تجني مليارات الدولارات… كيف أصبحت أزمة مضيق هرمز فرصة ذهبية لواشنطن؟

تستفيد الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي الرخيص وعائدات صادراته الضخمة، فيما تتحمل أوروبا وآسيا كلفة أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب مع إيران.

ميدل ايست نيوز: في الوقت الذي يدفع فيه المستهلكون الأوروبيون والآسيويون كلفة باهظة لأزمة الطاقة الناجمة عن احرب إيران، تستفيد الولايات المتحدة من انخفاض أسعار الغاز محلياً، وتحقق في الوقت نفسه مليارات الدولارات من صادرات الغاز الطبيعي المسال.

وأشعلت حرب إيران أكبر أزمة طاقة في التاريخ، أو هكذا يُنظر على نطاق واسع إلى الوضع الراهن في العالم. إنها لحظة تاريخية ومفصلية، لكن هذا التصور لا يعكس سوى نصف الحقيقة، لأن النفط ليس سوى نصف معادلة الطاقة.

وفي مقال نشرته بلومبرغ، تشير الصحيفة إلى أن المستهلكين في الولايات المتحدة وكندا نجوا إلى حد كبير من التداعيات الاقتصادية للحرب مع إيران، بفضل ثورة النفط والغاز الصخري وما تمتلكه أميركا الشمالية من احتياطيات جيولوجية استثنائية. فبعد سنوات من القلق الأميركي بشأن الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد، تحولت وفرة موارد الطاقة إلى وضع يمكن وصفه بأنه فائض يتجاوز الحاجة.

وفي الوقت الذي يدفع فيه المستهلكون في أوروبا وآسيا أكثر من 30 دولاراً مقابل كل مليون وحدة حرارية بريطانية (MMBtu) من الغاز الطبيعي، يحصل المشترون الأميركيون على الكمية نفسها بنحو 3 دولارات فقط.

الأسبوع الماضي، تراجع سعر الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة لفترة وجيزة إلى 2.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وهو أدنى مستوى له منذ عامين، وذلك في خضم أزمة طاقة عالمية.

أما في كندا، فتقل الأسعار أكثر، لتبلغ نحو 1.5 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

فجوة تاريخية في أسعار الغاز بين الولايات المتحدة وأوروبا.. فارق يصل إلى 12 ضعفاً

وصل الفارق بين أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا وآسيا من جهة، وأميركا الشمالية من جهة أخرى، إلى مستوى غير مسبوق، إذ باتت الأسعار أعلى بنحو 12 ضعفاً.

ولم يشهد تاريخ أسواق الطاقة فجوة مماثلة، لا خلال أزمة الغاز عام 2022، عقب الهجوم الروسي على أوكرانيا، ولا في عامي 2011 و2012، عندما دفعت كارثة فوكوشيما النووية اليابان إلى زيادة اعتمادها على الغاز الطبيعي لتوليد الكهرباء.

في عام 2022، بدأ الكرملين استخدام الغاز الطبيعي سلاحاً في مواجهة أوروبا، لكن طهران لا تمتلك أداة مماثلة.

بل إن الوضع يسير في الاتجاه المعاكس تماماً. فالولايات المتحدة تصدّر حالياً كميات قياسية من الغاز الطبيعي المسال، وتستقطب مشترين كانوا يعتمدون سابقاً على واردات الغاز من دول الشرق الأوسط، ولا سيما قطر، التي تضررت صادراتها بفعل الحرب.

الولايات المتحدة هي من أشعلت الحرب، لكن أوروبا وآسيا هما من يدفعان ثمنها عندما يتعلق الأمر بالغاز الطبيعي. كان الوضع مختلفاً إلى حد ما في عام 2022.

فبعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، ارتفع السعر المرجعي للغاز الطبيعي في الولايات المتحدة إلى نحو 10 دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، بسبب عجز الشركات الأميركية عن تلبية الزيادة الحادة في الطلب التي أعقبت جائحة كورونا، بعدما خفضت هذه الشركات أنشطة الحفر بصورة كبيرة خلال فترة الجائحة.

أما اليوم، فقد ارتفع الإنتاج ليتماشى مع الطلب. ونتيجة لذلك، اتسعت فجوة الأسعار بين الولايات المتحدة وبقية العالم، ومن المرجح أن تتسع أكثر إذا قرر دونالد ترامب تصعيد الحرب مع إيران بعد انتخابات التجديد النصفي في الثالث من نوفمبر.

