” التي تهدف إلى تشويه صورة أشخاص ودول.
سكينة محمدي آشتياني، امرأة إيرانية ولدت عام 1967، واجهت عام 2010 إدانة قضائية في إيران شملت الزنا المحصن والمشاركة في قتل زوجها. بعد صدور حكم أولي بالإعدام، خُفّف الحكم في مرحلة الاستئناف إلى السجن عشر سنوات، وأُطلق سراحها في عام 2014.
وقد حظيت قضيتها بتغطية إعلامية واسعة النطاق محلياً ودولياً، خاصة بعد أن تولى الدفاع عنها المحامي الإيراني المعروف محمد مصطفايي، الذي ساهم في تسليط الضوء على المحاكمة في وقت كانت فيه قضايا حقوق المرأة في إيران تتصدر المشهدين الداخلي والخارجي. يُذكر أن مصطفايي غادر إيران لاحقاً وطلب اللجوء في النرويج.
في السابع من أغسطس/آب عام 2010، تصدَّر صحيفة ذا غارديان، واحدة من أكثر الصحف شهرة وتأثيراً في العالم، مانشيت صاعق: مقابلة حصرية مع سجينة إيرانية تواجه حكم الإعدام رجماً بالحجارة. ادعى التقرير حينها أن المقابلة أُجريت عبر وسيط لأسباب أمنية، ونقلت تفاصيل مروعة عن ظروف سجنها والمحاكمة.
أثار هذا الخبر موجة عارمة من الاستنكار الدولي ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية؛ فطالب سياسيون غربيون بالإفراج الفوري عنها، وضغطت منظمات حقوق الإنسان على السلطة القضائية الإيرانية لأجل ذلك. فتحول هذا الملف القضائي إلى رمز عالمي يُستخدم لتصوير إيران دولة بربرية. كما أرسل أكثر من ثمانين شخصية عالمية، بمن في ذلك فنانون وسياسيون، رسالة مفتوحة إلى المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي والرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد تطالب بالإفراج عنها.
لكن بعد مرور 16 عاماً، جاء اعتراف كمالي دهقان ليعيد تعريف تلك الحقبة: لم تكن هناك مقابلة، ولم تكن هناك سكينة تتحدث، بل كان هناك صحافي ينسج رواية خيالية ببراعة أدت إلى تضليل الرأي العام العالمي. بالنظر إلى خلفيات القضية، يتبين أن ملف سكينة محمدي آشتياني قد وُظّف بفجاجة، وكانت قضيتها نموذجاً لـ”الحرب الإعلامية” ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
وعلّقت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخارووا، عبر قناتها الرسمية على “تليغرام” على اعتراف الصحافي بتزوير المقابلة: “اعترف سعيد كمالي دهقان، الصحافي السابق في ذا غارديان، بتزوير مقابلة حصرية مزعومة مع سكينة محمدي آشتياني، المرأة الإيرانية التي ادعى كاتب التقرير أنها حُكم عليها بالإعدام رجماً بالحجارة”.
في حديثه إلى “العربي الجديد” يوضح الإعلامي الإيراني، مازيار خسروي، أن هذا التزوير الصحافي الذي ارتكبته “ذا غارديان” يجب تحليله ضمن حرب ناعمة واسعة ضد إيران، مشيراً إلى أنه في تلك السنوات، أُنتج فيلم “رجم ثريا” الذي حظي باهتمام كبير أيضاً، فكان جزءاً من جهود الضغط على إيران.
يلفت خسروي إلى أن الجانب المثير للاهتمام في هذه القضية هو تجاهل الحقيقة الجوهرية للجريمة، فالسيدة التي تناولت الصحيفة قصتها كانت قد قتلت زوجها بمساعدة رجل آخر، ولم تكن القضية سياسية في جوهرها، بل كانت جريمة قتل عمد.
يوضح أنه، مع ذلك، ركزت وسائل الإعلام العالمية على حكم الرجم، الذي لم يُنفذ في الواقع، مؤكداً أنه لا توجد دولة في العالم تواجه هذا الحجم من الهجوم الإعلامي المنظم بلغته الوطنية عبر قنوات تعمل على مدار الساعة، أو هذا القدر من التركيز من وسائل الإعلام العالمية الرامية لتشويه الأحداث في إيران. يرى خسروي أن هذا التصوير يهدف في النهاية إلى “نزع الإنسانية” عن الإنسان الشرقي، وتحديداً الإيراني، لكي يصبح الهجوم العسكري على البلاد وقتل مواطنيها ومسؤوليها أمراً يبدو طبيعياً وبسيطاً في سياق تلك الحملة.
