باحث إيراني: بكين تأخذ خطر الحرب مع إيران على محمل الجد وتكثف تحركاتها الدبلوماسية
يرى باحث في الشؤون الصينية أن قلق الصين من التداعيات الاقتصادية وخروج آثار الحرب عن النطاق الإقليمي دفعها إلى تكثيف نشاطها الدبلوماسي مقارنة بالفترات السابقة.
ميدل ايست نيوز: أظهرت التحركات الدبلوماسية الصينية الأخيرة تجاه الشرق الأوسط، بدءاً من إيفاد مبعوث خاص واستضافة مسؤولين إيرانيين وعُمانيين، وصولاً إلى إجراء مشاورات مع السعودية، أن بكين تأخذ على محمل الجد احتمال تجدد التوتر بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.
ويرى حسين قاهري، الباحث في الشؤون الصينية ورئيس مركز الدراسات الاستراتيجية الإيرانية الصينية، أن قلق الصين من التداعيات الاقتصادية وخروج آثار الحرب عن النطاق الإقليمي دفعها إلى تكثيف نشاطها الدبلوماسي مقارنة بالفترات السابقة.
وقال قاهري، في مقابلة مع وکالة خبر أونلاين، إن ارتباط الاقتصاد الصيني باستقرار أسواق الطاقة يجعل بكين تراقب تطورات الشرق الأوسط أكثر من كثير من الأطراف الأخرى، وتسعى إلى عودة الهدوء إلى المنطقة. وأضاف أن عدم الاستقرار في الشرق الأوسط لا يقتصر ضرره على دول المنطقة، بل سيفرض أيضاً أعباءً كبيرة على الصين من خلال ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب إمدادات النفط. ولهذا، يتمثل أحد الأهداف المتوسطة والطويلة الأمد لبكين في إرساء الاستقرار والأمن في الشرق الأوسط بمبادرة من دول المنطقة، ومن دون تدخل قوى خارجية.
وأوضح أن المسؤولين الصينيين باتوا، عقب زيارة نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني إلى الصين وإجرائه محادثات مع وانغ يي، يرجحون أكثر من السابق أن يؤدي شن الولايات المتحدة هجوماً جديداً على إيران إلى تداعيات تتجاوز حدود المنطقة. وأشار قاهري إلى احتمال ارتفاع أسعار النفط إلى 200 دولار في حال تصاعد المواجهات، قائلاً إن مثل هذا الوضع قد يضع الاقتصاد الصيني أمام مشكلات خطيرة. واعتبر أن إيفاد مبعوث صيني خاص، وعقد لقاءات مع مسؤولين إيرانيين، وإجراء محادثات مع الجانب العُماني، إلى جانب المشاورات الإقليمية، كلها مؤشرات على تصاعد جدية التحرك الدبلوماسي الصيني.
وربط الباحث بين التطورات الأخيرة، ومنها استضافة وزير الخارجية الصيني نائب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، وزيارة سلطان عُمان إلى بكين، والتقارير التي تحدثت عن إرسال محمد بن سلمان رسالة إلى الرئيس الصيني. واعتبر أن طهران وجهت رسالة مفادها أن أي هجوم جديد تشنه الولايات المتحدة وإسرائيل سيحوّل المسألة بالنسبة إلى إيران إلى قضية تتعلق بالبقاء والهوية، وأن نطاق ردودها المحتملة قد يمتد إلى خارج المنطقة، بما قد يشمل أوروبا وحلفاء الولايات المتحدة أيضاً.
ورأى قاهري أن التداعيات المحتملة لهذا السيناريو تكتسب أهمية خاصة في قطاع الطاقة، موضحاً أن استهداف البنية التحتية النفطية السعودية، بما فيها منشآت شركة أرامكو، قد يؤدي إلى مواجهة الأسواق العالمية أسعاراً للنفط تبلغ 200 دولار لفترة من الزمن. ومع اقتراب فصل الشتاء، شدد على الأهمية الحيوية للطاقة بالنسبة إلى كثير من الدول. وأشار إلى أن بعض الدول الأوروبية معرضة لمخاطر نقص الطاقة خلال الشتاء، في حين تعتمد دول الخليج على إمدادات المياه لمواصلة الحياة. ومن هذا المنطلق، قال إن بكين تأخذ بجدية الموقف الإيراني ومخاطر اتساع نطاق الأزمة.
ووصف قاهري هذه المرحلة بأنها تمثل أخطر انخراط صيني في التطورات المرتبطة بإيران خلال العامين الماضيين على الأقل، مشيراً إلى أن بإمكان طهران الاستفادة من الظروف الراهنة لمنح بكين دوراً أكثر فاعلية. كما اقترح أن تضطلع الصين وروسيا، بالتزامن، بدور الضامن لالتزامات الطرف الآخر في أي مسار محتمل للتوصل إلى اتفاق مع الغرب.
مع ذلك، استبعد قاهري أن تتولى الصين بمفردها الوساطة بين طهران وواشنطن. وقال إن بكين لا تدخل عادةً في مثل هذه المهام بشكل منفرد، بل تفضل العمل من خلال المنظمات والآليات متعددة الأطراف والإقليمية. وأشار إلى مقترح شي جين بينغ، في إطار منظمة شنغهاي للتعاون، بشأن مساهمة المنظمة في إعادة الاستقرار إلى المنطقة، موضحاً أن الصين تستطيع دعم تشكيل مجموعة من الدول للعمل على تحقيق هذا الهدف.
وأضاف الباحث أن الصين لا ترغب في المخاطرة بمصداقيتها وإمكاناتها لمجرد تولي الوساطة المباشرة بين إيران والولايات المتحدة، لأنها تنظر إلى واشنطن باعتبارها طرفاً لا يمكن التنبؤ بتصرفاته ولا الوثوق به، ولا تريد أن تصبح وسيطاً في مسار قد لا يفضي في نهاية المطاف إلى نتيجة. ووفقاً لرؤيته، يتمثل الدور الأنسب للصين في قيادة آلية جماعية أو دعمها، بدلاً من تحمل المسؤولية منفردة عن المفاوضات وضمان الاتفاق.
وفي معرض توضيحه لطبيعة الدور الذي تفضّل بكين الاضطلاع به، قال قاهري إن الصين تميل إلى الظهور في موقع المرشد، أو ما يُعرف بالتعبير الدارج بـ«الأخ الأكبر». وأضاف أن هذا البلد لا يسعى إلى فرض هيمنة على الطريقة الغربية، ولا يتجه إلى التدخل في الشؤون الداخلية للدول، مشيراً إلى أن هذا النهج لا يحتل مكانة في عقيدة وزارة الخارجية الصينية أيضاً. وأوضح أن بكين سعت، خلال النزاعات التي شهدتها السنوات الأخيرة، إلى تجنب الانخراط المباشر في ساحات الصراع، من خلال أداء دور المرشد والوسيط وإدارة الخلافات بالوسائل السياسية.



