الصحافة الإيرانية: هل يختار ترامب استمرار «لا حرب ولا سلام» أم المصالحة مع طهران؟
ترى طهران أن الغرب، والولايات المتحدة في مقدمته، بات طرفاً غير موثوق، بعدما دمّر الاتفاق النووي، وأفشل طاولة المفاوضات مرتين، وانتهك اتفاق إسلام آباد.

ميدل ايست نيوز: لا تزال الخيارات الثلاثة المتمثلة في الإبقاء على الوضع الراهن، أو المصالحة مع إيران، أو شن حرب بهدف إسقاط الجمهورية الإسلامية أو إخضاعها، مطروحة على الطاولة. وفي حين أوضحت طهران موقفها، لم تتخذ الولايات المتحدة، وتحديداً الرئيس دونالد ترامب، أي قرار بشأن الخيار الذي ستعتمده، أو أنها على الأقل لم تعلن قرارها إن كان قد اتُّخذ بالفعل. لذلك، لا يكاد أحد يعرف المستقبل الذي ينتظر أزمة الخليج والأوضاع المضطربة في الشرق الأوسط.
يقول الكاتب والصحفي الإيراني، نادر كريمي جوني، في مقال لصحيفة جهان صنعت، إنه من وجهة نظر إيران، فإن الشروط الأساسية للعودة إلى طاولة المفاوضات وحل الأزمة عبر المسارات الدبلوماسية والسياسية واضحة تماماً. فقد أكدت طهران مراراً أن اتفاق إسلام آباد كافٍ لإنهاء النزاع، وأن الشروط السبعة الواردة في اتفاق السلام لا تزال صالحة للتنفيذ. وتتضمن هذه الشروط مطالب عدة، في مقدمتها إنهاء العقوبات، والأهم من ذلك رفع الحصار البحري المفروض على إيران.
وترى السلطات الإيرانية أن الولايات المتحدة أفشلت المفاوضات مرتين أثناء انعقادها، ثم انتهكت مرة واحدة الاتفاق الذي وقّعه الطرفان، من دون تنفيذ أي من بنوده. وتعتبر طهران أن المشكلة الأكبر تكمن في أن الأمريكيين يطالبونها بتقديم تنازلات فورية، لكنهم يمتنعون حتى عن تقديم وعود مؤجلة مقابل تنفيذ إيران التزاماتها الفورية. بمعنى آخر، تطلب واشنطن من طهران قبول مجموعة من الالتزامات وتنفيذها، ثم إخضاع تنفيذها للتحقق والتقييم، وبعد التأكد من وفاء إيران بجميع تعهداتها، تقرر الولايات المتحدة ما إذا كانت ستنفذ التزاماتها أم لا.
هذه هي المشكلة الأساسية التي أدت إلى انهيار الاتفاق النووي الموقّع بين إيران والقوى الخمس الكبرى. فبينما التزمت إيران بدقة بجميع تعهداتها، وفقاً للتقارير الرسمية المنشورة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، نفذ الأمريكيون، ثم الأوروبيون، جزءاً من التزاماتهم بصورة انتقائية وغير فاعلة إلى حد كبير. وبعد انتقال السلطة في الولايات المتحدة، أدى انسحاب ترامب من الاتفاق إلى انهياره بالكامل.
من هذا المنطلق، ترى طهران أن الغرب، والولايات المتحدة في مقدمته، بات طرفاً غير موثوق، بعدما دمّر الاتفاق النووي، وأفشل طاولة المفاوضات مرتين، وانتهك اتفاق إسلام آباد. وتؤكد إيران أنها لن تدخل في أي حوار قبل أن تتخذ واشنطن خطوات عملية لتنفيذ التزاماتها بموجب اتفاق إسلام آباد، وأن بحث قضايا أخرى، من بينها الأنشطة النووية الإيرانية، لن يكون مطروحاً قبل ذلك.