وعلى الرغم من إقرار خسروي بوجود نقاط ضعف في الإعلام الإيراني، نتيجة الضغوط والرقابة والضعف الاقتصادي، فإنه يشدد على ضرورة النظر إلى العملية الإعلامية الخارجية التي تمارس نوعاً من غسل الدماغ، بهدف إفقاد الإيرانيين ثقتهم بأنفسهم، وبناء صورة سوداوية ومخيفة عن إيران لدى الغرب، وصولاً إلى تجريد الإنسان الإيراني من إنسانيته.
يتساءل خسروي عن كيفية تعامل مؤسسة مرموقة مثل “ذا غارديان” مع انكشاف زيف مادتها الصحافية، مستبعداً أن تقوم الصحيفة بأي خطوة لتعويض فقدان مصداقيتها، أو الاعتراف بالخطأ، لافتاً إلى أنه في ذلك الوقت لم يعر أحد اهتماماً لحقيقة أن الحكم لم ينفذ، وأن السيدة أُفرج عنها بعد سنوات قليلة بفضل عفو قانوني، نظراً إلى أن المدعين بالحق المدني كانوا أبناءها الذين قُتل والدهم.
يستشهد خسروي بواقعة مماثلة حدثت أثناء غزو العراق الكويت عام 1991، حين استند الرئيس الأميركي آنذاك، ومسؤولون آخرون، إلى شهادة فتاة ادعت رؤية مذبحة لرضع كويتيين في مستشفى، ليتبين لاحقاً أن الرواية كانت مزيفة وأن الفتاة كانت ابنة سفير الكويت. يوضح أن تلك الرواية المزيفة ساهمت في تهيئة الرأي العام الأميركي، ما جعل الهجوم على العراق يبدو مبرّراً، ووصف العراقيين آنذاك بـ”الأشرار المطلقين”، وهو ما سهل تقبّل فكرة قتلهم باعتبارهم مجرد “أضرار جانبية” للحرب.
يشير خسروي إلى أن وسائل الإعلام الغربية تواجه اتهامات بتعمّد خلق هذه الصور النمطية، ثم تجاهل تبعاتها، فيجري التعامل مع مقتل البشر في جنوب غرب آسيا، سواء كانوا إيرانيين أو عراقيين أو فلسطينيين، كأنه أمر طبيعي أو “خسائر جانبية”. وأشار إلى أن هذا النهج يشبه ما حدث في هوليوود عبر أفلام، مثل “رجم ثريا” أو فيلم “300”، صورت الإنسان الإيراني كائناً شريراً، مشدداً على ضرورة فهم هذه الحوادث ضمن الإطار الكلي للصراع الإعلامي.
يوضح رئيس تحرير صحيفة تهران تايمز الإيرانية المحافظة، محمد صرفي، في تصريح لـ”العربي الجديد”، أنه يتابع من كثب الشؤون الإيرانية في وسائل الإعلام الغربية منذ أكثر من 20 عاماً، وشهد خلال تلك الفترة العديد من التقارير “الغريبة والكاذبة” حول إيران. يشير صرفي إلى أن هذه الوسائل الإعلامية الكبرى، رغم امتلاكها معايير مهنية صارمة غالباً، فإنها “تتخلى عن هذه المعايير تخلياً ملحوظاً، بل وأحياناً تتجاهلها تماماً، عندما يتعلق الأمر بإيران”، ما يشوّه مصداقيتها المهنية حسب قوله.
يصف صرفي الهدف الأساسي للإعلام الغربي تجاه إيران بـ “العداء”، مشيراً إلى أن إيران واجهت “حربين خلال عام واحد، والثانية مستمرة حتى الآن”. ورغم أن بعضهم قد ينسب بدء هاتين الحربين إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، والرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلا أن صرفي يرى أن “المتسبب الحقيقي في هذه الحروب هو الإعلام الغربي إلى حد كبير”.
يوضح أن هذه الوسائل الإعلامية “صنعت وحشاً من إيران على مدى سنوات، خاصة في العقدين الأخيرين”، عبر نشر ما سماه “سيلاً مستمراً من الأخبار والتقارير المتحيزة في مختلف المجالات، ما مهّد الطريق للعدوان”.
