ألغام ورصد وورقة ضغط.. كيف تدير إيران معركة مضيق هرمز؟
تحوّل مضيق هرمز منذ مطلع الشهر الجاري إلى ساحة مفتوحة للتوتر المتصاعد بين طهران وواشنطن

ميدل ايست نيوز: بموازاة الوساطات الإقليمية المتواصلة بين واشنطن وطهران، تحوّل مضيق هرمز منذ مطلع الشهر الجاري إلى ساحة مفتوحة للتوتر المتصاعد بين الطرفين، ما أثار تساؤلات حول أسباب تزايد استهداف الناقلات وكيفية قدرة إيران على كشف السفن التي تطفئ أجهزة التتبع (إرساليات تحديد الموقع) أثناء مرورها في الممر المائي.
وفي الأيام الأخيرة، أعلنت طهران مراراً عن “اصطدام ناقلات بألغام بحرية خلال عبورها مسارات غير مصرح بها”، بينما ردّت الولايات المتحدة بضربات على جزيرة قشم الجنوبية الأسبوع الماضي رداً على إطلاق نار استهدف طائرة أمريكية، مستهدفة مواقع رادار ومنصات إطلاق صواريخ على الجزيرة.
تقنيات الرصد الإيرانية
يفسر العميد المتقاعد حسين كنعاني مقدم، القيادي السابق في الحرس الثوري، قدرة إيران على تتبّع السفن حتى عند إطفاء أنظمة التعريف والملاحة بأنها نتيجة منظومةٍ متكاملة من الرادارات والمسيرات وأنظمة رصد متعددة. وقال إن أنواعاً مختلفة من الرادارات العاملة بأنظمة متعددة تجعل من الصعب إخفاء الناقلات العملاقة “لأن حجمها الضخم يجعل اكتشافها سهلاً”.
وأضاف أن طهران تُشغّل مسيرات استطلاعية مزوّدة بكاميرات، بينها كاميرات للرؤية الليلية، تقوم بدوريات على مدار الساعة لتعقب الناقلات التي تمر دون تنسيق مع هيئة إدارة المضيق، وهو ما يعرضها، وفق قوله، لخطر الاصطدام بألغام مزروعة في الممر.
ألغام متطورة وأنماط تشغيلها
كشف كنعاني مقدم أن طهران زرعت منظومة ألغام بحرية متطورة من أنواع متعددة: ألغام عائمة وغاطسة، وألغام ذكية تستقر في قاع البحر وتُفعّل استجابةً لأصوات محركات السفن، مع قدرة على التمييز بين صوت محركات الناقلات الكبيرة والزوارق الدورية. وأشار أيضاً إلى فئة ثالثة من الألغام تُطلق عن بعد فتطفو إلى السطح وتتفجّر عند استهداف السفن المخالفة.
ورداً على وصفه مرافقة البوارج الأمريكية للناقلة بأنها “وسيلة حماية”، قال كنعاني إن هذه المرافقة لا تضمن سلامة الناقلات بل قد تجعلها أهدافاً لأن إيران تتعامل مع المرافقة باعتبارها جزءاً من المشهد القتالي، مؤكداً أن أي طائرة أو بارجة أمريكية تقترب من المنطقة ستكون “هدفاً مشروعاً” لديها.
ورقة ضغط واستراتيجية رفع الكلفة
الخبير العسكري محمد مهدي يزدي يقدم قراءة تكميلية: إيران لا تسعى إلى إعلان إغلاق المضيق أو السيطرة الكاملة عليه، بل ترفع كلفة العبور وتحوّل الملاحة إلى عملية محفوفة بالمخاطر. ويؤكد أن جزءاً من عمليات الرصد يتم بواسطة قوارب الحرس الثوري السريعة التي تنفذ دوريات وتحمل مقاتلين قد يهاجمون أهدافاً أحياناً.
ويربط يزدي توقيت التصعيد الأخير في هرمز بالانتخابات الأمريكية، معتبراً أن الضربة الأمريكية على جزيرة قشم جاءت بعد تطوّر سياسي أميركي مرتبط بنتائج الاقتراع، وأن واشنطن استهدفت قدرات دفاعية إيرانية تمهيداً لعمليات أوسع محتملة.
ويؤكد يزدي أن التغيير في سلوك الملاحة تحول إلى وضعٍ قائماً: السفن إما تعبر برفقة مدمرات أو تمر ليلاً وأنظمة الملاحة مطفأة، ومع ذلك تظل عرضة للاستهداف. كما أشار إلى البعد الاقتصادي للمعركة، مشدداً على دور شركات التأمين التي قد تمنع مرور الناقلات بسبب ارتفاع مخاطر العبور، ما يزيد من فعالية ورقة هرمز على أسواق الطاقة العالمية.
طبيعة المعركة: حرب هجينة متعددة الطبقات
يرى أستاذ العلاقات الدولية محسن سوهاني أن الفصل بين الدبلوماسية والميدان “ثنائية زائفة”، وأن النزاع لم يعد محصوراً في البعد العسكري بل أصبح يمتد إلى ثلاث طبقات متداخلة: عسكرية واقتصادية ونفسية. ويفسّر ذلك على أنه تجسيد للقوة الذكية والحرب الهجينة، حيث تُستخدم الدبلوماسية وأدوات الإعلام كجزء من النزاع نفسه بغرض ترجيح كفة الإرادات على طاولة المفاوضات.
ويضيف سوهاني أن الولايات المتحدة وحلفاءها قلقون من خروج الأزمة عن السيطرة بسبب تأثيرها على الاقتصاد العالمي وسوق النفط، وأن المناورات الإعلامية حول المفاوضات تُرسل رسالة حول السعي لاستقرار سوق الطاقة. ويخلص إلى أن احتمال اندلاع مواجهة عسكرية أوسع مرتفع، وأن إيران تملك أدوات موازنة في حرب غير متماثلة، ومنها توسيع نطاق المواجهة إلى جبهات جديدة والضغط على تدفقات الطاقة عبر المضيق، متوقعاً أن تكون أي مواجهة مقبلة متدرجة ومتعددة المستويات.
الخلاصة: المشهد في مضيق هرمز يعكس مزيجاً من قدرات رصد وإمكانات عسكرية ووسائل ضغط اقتصادية وسياسية، في حين أن الطرفين — طهران وواشنطن — يرسّخان مواقفهما عبر مزيج من الضربات الميدانية والدبلوماسية والرسائل الإعلامية، ما يجعل المضيق محوراً حاسماً في أي تصعيد إقليمي أو تطورات قادمة بشأن أمن طاقة العالم.