من المفهوم والمتوقع أن واشنطن لا تبدي حالياً أي إرادة أو رغبة في تنفيذ اتفاق إسلام آباد. فربما لم يدرك ترامب، عندما وقّع الاتفاق، مدى تأثير التنازلات التي قدمها لإيران في المصالح والأهداف الأمريكية، ومدى صعوبة تنفيذها. ومن أبرز هذه المسائل تخفيف العقوبات، وإعادة الأموال الإيرانية المجمدة في البنوك الآسيوية أو رفع القيود المفروضة عليها، وهي إجراءات لطالما انتقد ترامب الديمقراطيين وسخر منهم أحياناً بسبب اعتمادهم سياسات مماثلة.
مع ذلك، لا يزال من غير الواضح لماذا وكيف وافق ترامب على هذه البنود في مذكرة تفاهم إسلام آباد. لكن إيران تعتبر توقيعه على الاتفاق ملزماً وقابلاً للاستناد إليه، وتؤكد أن الولايات المتحدة ملزمة بتنفيذ مطالبها وسائر التعهدات التي وافقت عليها.
وربما اعتقد ترامب عند توقيع المذكرة أن واشنطن تستطيع، كما فعلت في تعهدات مؤجلة سابقة تجاه إيران ودول أخرى لم تنفذها قط، مطالبة طهران بتنفيذ التزاماتها والتحقق من ذلك، ثم الامتناع عن تنفيذ تعهداتها هي. لكن الإيرانيين تعلموا من تجارب الماضي، ولذلك امتنعوا بدورهم عن تنفيذ التزاماتهم بعدما لم تفِ واشنطن بتعهداتها.
وفي خطوة لاحقة، حاولت الولايات المتحدة، مستفيدة من أجواء التهدئة في مضيق هرمز وبالتعاون مع الإمارات وقطر، إنشاء مسار في الخليج خارج نطاق النفوذ الإيراني، بهدف إعادة حركة التجارة إلى طبيعتها من دون الاكتراث بإيران أو مراعاة سيادتها على الخليج ومضيق هرمز. لكن طهران ردت باستهداف السفن التي كانت تعبر المسار الذي ابتكرته الولايات المتحدة وعُمان وقطر، ومنعت بذلك تجاوز سيادتها. ونتيجة لذلك، أدرك ترامب ومساعدوه أن انتزاع تنازلات فورية من إيران مقابل تقديم وعود لا يجري الوفاء بها لم يعد أمراً ممكناً.
ويشكل هذا الوضع أساس النزاع الدائر حالياً في الخليج، والذي أدى أحياناً إلى اندلاع مواجهات دامية بين الطرفين.
وفي ضوء التطورات التي شهدتها الولايات المتحدة خلال الأيام الأخيرة، وفوز الديمقراطيين بالأغلبية في مجلسي الشيوخ والكونغرس، يبرز سؤال بشأن التدابير التي ستتخذها إدارة ترامب خلال الشهرين المقبلين، وهي الفترة التي سيظل فيها التشكيل الحالي للمجالس الأمريكية قائماً، للتعامل مع الأزمة الراهنة في الخليج، التي ألحقت أضراراً بالمجتمع والاقتصاد الأمريكيين.
