لماذا تلوّح إيران برفع القيود على مدى صواريخها وسط المساعي الدبلوماسية؟

بالتزامن مع جهود قطر لمنع تجدد الحرب، تلوّح طهران برفع القيود على مدى صواريخها وتوسيع نطاق ردها العسكري، في رسالة تحذير لواشنطن وسط مخاوف من جولة جديدة من المواجهة.

ميدل ايست نيوز: بالتزامن مع مساعي قطر لمنع عودة الحرب، تتحدث طهران عن تغييرات في القيود المفروضة على مدى الصواريخ وتوسيع نطاق الرد العسكري، وهي رسائل قد تشكل تحذيراً لواشنطن، كما قد تعكس قلق إيران من جولة جديدة من المواجهة مع الولايات المتحدة.

تتواصل الجهود الدبلوماسية لمنع استئناف المواجهات بين إيران والولايات المتحدة، وتؤكد مواقف قطر بشأن ضرورة الحيلولة دون اندلاع حرب جديدة استمرار هذه المساعي. ومع ذلك، لا يزال شبح الحرب يخيم على البلاد والمنطقة، فيما تشير مجموعة من المواقف الجديدة في طهران إلى أن الجمهورية الإسلامية تعمل، على الأقل على مستوى الخطاب والمجال العسكري، على رسم مرحلة جديدة من الردع.

وجاءت تصريحات المتحدث باسم الحرس الثوري بشأن رفع القيود على مدى الصواريخ بعد أيام قليلة من توجيه المرشد الأعلى الإيراني أمراً بـ«الرد الفوري والمؤثر ومن دون قيود جغرافية» على التهديدات. وتكتسب هذه المواقف، في ظل التوترات الأخيرة في الخليج والغموض المحيط بمصير المفاوضات غير المباشرة مع الولايات المتحدة، دلالات تتجاوز مجرد إعلان موقف عسكري.

من الردع الإقليمي إلى توسيع نطاق التهديد

أعلن العميد حسين محبي، المتحدث باسم الحرس الثوري، في تصريحات أدلى بها اليوم، أن «القيود المفروضة على مدى الصواريخ رُفعت بالنسبة إلينا»، مؤكداً أن الجمهورية الإسلامية ستُظهر قدراتها في الميدان العملي، لا من خلال الشعارات. وأضاف أن إيران قادرة، في الحرب غير المتكافئة، على توجيه ضربات إلى العدو في مواقع لا يتوقعها.

ولا يمكن تحليل هذه التصريحات بمعزل عن الرسائل الأخيرة لمجتبى خامنئي. فقد شدد المرشد الأعلى، خلال لقائه كبار قادة القوات المسلحة، على أن أي تهديد، أياً كان مستواه أو نوعه، يجب أن يواجه بـ«رد فوري ومؤثر ومن دون قيود جغرافية». كما أصدر توجيهات بتحديث قائمة الأهداف، وقال إنه في حال استئناف الهجمات، فإن القوات المسلحة الإيرانية هي التي ستحدد موعد انتهاء المواجهات وظروفه.

وتكمن أهمية تصريحات محبي في أنها تربط مفهوماً طُرح سابقاً على مستوى الرسائل السياسية وتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة بقدرات الصواريخ. وبذلك، تحاول طهران إظهار أن التغيير في عقيدتها المعلنة للردع لا يقتصر على التهديد بالرد في مختلف مناطق المنطقة، بل قد يشمل أيضاً توسيع النطاق الجغرافي للأهداف المحتملة.

مع ذلك، فإن الإعلان عن رفع القيود المفروضة على مدى الصواريخ لا يعني إثبات امتلاك قدرات عملياتية غير محدودة. فمدى الصاروخ ودقته وقدرته على اختراق أنظمة الدفاع الجوي، إلى جانب تحديد الأهداف وإمكانية الحفاظ على سلسلة الهجوم، كلها عناصر مختلفة. لذلك، فإن ما يمكن استخلاصه بشكل مؤكد من هذه التصريحات في الوقت الراهن هو تغير في الرسالة الرسمية لطهران ومحاولة لتوسيع نطاق التهديد الردعي، وليس بالضرورة إثبات امتلاك قدرة عسكرية جديدة.

لماذا تتحدث طهران عن الصواريخ بعيدة المدى في خضم المفاوضات؟

يحمل توقيت هذه المواقف أهمية كبيرة. فقد طرح دونالد ترامب مراراً خلال الأسابيع الماضية احتمال استئناف الهجمات على إيران، فيما تصاعدت المخاوف من تحرك عسكري أمريكي بعد انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني. وفي الوقت نفسه، تشير تقارير وسائل الإعلام الدولية إلى استمرار جهود قطر وباكستان لمنع عودة الحرب.

وكانت وكالة رويترز قد ذكرت خلال الأيام الماضية أن إيران أرسلت إلى الولايات المتحدة، عبر قطر، مقترحاً بشأن الملف النووي، لكنها ربطت دراسة هذا المقترح بقبول واشنطن سبعة شروط إيرانية. ومن بين المطالب المطروحة رفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، ودفع تعويضات عن الحرب. في المقابل، تصر واشنطن على إدراج الملف النووي على جدول الأعمال منذ المراحل الأولى للمفاوضات. ويكشف هذا الخلاف أن الفجوة بين الطرفين بشأن إطار الاتفاق لا تزال كبيرة، رغم استمرار قنوات الاتصال الدبلوماسية.