يدعو صرفي إلى عدم الاكتفاء بفهم دور الإعلام الغربي على أنه مجرد تبرير للسياسات المعادية لإيران، بل يجب إدراك أبعاد أعمق. يستشهد بتقرير نشرته صحيفة إسرائيل هيوم في أواخر مايو/أيار الماضي، يكشف عن آلية أطلق عليها الموساد الإسرائيلي اسم “آلة السم”.
بحسب التقرير، فإن هذه الآلية الإعلامية تهدف، إلى جانب الهجمات العسكرية الأميركية والإسرائيلية، إلى “التأثير في الداخل الإيراني وفي عقول الشعب الإيراني لتمهيد الطريق لإطاحة النظام وتغييره”. يقول الإعلامي الإيراني إن “فشل هذه المحاولة لا يعني إيقاف هذه الآلة”، مضيفاً أن تقارير حديثة تشير إلى إعادة تصميمها، وبدء مهمتها من جديد.
بدوره، يقول رئيس تحرير صحيفة فرهيختغان الإيرانية، سينا زعيم زاده، في حديث إلى “العربي الجديد”، إن واقعة نشر “ذا غارديان” مقابلة كاذبة يمكن تحليلها نظرياً ضمن سياق “ما بعد الحقيقة”، فلم تعد وسائل الإعلام راوية للحقيقة، بل أصبحت تصنع حقيقة تخدم مصالح مموليها.
يضيف زعيم زاده أن هذا التوجه هو أحد مخرجات عصر “ما بعد الحداثة”، فتفقد الحقيقة موضوعيتها، ويصبح نشر الأخبار الزائفة مبرراً أخلاقياً، مستشهداً بما يفعله الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في وسائله الإعلامية من تكرار روايات غير واقعية، بغض النظر عن الحقائق الميدانية.
ويشير إلى أن هذه الحادثة أثبتت صحة مقولة أن الإعلام الغربي “ليس محايداً”، بل تحول من كونه وسيلة إعلامية إلى “مشروع بروباغندا” سياسي يستهدف الجمهورية الإسلامية، ويهدف إلى تأطير إيران بما يتيح اختلاق ملفات حقوقية وغير حقوقية ضدها، موضحاً أن الهدف من هذه الممارسات الإعلامية هو شن “حرب معرفية” ضد المجتمع الإيراني، عبر محاولة كسب تعاطف قطاعات معينة عبر روايات كاذبة.
وتحدّث عن محاولات إعلامية غربية لرسم صورة سوداوية عن المجتمع الإيراني، مؤكداً أن هذا النهج يؤدي إلى استقطاب المجتمع، وزيادة حدة العنف والتشدد، كما يكرّس حالة عدم الثقة بين الشعب والمسؤولين، ما يغلق الباب أمام أي فرص للإصلاح أو المعالجة الداخلية للاختلالات القائمة.
يوضح الإعلامي الإيراني، علي رضا بورجعفري، أن العالم المعاصر، في ظل اتساع الفضاء الافتراضي والسيبراني، بات يواجه ظواهر معقدة تعمل على تشكيل الإدراك وصناعة المعرفة، مشيراً في حديثه إلى “العربي الجديد” إلى نظرية “الواقع المفرط” للفيلسوف الفرنسي جان بودريار. يقول إن ما ينشره الإعلام قد يتحول إلى منتج للواقع بحد ذاته، حتى إن كان هذا الواقع غير موجود أصلاً، ما يؤدي إلى اشتباك مباشر مع إدراك الجمهور وتغيير معالم الواقع الملموس.
يضيف الخبير الإعلامي الإيراني أن هذه الظاهرة تنطبق مباشرة على حالات الأخبار الزائفة والمفبركة والشائعات؛ فتصاغ وتُنتج معلومات غير صحيحة بهدف تضليل الجمهور، ما يؤدي عملياً إلى تشكيل “حقيقة زائفة”.
يتابع بورجعفري حديثه بالتأكيد على أن الطبيعة التفاعلية لوسائل التواصل الاجتماعي تساهم في تعزيز هذا التأثير، فيعمل “الانتشار الفيروسي” للمحتوى الزائف على “بناء واقع جديد” في أذهان الناس، لافتاً إلى أنه حتى بعد كشف زيف هذه الأخبار وتكذيبها، فإن أثرها الإدراكي يظل قائماً ولا يمكن تقليصه بسهولة. يحذر الخبير الإيراني من خطورة ما تشهده المنصات الإعلامية من تركيب للسرديات، ضمن إطار “الواقع المفرط”، ما يساهم في تجسيد واقع وهمي يؤثر سلباً في معالجة القضايا.



