بعد خسارة ترامب الانتخابية… ماذا ينتظر المنطقة خلال الشهرين المقبلين؟
بات أمن إيران واقتصادها ومستقبل شعبها اليوم معلّقاً في مساحة ضيقة تفصل بين القرارات المتخذة في طهران وواشنطن وتل أبيب.

ميدل ايست نيوز: يحذر بعض المحللين من أن دونالد ترامب قد يلجأ، بعد الهزيمة السياسية للجمهوريين، إلى خيارات أكثر هجومية في السياسة الخارجية من أي وقت مضى، في محاولة لاستعادة هيبته، وهو ما قد يجعل الأشهر المقبلة واحدة من أكثر المراحل حساسية في العلاقات بين طهران وواشنطن.
تبدو هزيمة الجمهوريين في انتخابات التجديد النصفي الأمريكية، للوهلة الأولى، خبراً مشجعاً للمراقبين في طهران، ومؤشراً على تراجع موقف سكان البيت الأبيض. فقد أثارت التكاليف الاقتصادية الباهظة، والارتفاع الحاد في أسعار الوقود، والمخاطر المتزايدة لسياسة دونالد ترامب الخارجية، موجة من الاستياء بين الناخبين الأمريكيين. لكن محللين متمرسين في السياسة الخارجية يحذرون من أن هذا الانطباع الأولي قد يقود إلى حسابات خاطئة وخطيرة. فقد أظهرت التجارب التاريخية أن سياسيين مثل ترامب، الذين بنوا هويتهم بالكامل على صورة «القائد الذي لا يُهزم»، يلجأون عندما يجدون أنفسهم محاصرين في أزمات داخلية إلى استعراض القوة والمغامرات خارج الحدود أكثر من أي وقت مضى، سعياً إلى استعادة مكانتهم السياسية.
وفي هذا السياق، تستحق تحذيرات أحمد زيد آبادي، الصحفي الإيراني والمحلل السياسي، الاهتمام. فبالإشارة إلى التحليلات الأخيرة، ومنها تقييم هيلاري كلينتون بشأن احتمال أن تدفع الهزيمة ترامب إلى الغضب وردود فعل أكثر تهوراً وعدوانية، يؤكد زيدآبادي أن التفاؤل الزائف بشأن تراجع الولايات المتحدة يمثل خطأً استراتيجياً. والحقيقة الصعبة أن تشابك ملف المفاوضات مع إيران، والضغوط الشديدة التي تمارسها تل أبيب، وشخصية ترامب التي يصعب التنبؤ بتصرفاتها، لم يجعل الأوضاع أكثر هدوءاً، بل وضع البلاد أمام واحدة من أكثر المراحل خطورة في تاريخها.
توقيت خطير لإصدار أمر الهجوم
وفقاً لتحليلات وسائل الإعلام الدولية، ومنها رويترز، فإن المخاوف من تصعيد الهجمات العسكرية بعد الانتخابات كانت أحد السيناريوهات المطروحة في أروقة البيت الأبيض حتى قبل إجراء التصويت. فقد أراد بعض المسؤولين في واشنطن إبقاء التوتر مع إيران عند مستوى يمكن السيطرة عليه إلى حين انتهاء الانتخابات، تجنباً لانعكاس تكاليفه السياسية على أصوات الجمهوريين. والآن، بعد تجاوز هذه المحطة، تراجعت مؤقتاً الضغوط المباشرة للناخبين، ليجد ترامب نفسه أمام وضع استثنائي.
واعتباراً من يناير، ومع بدء عمل الكونغرس الجديد وسيطرة الديمقراطيين عليه، ستُفعّل أدوات الرقابة على الميزانيات العسكرية وتكاليف الحرب والصلاحيات التنفيذية للرئيس بصورة كبيرة. لكن حتى ذلك الحين، سيظل ترامب القائد الأعلى للقوات المسلحة، ويتمتع بسيطرة كاملة على الآلة العسكرية الأمريكية. وتمثل هذه الفترة الفاصلة، التي تمتد شهرين، «نافذة الخطر الذهبية» التي قد تدفع واشنطن إلى حسم الملف الإيراني بعملية عسكرية واسعة، قبل أن يقيد الكونغرس صلاحيات ترامب.
ظلال نتنياهو الثقيلة.. جرّ ترامب الجريح إلى ساحة الحرب
يقف بنيامين نتنياهو في الجانب الآخر من هذه المعادلة، وهو رئيس وزراء يواجه بدوره مأزقاً وتعقيدات داخلية بعد التطورات السياسية الأخيرة في إسرائيل. وتشير تقارير نشرتها وسائل إعلام مثل أسوشيتد برس وأكسيوس إلى أن نتنياهو يمارس ضغوطاً كبيرة لاستئناف العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران. ورغم أن ترامب حاول حتى الآن إبقاء قنوات الدبلوماسية مفتوحة جزئياً، فإن تراجع موقعه الداخلي زاد بصورة كبيرة من قابليته للتأثر بضغوط تل أبيب.