وعليه، يمكن اعتبار الرسالة العسكرية لطهران جزءاً من مساعيها لرفع كلفة الهجوم في حسابات الطرف الآخر. فالجمهورية الإسلامية تريد إفهام واشنطن أن تكرار العمليات العسكرية، خلافاً للتصور القائم على شن هجوم محدود وقابل للاحتواء، قد يؤدي إلى مواجهة أوسع. وبعبارة أخرى، تسعى طهران إلى زيادة حجم التداعيات المحتملة لأي قرار عسكري في حسابات البيت الأبيض قبل اتخاذه.

قطر تتحدث عن اتفاق، لكن خطر الهجوم لا يزال قائماً

في المقابل، تشير التحركات الدبلوماسية القطرية إلى أن المخاوف من عودة الحرب جدية. فقد أعلن رئيس الوزراء القطري، في أحدث تصريحاته، استمرار جهود الوساطة لمنع خروج الأزمة عن السيطرة، مشيراً إلى أن واشنطن لا تزال تبدي رغبة في التوصل إلى اتفاق حتى بعد انتخابات التجديد النصفي الأمريكية.

ومع إشارته إلى إحراز تقدم في المفاوضات، قال إن الطرفين ينبغي ألا ينتظرا التوصل إلى اتفاق مثالي، بل عليهما العمل من أجل إبرام اتفاق عملي. ووفقاً لوكالة رويترز، أعرب عن ثقته بإمكانية التوصل إلى اتفاق.

غير أن التطورات الميدانية لا تقدم صورة متفائلة. ومن الشواهد على ذلك الهجمات التي استهدفت جزيرة قشم الليلة الماضية، والتي أكدت الولايات المتحدة وقوعها أيضاً. ولم تتضح بصورة مستقلة تفاصيل هذه الأحداث وحجم الأضرار الناجمة عنها، لكن تزامنها مع الجهود الدبلوماسية يشير إلى أن خطر المواجهة العسكرية لم يتبدد حتى في خضم المشاورات.

والأهم من ذلك أن قطر ودولاً عربية أخرى في الخليج ليست مجرد أطراف وسيطة محايدة في هذه الأزمة. فقد تضررت هذه الدول أيضاً من تداعيات الحرب الأخيرة، وتخشى تحول أراضيها ومنشآتها إلى ساحة للمواجهة المباشرة بين طهران وواشنطن. ولهذا، فإن منع الحرب يرتبط بالنسبة إليها، إلى جانب الاعتبارات السياسية، بأمن الطاقة والملاحة البحرية والاستقرار الاقتصادي.

الردع الجديد.. ضمان للسلام أم زيادة خطر سوء التقدير؟

تكمن المسألة الأساسية في مدى قدرة استراتيجية الردع الجديدة على منع الحرب. فمنطق طهران واضح: كلما اتسع نطاق الرد المحتمل وارتفعت الكلفة المتوقعة للهجوم على الطرف الآخر، تراجعت احتمالات اتخاذ قرار ببدء عملية عسكرية. لكن لهذه الاستراتيجية وجهاً آخر أيضاً. فعندما تصبح الخطوط الحمراء الجغرافية غير واضحة، وتتجاوز الأهداف المحتملة حدود جبهة واحدة، تزداد احتمالات انخراط أطراف أخرى في الأزمة.

ويكتسب ذلك حساسية خاصة في ظل وجود قواعد عسكرية أمريكية في دول المنطقة، إذ إن أي توسيع لنطاق الرد قد يتحول إلى قضية شديدة الحساسية بالنسبة للحكومات العربية. فهذه الدول تسعى من جهة إلى احتواء التوتر، لكنها لا تريد من جهة أخرى أن تصبح أهدافاً للهجمات بسبب استضافتها قوات أمريكية. لذلك، فإن التهديد بتوسيع النطاق الجغرافي للرد، حتى لو طُرح بهدف منع الحرب، قد يؤدي أيضاً إلى زيادة مخاوف الدول المجاورة لإيران.

ومن ناحية أخرى، أظهرت تجربة المواجهات الأخيرة أن التفوق التسليحي وحده لا يحسم نتيجة الحرب. فالقدرات الدفاعية والاستخباراتية والاقتصادية، فضلاً عن القدرة على تحمل التكاليف على المدى الطويل، تؤدي دوراً في المعادلة أيضاً. وتحاول إيران، بالاعتماد على الحرب غير المتكافئة، تحييد جانب من التفوق العسكري الأمريكي، لكن هذه الاستراتيجية قد تترتب عليها أيضاً تكاليف باهظة للبنية التحتية والاقتصاد الإيراني في حال اتساع نطاق المواجهة.

في المحصلة، تجد طهران وواشنطن نفسيهما أمام وضع لم يعد فيه الاتفاق متاحاً بعد، ولم تُستبعد فيه الحرب من الحسابات. وينبغي قراءة التصريحات الأخيرة للمتحدث باسم الحرس الثوري في هذا الإطار، باعتبارها محاولة لرفع كلفة الهجوم، بالتزامن مع الحفاظ على أوراق الضغط في المفاوضات.

ومع ذلك، فإن الردع لا يسهم في منع الحرب إلا إذا اقترن بمسار سياسي قابل للتحقق. فإذا حلت التهديدات الواسعة محل الدبلوماسية، وجعل الطرفان التراجع عن مواقفهما مكلفاً، فقد تتحول الأداة التي يُفترض أن تمنع الحرب إلى عامل يزيد خطر سوء التقدير وعودة المنطقة إلى المواجهة.

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

13 + 6 =

زر الذهاب إلى الأعلى