وكانت طهران قد حذرت بالفعل من أنها سترد على أي تصعيد باستهداف منشآت الطاقة في الشرق الأوسط.

لماذا رفعت حرب إيران أسعار البنزين في أميركا، لكنها لم ترفع أسعار الغاز المنزلي؟

تقول بلومبرغ في بقية مقالها إن طهران تحاول استخدام أسواق الطاقة لفرض ضغوط اقتصادية لا يستطيع ترامب تحملها. وقد نجحت هذه الاستراتيجية إلى حد ما في التأثير على أسواق البنزين والديزل، لكنها لم تحقق النتيجة نفسها في سوق الغاز الطبيعي.

لذلك، من غير المرجح أن تواجه الأسر الأميركية العادية شتاءً ترتفع فيه تكاليف التدفئة إلى مستويات استثنائية ومرهقة.

ويُعد الغاز الطبيعي الوقود الأهم للتدفئة في الولايات المتحدة؛ إذ تعتمد نحو 47% من الأسر الأميركية عليه لتدفئة منازلها، فيما تعتمد 42% على الكهرباء.

أما زيت التدفئة، الذي تصدّر عناوين الأخبار في شمال شرقي الولايات المتحدة بسبب ارتفاع أسعاره وتأثيره المحتمل على المنافسة الانتخابية الوشيكة في ولاية مين، فلا يُستخدم إلا في نحو 4% من المنازل الأميركية.

ونظراً إلى أن محطات توليد الكهرباء العاملة بالغاز تؤدي غالباً دوراً حاسماً في تحديد أسعار الكهرباء، فإن انخفاض أسعار الغاز الطبيعي يعني أيضاً تراجع تكاليف الكهرباء، إذا بقيت العوامل الأخرى على حالها.

أزمة طاقة في أوروبا.. وميزة تنافسية للصناعات الأميركية

لا تقتصر أهمية أسعار الغاز الطبيعي على التنافس الجيوسياسي، إذ يتعين على الشركات حول العالم التنافس في سوق تتزايد فيه الفجوة بين تكاليف الطاقة.

وتواجه الصناعات كثيفة الاستهلاك للغاز في أوروبا وآسيا حالياً منافسة شديدة من حيث التكاليف. وقد مضى نحو عقدين على ثورة الغاز الصخري التي غيّرت مشهد الطاقة في الولايات المتحدة. واليوم، أصبح الوصول إلى الطاقة الرخيصة أمراً اعتيادياً إلى حد أن أهميته قد تغيب عن الأذهان.

لكن الغاز الطبيعي كان مرتفع التكلفة في الولايات المتحدة قبل عام 2007.

ومنذ ذلك الحين وحتى نهاية العام الماضي، أسهمت وفرة الغاز الطبيعي في تحقيق وفورات للاقتصاد الأميركي تصل إلى 4.3 تريليونات دولار، مقارنة بالأسعار التي دفعها المستهلكون في أوروبا واليابان.

وللتأكيد، نتحدث عن 4.3 تريليونات دولار، لا مليارات الدولارات.

ويستند هذا الرقم إلى دراسة أعدها لوكاس دبليو. ديفيس، الباحث في معهد الطاقة التابع لكلية هاس لإدارة الأعمال بجامعة كاليفورنيا في بيركلي.

وكتب ديفيس في دراسة نُشرت في مايو/أيار: «كان الوصول إلى الغاز الطبيعي الرخيص في الولايات المتحدة ذا قيمة كبيرة، ولا سيما خلال صدمات الإمدادات الكبرى».

وهذا صحيح بالفعل!

ولا تشمل هذه الحسابات حتى المكاسب التي حققها المستهلكون الكنديون بفضل انخفاض أسعار الغاز، كما أنها لا تأخذ عام 2026 في الحسبان.

وبالاستناد إلى الأسعار الحالية، وافتراض استمرارها حتى نهاية العام، سيحقق المستهلكون الأميركيون مجدداً مكاسب اقتصادية كبيرة.

وتشير تقديراتي التقريبية إلى أن الوفورات التي سيحققها الاقتصاد الأميركي في عام 2026، مقارنة بسيناريو لم تحدث فيه ثورة الغاز الصخري، ستبلغ ما لا يقل عن 400 مليار دولار.