إن تداخل حاجة ترامب إلى «استعراض القوة» مع الضغوط الإسرائيلية المستمرة لتدمير القدرات الدفاعية والنووية الإيرانية، يشكل مزيجاً شديد الخطورة. وفي ظل هذه الظروف، قد يتحول أي تحرك عسكري تصفه واشنطن بأنه «محدود ودقيق» بسرعة إلى جولة جديدة من الهجمات المتبادلة، بما قد يدفع المنطقة بأكملها إلى أتون حرب شاملة.
وقف إطلاق نار هش ومخاطر الحسابات الخاطئة
على الرغم من استمرار المحادثات غير المباشرة بوساطة قطرية في الدوحة، والنقاشات المتعلقة بمخزونات اليورانيوم، لا تزال العقبات الرئيسية قائمة بشأن قضايا مثل العقوبات والحصار البحري ومضيق هرمز. وقد أظهر الحادث الأخير والهجوم الأمريكي على مواقع الدفاع الجوي في قشم بوضوح أن هشاشة الوضع بلغت حداً يجعل المواجهة العسكرية المباشرة احتمالاً قائماً، حتى في أثناء تبادل الرسائل الدبلوماسية.
ويتمثل الخطر الأكبر في الظروف الراهنة في «سوء التقدير». فإذا اعتقد المسؤولون في طهران أن ترامب، بعد تراجع موقفه، لم يعد يمتلك القدرة أو الجرأة على الرد، أو إذا فسرت واشنطن صمود إيران على أنه علامة ضعف، فسيصبح فشل مفاوضات الدوحة أمراً شبه حتمي. وفي هذه الحالة، قد يتسع نطاق الحرب إلى مستويات يصعب احتواؤها، مع دخول منشآت الطاقة والقواعد الأمريكية في المنطقة وأمن الملاحة في مضيق هرمز ضمن دائرة المواجهة.
القراءات الحزبية والحقائق السياسية
لم تسلم ردود الفعل داخل البلاد من التبسيط الخطير. ففي حين سارعت بعض التيارات السياسية إلى تفسير هزيمة الجمهوريين على أنها «رفض قاطع» من الشعب الأمريكي للحرب وهزيمة نهائية لترامب، واحتسابها إنجازاً لتحركاتها الإقليمية، يحذر محللون مستقلون وواقعيون، مثل رحمان قهرمان بور وأمير علي أبوالفتح، من أن تصويت الأمريكيين استند أساساً إلى أوضاعهم المعيشية وسياساتهم الداخلية، وليس إلى مصالح الشعب الإيراني.
إن تحويل هذه الهزيمة الانتخابية إلى انتصار مؤكد للدبلوماسية الإيرانية ليس سوى خداع للذات وتصفية حسابات حزبية. والحقيقة الواضحة أن ترامب الجريح والمتراجع داخلياً قد يكون أكثر تهوراً وأقل قابلية للتنبؤ بتصرفاته وأكثر خطورة بكثير من ترامب الذي يتمتع بموقع قوي.
ضرورة التحلي بالحكمة وسط المخاوف والآمال
بات أمن إيران واقتصادها ومستقبل شعبها اليوم معلّقاً في مساحة ضيقة تفصل بين القرارات المتخذة في طهران وواشنطن وتل أبيب. ولا يملك ترامب سوى خيارين: إما التوصل إلى اتفاق يستطيع تقديمه باعتباره انتصاراً كبيراً، أو الاستناد إلى الزناد لإخفاء ضعفه الداخلي خلف دخان الانفجارات.
لقد بلغ الوضع مستوى حرجاً بفعل التناقض بين قصر الفترة المتبقية قبل بدء عمل الكونغرس الجديد، وتصاعد الضغوط الإسرائيلية، واستمرار المأزق في مفاوضات الدوحة. والرسالة الأساسية للانتخابات الأمريكية الأخيرة إلى صناع القرار في إيران واضحة: لن يصبح ترامب أكثر حذراً بسبب وقوعه في مأزق داخلي، بل قد يقدم على أكثر مغامراته الخارجية تهوراً. وينبغي للمؤسسة الدبلوماسية وصناع القرار العسكري في البلاد أن يدركوا أن شبح الحرب لم يتراجع، وأن الدخول في هذه الجولة الجديدة يتطلب أعلى درجات الحكمة، والابتعاد عن أي تفاؤل متسرع.



