الصحافة الإيرانية: من جاكرتا إلى هرمز.. كيف انهار رأس المال والطاقة في آسيا؟
لا يعكس انهيار بورصة إندونيسيا مجرد تسوية لمشكلاتها المتعلقة بالحوكمة، بل يمثل أيضاً استجابة تلقائية لرأس المال العالمي لارتفاع أسعار الطاقة وزيادة علاوة المخاطر الجيوسياسية.

ميدل ايست نيوز: تكشف التطورات المتقاطعة الأخيرة في الأسواق العالمية والتحولات الأمنية الإقليمية عن ترابط خفي آخذ في الظهور، إذ يشير الانهيار التاريخي لبورصة إندونيسيا وتصاعد العسكرة في ممر الطاقة بالخليج، في الوقت نفسه، إلى خلل بنيوي واحد، يتمثل في هشاشة الاقتصادات التابعة خلال مرحلة تآكل النظام المهيمن، وكيف يسهم محور المقاومة، من خلال فرض سيطرة تكتيكية على الممرات الحيوية للطاقة، في تسريع هذا المسار.
يرى علي رحيمي بور، الخبير في العلاقات الدولية، في مقال لموقع دبلوماسي إيراني: تراجع مؤشر بورصة جاكرتا المركب بنسبة 11.6 في المئة خلال يوم واحد، في أكبر هبوط له منذ الأزمة المالية الآسيوية عام 1998، ما أدى إلى خسارة أكثر من 47 مليار دولار من القيمة السوقية.
وكان المحفز الظاهري لهذا الانهيار قرار مؤسسة MSCI دراسة خفض تصنيف إندونيسيا من سوق ناشئة إلى سوق مستقلة، بسبب غياب الشفافية في هيكل الملكية ووجود معاملات يُشتبه في أنها منسقة. لكن المنطق الأعمق وراء ذلك يتمثل في أن الاقتصادات التي تعتمد بشدة على الملكية الأجنبية وهياكل الحوكمة المشكوك فيها، تصبح أول ضحايا خروج الاستثمارات السلبية عندما تنعكس دورة رأس المال العالمي وتتعرض السيولة المقومة بالدولار للضغوط.
وتقدر مؤسسة غولدمان ساكس أن تنفيذ قرار خفض التصنيف قد يؤدي إلى خروج نحو 5.6 مليارات دولار من الاستثمارات السلبية. ويجسد الضغط على الروبية الإندونيسية وتزايد الضغوط على البنك المركزي للتدخل نموذجاً كلاسيكياً لما يمكن وصفه بـ«استخلاص عوائد الاقتصادات الطرفية في نهاية الدورة المالية للنظام المهيمن».
في الوقت نفسه، يشهد مضيق هرمز حرباً غير متكافئة. ويشير تقرير مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني (UKMTO) إلى وقوع ما لا يقل عن تسع هجمات على ناقلات النفط في المنطقة منذ بداية أكتوبر. كما حذر الحرس الثوري الإيراني صراحة من أن السفن التي تعبر المضيق بعد إيقاف أنظمة الملاحة الخاصة بها ستُعد أطرافاً معادية.
وسجل خام برنت ارتفاعاً متجاوزاً 106 دولارات، فيما بلغ سعر خام غرب تكساس الوسيط 94 دولاراً، محققين نمواً سنوياً بنسبة 74 و65 في المئة على التوالي.
لكن المؤشر الأبرز يتمثل في التحذيرات بشأن مخزونات الذخيرة الأمريكية. فوفقاً لتقرير نشرته صحيفة واشنطن بوست، أُطلق أكثر من 850 صاروخ كروز من طراز توماهوك خلال أربعة أسابيع من العمليات العسكرية ضد إيران، وهو ما يعادل نحو ربع المخزون الذي كان متاحاً قبل الحرب، فيما تراجع المخزون الموجود في المنطقة إلى مستوى «منخفض بصورة مقلقة».