كيف جعلت ثورة الغاز الصخري الولايات المتحدة الرابح الأكبر من أزمة الطاقة؟

لحسن حظ ترامب، حدثت ثورة الغاز الصخري قبل سنوات من دخوله البيت الأبيض، خلال إدارات أميركية سابقة. فقد أمضت شركات الحفر المستقلة في الولايات المتحدة سنوات وهي تحاول التوصل إلى طريقة لاستخراج الغاز من مصادر جديدة، هي التكوينات الصخرية المعروفة باسم الصخور الزيتية أو السجيلية.

وبعد سنوات من التجارب والمحاولات، أثمرت هذه الجهود عندما جرى الجمع بين الحفر الأفقي وتقنية التكسير الهيدروليكي، المعروفة باسم «التكسير المائي» (Fracking).

وتعتمد هذه التقنية على ضخ المياه والرمال والمواد الكيميائية تحت ضغط شديد إلى أعماق الأرض، لتحرير النفط والغاز المحبوسين داخل التكوينات الصخرية الصلبة.

وأدى ذلك إلى قفزة كبيرة في الإنتاج.

فخلال السنوات العشرين الماضية، تضاعف إنتاج الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة أكثر من مرتين.

لكن، خلافاً لثورة النفط الصخري التي امتدت فوائدها السعرية إلى مختلف أنحاء العالم، بقي الجزء الأكبر من مكاسب الغاز الرخيص داخل أميركا الشمالية.

ويعود ذلك إلى صعوبة نقل الغاز الطبيعي لمسافات طويلة.

فبسبب حجمه الكبير، لا يمكن نقل الغاز بسهولة. ولكي يصبح شحنه بحراً مجدياً اقتصادياً، يجب تبريده أولاً إلى درجة حرارة تبلغ 162 درجة مئوية تحت الصفر.

وتؤدي هذه العملية إلى تقليص حجم الغاز بنحو 600 مرة وتحويله إلى سائل.

بعد ذلك، يمكن نقل الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق البعيدة بواسطة ناقلات متخصصة.

لكن هذه العملية برمتها باهظة التكلفة؛ إذ قد تصل كلفة إنشاء منشأة واحدة لتسييل الغاز إلى 10 مليارات دولار في المتوسط.

مكاسب مزدوجة للولايات المتحدة.. غاز رخيص محلياً وعائدات ضخمة من التصدير

تصدّر الولايات المتحدة اليوم كميات هائلة من الغاز الطبيعي على شكل غاز طبيعي مسال. ومع ذلك، لا تكفي هذه الصادرات الضخمة لربط سوق الغاز المحلية الأميركية بالكامل بالسوق العالمية.

وبالتالي، تتمتع الولايات المتحدة بميزة مزدوجة: أولاً، حصول المستهلكين المحليين على الغاز بأسعار منخفضة للغاية، وثانياً، تحقيق الشركات المصدّرة الأميركية عائدات ضخمة من بيع الغاز الطبيعي في الأسواق الخارجية.

ويمنح هذا الوضع الولايات المتحدة مكاسب جيوسياسية كبيرة، وهو ما يدركه دونالد ترامب جيداً. ففي تجمع سياسي أواخر أكتوبر/تشرين الأول، قال إن «صناعة النفط والغاز الأميركية تحقق مئات المليارات من الدولارات».

هذه المرة، كان الرئيس الأميركي يقول الحقيقة.

وأضاف ترامب مخاطباً أنصار حركة «لنجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA): «لا أبالي إطلاقاً، أريد أن أقول لكم إننا نجني ثروة هائلة بحق!».

أوروبا وآسيا تدفعان ثمن حرب أشعلتها الولايات المتحدة

لكن ترامب لم يتطرق إلى الوجه الآخر للصورة، أي ما يحدث في أوروبا وآسيا، حيث يتحمل المستهلكون في المنطقتين كامل كلفة أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب مع إيران.

ففي الوقت الذي تستفيد فيه الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي الرخيص محلياً، ومن العائدات الكبيرة لصادرات الغاز الطبيعي المسال إلى الخارج، تضطر الأسر والشركات الصناعية الأوروبية والآسيوية إلى شراء الطاقة بأسعار تفوق الأسعار الأميركية بأضعاف.

وكان بإمكان ترامب أن يضيف جملة أخرى إلى تصريحاته: «ولا أبالي بذلك إطلاقاً!».

تابع ميدل ايست نيوز على التلغرام telegram
المصدر
ميدل ايست نيوز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

ثلاثة عشر + 11 =

زر الذهاب إلى الأعلى