الصحافة الإيرانية: مخاطر الحرب وضرورة تغيير النموذج الأمني لإيران
تواجه الاستراتيجية الأمنية الإيرانية تحديات متزايدة بفعل تراجع حلفائها الإقليميين، وتضرر منشآتها النووية، وتصاعد الضغوط الاقتصادية، ما يطرح ضرورة مراجعة نهج المواجهة المستمرة.

ميدل ايست نيوز: تثير المخاوف من تجدد المواجهة بين إيران وكل من أمريكا وإسرائيل تساؤلات بشأن جدوى الاستراتيجية الأمنية الإيرانية، وما إذا كان استمرار نهج المواجهة والردع الواسع لا يزال الخيار الأنسب لضمان أمن البلاد، أم أن التطورات الأخيرة باتت تستدعي إعادة النظر فيه.
يقول علي حاجي قاسمي، أستاذ علم الاجتماع والسياسة الاجتماعية في جامعة سودرتورن، في مقال لصحيفة جهان صنعت: استندت الاستراتيجية الأمنية الإيرانية خلال العقود الماضية إلى افتراض أن أمريكا وإسرائيل تمثلان تهديداً دائماً، وأن ضمان الأمن يتطلب تعزيز القدرات العسكرية والردع والنفوذ الإقليمي. وتحولت القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة، والبرنامج النووي، ودعم القوى المتحالفة معها، إلى ركائز لهذه السياسة. ولم يكن هذا النهج مدفوعاً باعتبارات أيديولوجية فحسب، بل أسهمت في تشكيله أيضاً حرب إيران والعراق، والوجود العسكري الأمريكي، والعقوبات، وانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي، والهجمات العسكرية على إيران. وبذلك، يستند انعدام ثقة طهران بالتزامات الولايات المتحدة إلى تجارب واقعية.
لكن السياسة التي نشأت في ظروف تاريخية محددة لا تؤدي بالضرورة الوظيفة ذاتها في الظروف الراهنة. ويشير مفهوم «الاعتماد على المسار» إلى أن القرارات السابقة والمصالح الراسخة قد تجعل تغيير السياسات أمراً صعباً، حتى بعد تغير الظروف التي نشأت فيها. ويتمثل التحدي الذي تواجهه إيران اليوم في ألا يتحول التمسك بالأنماط السابقة إلى عائق أمام إعادة تقييم أهدافها وأدواتها الأمنية.
ويرى مؤيدو استمرار الاستراتيجية الحالية أن أي اتفاق سياسي لا يضمن أمن إيران من دون امتلاكها قوة ردع مستقلة، وأن الهجمات الأمريكية والإسرائيلية، حتى عندما كانت قنوات الدبلوماسية مفتوحة، أظهرت ضرورة الحفاظ على القدرات الدفاعية وأدوات التفاوض. ولا يمكن إنكار حق إيران في الدفاع عن سلامة أراضيها وامتلاك قدرات دفاعية مستقلة، لكن هل لا يزال استمرار جميع مكونات السياسة السابقة الخيار الأكثر فاعلية والأقل كلفة؟
كشفت التطورات الأخيرة عن ثلاثة قيود: فقد تراجعت قدرات بعض القوى المتحالفة مع طهران في المنطقة، وأصبحت إعادة بناء الشبكة السابقة مكلفة؛ كما تعرضت المنشآت النووية الإيرانية لأضرار جراء الهجمات، وأصبح مواصلة النهج السابق محفوفة بمخاطر أكبر؛ فضلاً عن أن استمرار التوتر والعقوبات يفرض ضغوطاً متزايدة على الاقتصاد والمجتمع. ويؤثر تراجع القدرة الشرائية، وقيود الاستثمار، وحالة عدم اليقين، في الثقة الاجتماعية وقدرة مؤسسات الحكم أيضاً. لذلك، لا يمكن اختزال الأمن القومي في القدرات العسكرية وحدها، إذ يشكل الاقتصاد والرفاه والثقة العامة عناصر أساسية للأمن المستدام.