وحاول دونالد ترامب، خلال مقابلة مع قناة «نيوزماكس»، إرجاع نقص الذخائر إلى المساعدات التي قدمها جو بايدن لأوكرانيا، لكن التحقق من المعلومات يظهر أن الولايات المتحدة لم تسلم أوكرانيا صواريخ توماهوك قط. ويكشف هذا التناقض في الرواية عن مشكلة أعمق، تتمثل في اقتراب الولايات المتحدة من بلوغ الحد الأقصى لقدرات صناعاتها الدفاعية الهيكلية، نتيجة استمرارها في إدارة حرب بالوكالة في أوروبا والحفاظ في الوقت نفسه على وجود عسكري مباشر في الشرق الأوسط. وتكمن نقطة التقاء المسارين في خطر حدوث انقطاع في دورة الطاقة ورأس المال.
ولا يعكس انهيار بورصة إندونيسيا مجرد تسوية لمشكلاتها المتعلقة بالحوكمة، بل يمثل أيضاً استجابة تلقائية لرأس المال العالمي لارتفاع أسعار الطاقة وزيادة علاوة المخاطر الجيوسياسية. وكل هجوم في مضيق هرمز يرفع هذه العلاوة، وبالتالي يسرّع خروج رؤوس الأموال من الاقتصادات الطرفية الهشة.
وتستخدم إيران وحلفاؤها الإقليميون، من خلال الهجمات المستمرة التي تشنها جماعة أنصار الله على منشآت أرامكو، وفرض الردع على حركة الملاحة في البحر الأحمر، أدوات منخفضة التكلفة لخلق حالة من عدم اليقين الباهظة. ولا يتمثل منطقهم الاستراتيجي في تحقيق انتصار عسكري، بل في فرض استنزاف تدريجي، بحيث تصبح التكاليف الأمنية والضغوط التضخمية على الطرف المقابل غير قابلة للتحمل.
أما بالنسبة إلى الولايات المتحدة، فتتمثل المعضلة في أن وتيرة استهلاك الذخائر تتجاوز بكثير قدرتها على تعويض المخزون. فقد كان لديها نحو 3100 صاروخ توماهوك قبل الحرب، في حين لا تتجاوز مشترياتها السنوية بضعة عشرات من الصواريخ. كما أن الاحتياجات المتزامنة لأوروبا والشرق الأوسط تستنزف المخزونات المخصصة لمنطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويزعم ترامب أن بلاده «تحتفظ لنفسها بأفضل الذخائر»، لكن تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) تشير إلى أن استهلاك أكثر من 800 صاروخ توماهوك استنزف ربع إجمالي المخزون، وأن النقص في منطقة غرب المحيط الهادئ لا يمكن تعويضه. وهذا يعني أن هامش المرونة في الانتشار العسكري العالمي للولايات المتحدة بدأ يتقلص في مواجهة الأزمة مع إيران.
ويبدو انهيار بورصة إندونيسيا وانفجار ناقلات النفط في مضيق هرمز، ظاهرياً، تطورين ينتميان إلى مجالين مختلفين، أحدهما مالي والآخر أمني، لكنهما في الواقع يعكسان منطقاً أساسياً واحداً: إذ تتحمل الدول المتوسطة التي تفتقر إلى الاستقلال الاستراتيجي، بصورة غير متناسبة، تكاليف الاحتكاك الناجمة عن النظام العالمي في مرحلة ما بعد الهيمنة. وتكمن مأساة إندونيسيا في أنها لا تستطيع التأثير في قرارات مؤسسة MSCI ولا في أسعار النفط في الخليج، ولا تملك سوى تحمل التداعيات المتزامنة لكليهما من دون قدرة على التأثير فيها.
في المقابل، تعرض إيران وحلفاؤها منطقاً مختلفاً، إذ يحولون موقعهم الجغرافي إلى أداة ضغط غير متكافئة، عبر توجيه ضربات دقيقة إلى «نقاط الألم» في شرايين الطاقة العالمية، ما يجبر القوة المهيمنة على تحمل تكاليف هامشية مرتفعة للحفاظ على النظام القائم.
وعندما ينظر المستثمر الصغير في جاكرتا إلى الأرقام الحمراء على شاشة التداول، بينما يغادر البحار سفينته في مضيق هرمز وسط صفارات الإنذار، يكون كلاهما عالقاً في قبضة النظام المضطرب نفسه. لكن الفارق الوحيد هو أن أحدهما يتحمل تداعيات هذا الاضطراب بصورة سلبية، فيما يعمل الآخر على صناعة هذا الاضطراب بصورة نشطة.