ويوصي بعض المحللين والتيارات المؤيدة للحرب بأن يشن ترامب هجوماً واسعاً على إيران، ربما يكون نووياً، خلال فترة زمنية محدودة وبأكبر قدر من التأثير، بهدف إجبار طهران على الاستسلام، ثم إعلان النصر والانسحاب من الحرب. لكن هذه الاستراتيجية تواجه مشكلات عديدة، أبرزها احتمال ألا يؤدي حتى هجوم نووي محدود على المنشآت النووية الإيرانية، أو اغتيال مزيد من مسؤولي الجمهورية الإسلامية، إلى إجبار طهران على الاستسلام، بل قد يدفعها إلى تكثيف هجماتها. وفي هذه الحالة، ما الخطوة التالية التي يمكن أن يتخذها ترامب؟
كذلك، فإن تزايد احتمالات إقالة بنيامين نتنياهو من رئاسة الوزراء في إسرائيل، ومواقف غادي أيزنكوت التي يؤكد فيها أنه لا يضع إسقاط النظام الإيراني ضمن أولوياته، أثارا قلق ترامب ومحيطه بشأن مدى استعداد أكبر حلفائهم للوقوف إلى جانبهم. وترى الإدارة الأمريكية أن الخيار العسكري ليس موثوقاً بما يكفي، في ظل هذه التساؤلات المهمة والمشكلات الأخرى المرتبطة بالخطة.
في المقابل، يتعرض ترامب والثلاثي المتمثل في بيت هيغسيث وماركو روبيو وسكوت بيسنت، في الوقت الراهن، لهجمات وانتقادات قاسية ومتواصلة بسبب ضرورة بدء الحرب على إيران ومواصلتها، وكذلك بسبب النتائج التي حققتها هذه المواجهة المكلفة بالنسبة إلى الولايات المتحدة.
وفي ظل هذه الظروف، إذا قرر ترامب إنهاء النزاع عبر تقديم تنازلات لطهران، فسيكون ذلك ضربة كبيرة لمصداقيته ولمصداقية الحزب الجمهوري، وقد يزيد أيضاً من نقاط ضعف الإدارة الحالية ويقوض موقع الجمهوريين في الانتخابات الرئاسية المقبلة. لذلك، قد لا يمتلك ترامب ومساعدوه حالياً الرغبة أو الإرادة لتقديم تنازلات للإيرانيين. ولهذا السبب، لا يبدو أن خيار التسوية وإنهاء الحرب والنزاع في الخليج من خلال تقديم تنازلات لطهران مدرج حالياً على جدول أعمال البيت الأبيض.
ولا يبقى أمام واشنطن سوى خيار مواصلة الوضع القائم، أي الإبقاء على حالة «لا حرب ولا سلام»، بالتزامن مع استمرار الحصار البحري وفرض العقوبات. وقد أوصى ترامب بهذا النهج مؤخراً كل من وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت، ومدير وكالة الاستخبارات المركزية جون راتكليف.
ويرى بعض المحللين، في ضوء رغبة الديمقراطيين في إنهاء الحرب مع إيران، والخسائر التي تكبدتها الولايات المتحدة نتيجة إغلاق الممرات البحرية واستهداف القوات الإيرانية السفن التجارية، فضلاً عن الأضرار التي لحقت بالاقتصاد والمجتمع الأمريكيين، والخسائر الأوسع التي تكبدها الاقتصاد والمجتمع العالميان، أن استمرار الوضع الحالي لم يعد قابلاً للتحمل أو الاستمرار.
من الواضح أن هذا التقدير ليس بعيداً عن المنطق، لكن في مقابل هذه القراءة، ينبغي التأكيد أن الإبقاء على الوضع الراهن يمثل المسار الأقل كلفة بالنسبة إلى ترامب ومحيطه. ولا سيما أن ترامب دفع بالفعل ثمن هذا الوضع عبر هزيمة حزبه في انتخابات الكونغرس. وبما أنه لا يفكر في خوض الانتخابات الرئاسية المقبلة، فقد لا يعنيه كثيراً ما سيؤول إليه مستقبلاً مستوى شعبيته أو موقعه وموقع حزبه. ويضاف إلى ذلك أن شخصية ترامب تقوم على تغليب المصالح والمنافع، ولا يولي اهتماماً كبيراً لمصالح الآخرين، حتى مصالح حزبه نفسه.
وبناءً على ذلك، يمكن توقع استمرار حالة «لا حرب ولا سلام»، على الأقل إلى حين تولي الأعضاء الجدد في المجالس الأمريكية مهامهم.