وفي مواجهة استمرار الوضع القائم، تقترح المقالة تبني مبادرة سياسية وإعادة تعريف الاستراتيجية الأمنية الوطنية. ولا يعني هذا التحول التراجع أو التخلي عن القدرات الدفاعية، بل السعي إلى حماية المصالح الوطنية بتكاليف أقل. ويقوم هذا النهج على ثلاثة محاور.
أولاً، يمكن لإيران أن تعرض، في إطار اتفاق شامل ومتبادل، وقف تخصيب اليورانيوم والتخلي عن الأجزاء المثيرة للخلاف في برنامجها النووي، مقابل المطالبة برفع كامل للعقوبات الاقتصادية والمصرفية، والإفراج عن أصولها المجمدة، والحصول على ضمانات موثوقة بعدم شن هجمات واحترام سيادة إيران. وينبغي أن يكون الاتفاق مرحلياً وقابلاً للتحقق، وأن يتضمن آلية لمعالجة أي إخلال بالالتزامات، لأن الوعود السياسية وحدها لا توفر ضمانات كافية. ويتمثل الهدف في تحويل الملف النووي من مصدر للصراع إلى فرصة لخفض التهديدات وتحقيق التنمية الاقتصادية.
ثانياً، يمكن أن يتحول مضيق هرمز من أداة للمواجهة إلى محور لاتفاق بشأن حرية الملاحة وأمنها. فقد أظهرت الاضطرابات التي شهدتها حركة المرور في هذا الممر المائي أن الحرب مع إيران تعطل تجارة الطاقة العالمية، لكن استمرار هذا الوضع يلحق الضرر أيضاً بمصالح إيران ودول المنطقة. كما أظهرت تجربة مفاوضات إسلام آباد إمكانية إجراء حوار بشأن إعادة فتح الممر وترتيبات تأمينه. ومن شأن اتفاق بمشاركة إيران وعُمان وسائر الدول المعنية أن يسهم في خفض أحد مصادر التوتر.
ثالثاً، يمكن لطهران أن تستبدل تدريجياً اعتمادها على شبكة القوى المتحالفة معها بتعاون أمني واقتصادي مباشر مع حكومات المنطقة. وتوفر التحركات الدبلوماسية للسعودية وتركيا وباكستان، ومساعي دول الجوار لخفض التوتر، أرضية لإنشاء آلية للأمن الجماعي بمشاركة دول الخليج والعراق. ولا يتطلب هذا التعاون حل جميع الخلافات فوراً أو تحقيق ثقة كاملة، إذ يمكن بناء الثقة من خلال التعاون العملي والالتزامات المتبادلة.
ومن شأن هذا التحول أن يتيح أيضاً تفعيل الإمكانات الاقتصادية الإيرانية. فالتعاون مع دول الخليج وتركيا وباكستان يفتح فرصاً في مجالات التجارة والاستثمار والبنية التحتية والطاقة. كما أن تشابك المصالح الاقتصادية يرفع كلفة العودة إلى المواجهة، ويوفر موارد أكبر للخدمات العامة وتحسين مستوى الرفاه، رغم أن تحقيق هذه المكاسب يظل مرتبطاً أيضاً بالإصلاحات الاقتصادية وتحسين الحوكمة الداخلية.
ولا تنطلق مقترحات المقالة من تفاؤل ساذج تجاه أمريكا وإسرائيل، ولا من إنكار ضرورة امتلاك قدرات دفاعية مستقلة. بل تدور حول تغيير النموذج الأمني، من خلال الحفاظ على القدرات الدفاعية، مع توظيفها لخدمة الدبلوماسية وخفض التوتر، بالتوازي مع إبرام اتفاقات موثوقة وتعزيز التعاون الإقليمي. وتكمن الصعوبة الرئيسية في تجاوز الاعتماد المؤسسي والفكري على المسار السابق. فالأمن المستدام لإيران يتحقق عبر الانتقال من «المواجهة المستمرة» إلى «الردع الدفاعي والتعاون المتبادل»، ضمن نموذج يعتبر تنمية البلاد وتحسين حياة المواطنين جزءاً من الأمن القومي.



